سورية تحفظ ملامح دمشق القديمة في صور

تاريخ النشر: 07.12.2020 | 18:17 دمشق

ديلي ميل- ترجمة وتحرير: ربى خدام الجامع

تقوم رانيا قطف وهي تتجول في حارات العاصمة السورية التي مزقتها الحرب بالتقاط صور للبيوت المعروفة في تلك المدينة، حيث تأخذ صوراً لأركانها والصدوع الظاهرة فيها حتى تراها الأجيال القادمة.

إذ بعدما رأت مدى الضعف الذي اعترى تلك البيوت خلال الحرب المدمرة التي عصفت بالبلاد، بدأت تلك الشابة البالغة من العمر 35 عاماً بجمع أرشيف رقمي لأبنية دمشق القديمة، وحول ذلك تقول: "لقد ألهمني المصورون الأوروبيون الذين حاولوا أن يوثقوا الأبنية في مدنهم خلال الحرب العالمية الثانية وذلك حتى يتمكن مهندسو العمارة فيما بعد من إعادة بناء وترميم أجزاء من تلك الأبنية".

هذا وتشتهر المدينة القديمة في العاصمة السورية ببيوتها الأنيقة التي تعود إلى قرون سالفة، لاسيما تلك البيوت المؤلفة من طابقين يحيطان بباحة مستطيلة الشكل تتوسطها نافورة ماء حجرية، وتشتمل غرفها الكثيرة عادة على غرفة ضيوف صيفية وأخرى شتوية، وكلاهما تطلان على الباحة.

وبالرغم من أن العاصمة لم تشهد الكثير من أحداث العنف التي شهدتها سوريا طوال الحرب التي امتدت لعشر سنوات تقريباً، إلا أن العديد من البيوت التقليدية فيها هجرها أصحابها أو تدمرت خلال فترة النزاع.

باحة قصر النعسان

 

وقد تحول بعض تلك البيوت إلى مأوى للعائلات التي نزحت بسبب القتال، فاستقرت في تلك الغرف ذات الأسقف العالية، وقد أضاف البعض عليها تعديلات طفيفة بالنسبة لتصميمها الداخلي.

وفي عام 2016، أنشأت رانيا مجموعة على فيسبوك أطلقت عليها: "أهل دمشق"، فقام أكثر من 22 ألف سوري من العاصمة بإرسال صور لبيوتهم إلى تلك المجموعة، وحول هذه التجربة تقول رانيا لنا: "لا داعي لأن تكون خبيراً حتى تقوم بتوثيق شيء ما".

بيت الأجداد

لقد أثبتت صور هذه الشابة أهميتها بالنسبة لعمليات الترميم والتجديد.

رانيا والعاملون في مجال الترميم في بيت القوتلي الفخم الذي يعود للحقبة العثمانية

 

فمن داخل بيت فخم يعود للحقبة العثمانية ويعرف باسم بيت القوتلي، تمكنت هذه الشابة ولكن بصعوبة من التقاط صور لكل جزء من أجزاء جدار مزخرف، ثم دونت خربشات في دفتر ملاحظاتها.

فقد كانت ملكية هذا البيت تعود لعائلة أول رئيس حكم سوريا بعد الاستقلال وهو الرئيس شكري القوتلي.

إلا أن جزءاً من البيت قد انهار في عام 2016، بسبب نيران صاروخ تهتكت بسببه جدرانه، إلا أنه من المزمع حالياً أن يجري تحويل هذا البيت إلى مركز ثقافي، ولهذا نجد اليوم عمالاً يقفون في إحدى قاعات البيت الفسيحة بستراتهم الصفراء وقبعاتهم القاسية الزرقاء وهم ينفضون الغبار الذي تراكم على العوارض المطلية بلون أخضر داكن وذهبي، والمدعمة بحاملات.

ولهذا فإن الصور التي التقطتها تلك الشابة لشكل البيت لابد وأن تستخدم كمرجع عند قيام هؤلاء العمال بترميم ما تدمر منه.

يذكر أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) قررت في عام 2013 أن تضيف كل مواقع التراث العالمي الستة الموجودة في سوريا والتي تشمل مدينة دمشق القديمة وحلب القديمة وآثار تدمر لقائمة مواقع التراث العالمي المهددة بالخطر.

