سوريون يعجزون عن تعلم الألمانية... على من تقع المسؤولية؟

تاريخ النشر: 29.01.2019 | 13:01 دمشق

ألمانيا -حسام يوسف - تلفزيون سوريا

"كنت في حينها مندفعاً، جاداً، طامحاً، كيف لا وهي اللحظة التي انتظرتها منذ وصولي ألمانيا قبل ثلاث سنوات من اليوم، خاصة وأن حصولي على ورقة الالتحاق بدورة تعليم اللغة الألمانية كانت بمثابة أولى خطواتي في البلد الجديد الذي طمحت لتحقيق الكثير فيه بعد أن اعترف بي كلاجئ على أراضيه، فكما تعلم اللغة هي أولى عوامل الاندماج وبناء المستقبل".

سرد بسيط بدأ فيه الشاب السوري مراد 30 عاماً قصته مع دورات تعليم اللغة التي التحق بأولها قبل ثلاث أعوام من اليوم، مضيفا: "اندفاعي وشغفي لم يدم طويلاً، فمن الشهر الأول للدراسة اكتشفت أنني هنا "أي في المدرسة" لزيادة أرباح المدرسة وليس لتعلم اللغة كما اعتقد، لاسيما في ظل ضعف المعلم الذي كان قد تجاوز سن التقاعد بسنوات، وعدم تمكنه من إيصال المعلومة، بالإضافة لفقدان إدارة المدرسة للمصداقية مع الطلاب، وهو ما لمسناه لاحقاً من خلال بعض الإجراءات التي قامت فيها".

الصدمة.. والحلم الذي تحول إلى كابوس

أصعب ما تعرض له مراد وقف حديثه لموقع "تلفزيون سوريا" هو إحساسه بأن تعلم اللغة بدأ يتحول إلى مهمة مستحيلة، بعد أن كان دافعا وهدفا، مضيفاً: "كنت في كل يوم خلال الأشهر الأولى أحاول أن أقنع نفسي بأنني سأكون قادرا على التعلم وأنني لا أزال في بداية الطريق، ولكن بعد انقضاء الشهر الثالث دون أن أحقق أي تقدم على مستوى اللغة بدأت أشعر بأن جداراً كبيراً يبنى بيني وبين اللغة ودونما شعور بدأت أردد عبارة إنه من المستحيل تعلم هذه اللغة، وبالتالي بدأ الفشل يتسلل إلى داخلي شيئاً فشيئاً، خاصةً وأنني في كل يوم عندما كنت أعود إلى المنزل أحاول البحث عن أي معلومة جديدة أو قاعدة لتعلمها أو مراجعتها بعد أربع ساعات من الجلوس في الصف أمام الأستاذ، إلا أن جهودي كانت تذهب أدراج الرياح، ودفاتري التي تخيلت أنها ستمتلئ بالمعلومات، لازالت خالية إلا من بعض العبارات باللغة العربية التي كنت أغطي بها على مللي أثناء حضور الدورة".

خيارات بديلة.. وشركاء يتقاسمون المسؤولية

الجدار بينه وبين اللغة، وحالة الفشل كانت تتجذر بداخل مراد بحسب ما قاله مع كل مرة كان يراجع فيها دوائر الحكومة أو أثناء محاولته التحدث مع الناس في السوبر ماركت أو محطة الحافلات أو الاستفسار عن عنوان معين، ليعود ويصطدم من جديد بعجزه عن التعبير أو الحديث، ذلك العجز الذي لا يزال يرافقه حتى اليوم وبعد أن أمضى سنتين في دورة تعليم اللغة التي فشل خلالها بتجاوز اختبار مستوىB1.

حالة العجز والإحساس بالقصور عن التعامل مع الناس وعدم اقتناعه بدورة اللغة وفائدتها دفعت الشاب الثلاثيني للبحث عن وسائل بديلة لتعلم اللغة لتكون دروس اليوتيوب هي واحدة من تلك الخيارات وفقا لما قاله مراد، لافتاً إلى أنه خلال بحثه وصل إلى إحدى الكورسات على الانترنت التي تُقدَم باللغة العربية، مشيراً إلى أنها ساعدته في فهم بعض القواعد وجمع بعض العبارات التي مكنته من إحداث تحسين في مستوى لغته إلا أنها لا تساعده للوصول إلى مستوى يمكنه من البحث عن عمل أو الدخول إلى دورات التدريب المهني كونها عبارة عن دورات للمبادئ الأساسية للغة أي قشور ليس إلا على حد وصفه.