وهنا تحدثنا تلك الشابة التي درست التغذية في العاصمة اللبنانية بيروت بأن ما حفزها على العمل هو ما رأته من تخريب وتدمير خلفه النزاع على الدور المعمارية التي طالت مواقع أخرى في سوريا، وتعلق على ذلك بالقول: "خفت أن يحدث الشيء ذاته لدمشق القديمة، ولهذا بدأت بتوثيق كل التفاصيل التي تمكنت من توثيقها".

 

التصميم الداخلي لقصر النعسان أحد المعالم التاريخية في العاصمة السورية دمشق

كان القصف مستمراً في محيط دمشق، ولكنه هدأ بشكل نهائي بعد إخراج النظام للمقاتلين من ضواحي المدينة في عام 2018.

إلا أن مشروع "أهل دمشق" استمر، ونشرت فيه الكثير من الصور كما احتفظت رانيا بالكثير منها لتقدمها للباحثين عند الطلب.

غير أن بعض الأبنية اليوم ما تزال مهددة بفقدان هويتها بسبب مشاريع التكسب أو أنها أهملت وأصبحت طي النسيان بعد هجرة سكانها كما تقول رانيا.

أعيش في متحف

يخبرنا رائد جبري وهو يجلس بالقرب من نافورة بيته الذي حوله إلى مطعم بأنه فعل كل ما بوسعه ليحافظ على الجمال الأصلي لهذا البناء.

رائد جبري وهو يعمل داخل بيته الذي حوله إلى مطعم في مدينة دمشق

إذ يقول لنا هذا الرجل الذي بلغ الحادية والستين من العمر: "كنا على وشك أن نخسر البيت نهائياً، فقد أوشك على السقوط وأصبح بحاجة ماسة للإصلاحات".

وهكذا قام بتحويل البيت إلى مطعم في تسعينيات القرن الماضي، حيث استثمر من أرباحه في المطعم لصيانة وترميم ذلك البناء، ويحدثنا عن ذلك بالقول: "البيت الدمشقي ليس فقط لسكانه" ثم أخذ يتذكر الأيام الخوالي قبل الحرب عندما كان السياح يتقاطرون على المدينة.

وفي طرف آخر من أطراف المدينة القديمة، يحكي لنا رجل الأعمال سمير الغضبان وهو رجل في الخمسين من عمره عن اعتزازه وفخره بنفسه كونه مايزال يقيم في البيت الذي كان يؤوي أحد المشاهير من الجزائر في القرن التاسع عشر ممن قاوموا الاحتلال الفرنسي في بلده ثم لجأ إلى سوريا حتى وافته المنية فيها، فيقول: "أقمنا أنا وزوجتي في هذا البيت منذ 12 سنة، في المكان ذاته الذي سكنه الأمير عبد القادر".

يعرف عن عبد القادر أنه أنقذ آلاف المسيحيين من العنف الطائفي الذي عصف بالبلاد في عام 1860 وذلك طوال فترة إقامته بدمشق.

وهنا يخبرنا السيد سمير بأنه سعى جاهداً للحفاظ على أصالة البيت وفرادته في أدق تفاصيله، بصرف النظر عن التكلفة التي دفعها من أجل ذلك، وذلك تكريماً لمن عاشوا في البيت قبله.

 

غرفة جلوس من بيت الأمير عبد القادر الجزائري

وفي غرفة جلوس صيفية تطل على إحدى باحتي البيت، نرى الجدارن المغطاة بنقوش دقيقة وبارعة، وتشتمل على آيات قرآنية، نقشت تحت سقف خشبي مطلي. ويحدثنا عن ذلك السيد الغضبان فيقول: "أحس وكأني أعيش في متحف، لهذا لم يعد بإمكاني أن أعيش في شقة عادية بعد اليوم".

المصدر: ديلي ميل 

مقالات مقترحة
العراق: فرض إغلاق شامل في بغداد لمواجهة تفشي فيروس كورونا
السعودية تلزم الوافدين بالخضوع لحجر صحي مدة أسبوع
15 حالة وفاة و178 إصابة جديدة بفيروس كورونا في سوريا