بضيف مراد: "تسألني عن المسؤول عن فشلي في تعلم اللغة، أجيبك بوضوح أنني ربما أتحمل جزءاً من المسؤولية حول ذلك، ولكن طمع إدارة المدرسة وانحسار تفكيرها في جني الأرباح بغض النظر عن المستوى التعليمي الذي تقدمه وضعف "الأساتذة" يحمل 90 بالمئة من المسؤولية عن حالي وحال الكثيرين، فهي من وضعت مدرساً تجاوز سن التقاعد، وهي من لم يأبه بشكوانا المتكررة حول المدرس والغرفة الصفية، التي لم تكن مؤهلة إطلاقاً لتكون قاعة صفية"، مضيفاً: "في كثير من الأشهر كنا نحصل على عطلة استثنائية بسبب ظروف متعلقة بالصف منها حجز الغرفة لمناسبات لا تتعلق بالدراسة، وقد تصعق إن أخبرتك بأن الصف كان عبارة عن جزء تابع لمطعم مجاور للمدرسة".

يختم مراد: "لن أزيد كثيراً ولكن ما يجب أن أذكره بأننا كنا 20 طالباً في الصف، وبعد عامين من الدراسة كانت نتيجة الامتحان "لم ينجح أحد"، لافتاً إلى طول مدة الدراسة إلى عامين كان سببه كثرة العطل غير الرسمية للمدرسة، بالإضافة إلى أن الدورة بدأت من مستوى الصفر أو ما يعرف بـ"Alphabet".

أصوات مؤيدة.. وقصص مشابهة

في حالة الجدل حول دورات اللغة الألمانية لم تكن شكوى مراد على المدارس واتهامها بتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية هي الوحيدة، فإلى جانبه جدد الشاب أحمد 32 سنة "اسم مستعار" اتهام المدارس بالتحول إلى الاتجار في مستقبل اللاجئين من خلال الدورات التي تفتقد لأبسط الأسس التعليمية، مشيراً إلى أن الكثير من المدارس استغلت حالة الضغط وارتفاع أعداد اللاجئين خلال الأعوام الماضية لتحقيق المزيد من الأرباح من خلال فتح دورات إضافية تفوق قدرتها وقدرة كوادرها، ما دفعها للاستعانة بالكثير من المدرسين الذين يفتقدون للتأهيل، خاصة وأن معظمهم إما متقاعدين أو ليسوا اختصاصيين تم التعاقد معهم لتغطية النقص بالكادر التدريسي.

ويضيف أحمد: "اللغة الألمانية واحدة من أصعب لغات العالم لدرجة أن الكثير من الألمان غير ملمين بقواعدها وعاجزين عن تكلمها باللغة الفصحى، وبالتالي فإن الاعتماد على كوادر غير متخصصة يعني أن الدورة ستكون حتماً فاشلة، كما حدث معي في دورة أولى دورة تعليم التحقت بها، فالأستاذ كان غير ملم وغير متمكن من القواعد وهذا بشهادة مدير المدرسة الذي حضر واحداً من الدروس بناءاً على طلبنا، والذي على الرغم من ذلك أبقى عليه مدرساً لنا، لتكون النتيجة أيضاً بعد ستة أشهر من حضور الدورة لم ينجح أحد"، مشيراً إلى أن الكثير من أيام الدورة كانت تمضي دون إعطاء درس أو حتى معلومة، وإن الطلاب كانوا يقضون ساعات الدورة الأربعة في الاستراحة أو يستمعون إلى الأحاديث الجانبية للأستاذ الذي كان يتحدث الإنكليزية أكثر من الألمانية معتمدا على وجود بعض الطلاب مِن مَن يجيدونها.

وجهات نظر وزوايا رؤية مختلفة

رغم وجود الكثير من الأصوات التي أيدت تحميل معاهد تعليم اللغة مسؤولية ضعف الكثير من اللاجئين في اللغة، إلا أنه برزت أصوات أخرى رأت الأمور من زاوية مختلفة، حملت خلالها اللاجئين الجزء الأكبر من المسؤولية، فالشاب سامر 33 عاما انطلق في حكمه من تجربته في ألمانيا، موضحاً أنه تمكن خلال الدورة من إتقان أساسيات اللغة التي مكنته من العمل بعد الدورة مباشرة كمترجم في إحدى المؤسسات، مضيفاً: "ربما تتحمل المدارس جزءا من المسؤولية، ولكن عدم جدية نسبة كبيرة  من اللاجئين خاصة ممن أتوا إلى ألمانيا أواخر العام 2015 هو النقطة الرئيسية في مشكلة اللغة"، مشيراً إلى أنه من خلال عمله مع إحدى المؤسسات لمس عدم الرغبة أو فقدان الدافع لدى الكثيرين في تعلم اللغة، وأن الكثير منهم غالباً ما يردد عبارة : "أنا بالعربي كنت فاشل وما فلحت بالمدارس، هلأ بدي أفلح بالألماني".

ويضيف سامر: "إلى جانب عدم الرغبة، فإن شريحة من اللاجئين تعتمد على إطالة زمن دورات اللغة وعدم إجادتها لقضاء وقت أكبر في تلقي المساعدات الحكومية، خاصة من هم أصحاب عائلات يمثل العمل بالنسبة لهم خسارة جزء كبير من المال أو من كبار السن الذين يعتبرون الذهاب إلى دورات اللغة إهانة لأعمارهم"، لافتاً إلى أن نسبة كبيرة من هؤلاء يعتمدون على الإجازات المرضية للتهرب من حضور الدروس، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن المسؤولية التي تتحملها المدارس تتعلق في تجاوز طاقتها التعليمية من ناحية فتح الدورات الإضافية، وعدم مراعاة الفروق التعليمية والعمرية للمشاركين بالدورات.

المختصون والمفاهيم الخاطئة

بين الأخذ والرد وسرد التجارب، كان للمختصين في تدريس اللغات رأيهم، حيث اعتبر أستاذ اللغة أحمد عجان أن مسألة الضعف باللغة تنبع بالدرجة الأولى من مفهوم الطلاب للدورة بحد ذاتها، مضيفاً: "البعض يفترض سلفاً أن المدرسة ودورة الأشهر الستة ستكون كفيلة بتخريجهم ملمين 100 بالمئة باللغة وقادرين على التحدث بطلاقة، وهذا خطأ، فتعلم أي لغة أجنبية كانت وحتى اللغة الأم يرتبط بعدة عوامل أهمها وأولها التواصل والممارسة، وهو ما يفتقده الكثير من متعلمي اللغة الألمانية حاليا".

وأشار عجان إلى أن البعض يعتمد على ما يتلقاه في المدرسة من قواعد ومفردات وحفظها، ولكن اللغة المحكية في الشارع ومهارات التحدث مسألة أخرى مختلفة تماماً، فإلى جانب اتقان القواعد وحفظ الكلمات يحتاج المتعلم إلى سماع اللغة والتحدث بها وهو ما يمثل الجانب العملي والمهم في مسألة التعلم"، لافتاً إلى أنه من المجحف تماماً تحميل المدرسين والمدراس مسؤولية "فشل" شريحة واسعة من اللاجئين في تعلم اللغة خاصة وأن هناك نسبة عالية منهم أتقن اللغة بزمنٍ قياسي وانخرط في سوق العمل، لافتاً أنه التقى بالكثير من الأشخاص الذي أظهروا بشكلٍ واضح أنهم غير مهتمين بتعلم اللغة في ظل تلقي المساعدات غير محددة الزمن ولأجل غير مسمى، وهو ما اعتبره عاملاً من عوامل عدم تعلم اللغة لدى الكثيرين.

 

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
شركة "فايزر" تتحدث عن جرعة ثالثة من لقاحها ضد كورونا
حمص.. ارتفاع عدد المصابين بكورونا بنسبة 30% عن الأشهر السابقة
منظمة الصحة تكشف حجم دعمها للإدارة الذاتية منذ بداية العام