سوريا الاتحادية دراسة قانونية (3)

تاريخ النشر: 23.09.2019 | 00:09 دمشق

آخر تحديث: 30.09.2019 | 12:13 دمشق

(دوافع الفيدرالية)

إذا كان الدافع للفيدرالية في الماضي هو لصد عدوان أو لتوحيد المصالح الاقتصادية، فإن الدوافع في العصر الحديث تنوعت، وهذه نتيجة طبيعية لتطور الفكر الإنساني، حول مفهوم الدولة ووظيفتها، هذه المفاهيم أوجدت دوافع جديدة للفيدرالية.

الخوف دافع أصحاب مبادرة سورية الاتحادية

حددت المبادرة الدافع لقيام دولة اتحادية (والواقع الحالي يستدعي من الجميع تغليب المصلحة العامة واستنفار كافة الجهود لإعادة تثبيت مفهوم الدولة السورية ((الاتحادية)).

حددت المبادرة دافعها لقيام سوريا الاتحادية بالخوف من التقسيم والزوال، وهذا ما يدفعنا لدراسة دوافع الفيدرالية بشكل عام، ومدى صلاحيتها لتكون دافعاً لإعلان سوريا الاتحادية.

دوافع الفيدرالية متعددة ومتنوعة وتختلف من دولة لأخرى ولكن نجملها بما يلي:

دافع القوة العسكرية (العوامل الدفاعية):

يؤدي العامل العسكري إلى خلق شعور بالاتحاد لدى شعوب وجماعات مختلفة في كل شيء، فالتهديدات الخارجية

سوريا بالأصل دولة موحدة بسيطة، مستجمعة لقواها، وجيشها واحد، على العكس من ذلك الفدرالية ربما تؤثر بقوتها فتضعفها.

أو مقاومة العدوان المشترك يخلق شعوراً بالمصير المشترك لدى تلك الدول، فتتفق فيما بينها لإنشاء دولة اتحادية.

إن أهم الفيدراليات المعاصرة وأنجحها وأدومها أقيمت بدافع القوة العسكرية منها سويسرا وأمريكا وكندا.

هذا الدافع لا يصلح البتة في أن يكون سبباً لتحول دولة موحدة بسيطة إلى دولة فدرالية، هذا السبب موجود عند الدول التي كانت مفككة ونشأت الفدرالية لديها بالانضمام أو الاتحاد.

فسوريا بالأصل دولة موحدة بسيطة، مستجمعة لقواها، وجيشها واحد، على العكس من ذلك الفدرالية ربما تؤثر بقوتها فتضعفها.

العوامل الاقتصادية في قيام الفيدرالية

العامل الاقتصادي من أهم العوامل لقيام الاتحاد الفيدرالي، وذلك عندما تكون الدول المستقلة متخلفة اقتصادياً تخلفاً لا تستطيع القضاء عليه إن بقيت مستقلة، فتتحد من أجل التكامل الاقتصادي، كأن يكون بعض هذه الدول لديها ثروات طبيعية والأخرى تمتلك أيدٍ عاملةً، والثالثة دول صناعية، جميعها تتحد من أجل تحقيق التقدم والازدهار.

ففي أمريكا كانت بداية التفاوض بسبب خلاف تجاري بين ولايتين لذلك جاء الاتحاد الفيدرالي الأمريكي ليجمع بين ولايات زراعية (الولايات الجنوبية) وولايات صناعية (الولايات الشمالية) لينتج اقتصاداً قوياً استطاع السيطرة على العالم.

هذا الدافع لا يصلح أن يكون سبباً لتحول الدولة الموحدة إلى الفدرالية، بل هو دافع خاص بالدول المستقلة وتريد أن تتحد بشكل فدرالي، وسوريا دولة موحدة فلا يصلح لها العامل الاقتصادي.

العوامل الجغرافية

يقول الفقيه ويري ((يعتبر التباعد الجغرافي سبباً مهماً لقيام الفيدرالية التي نشأت في العصر الحديث بوجه خاص)

تؤدي المساحة المترامية الأطراف في بعض الدول إلى ضعف سيطرة المركز وضعف أداء الحكومة المركزية لذلك تتغلب على هذه المعضلة بأن تتحول من دولة بسيطة إلى دولة اتحادية.

من الفيدراليات التي نشأت نتيجة عوامل جغرافية البرازيل-الأرجنتين-الهند-روسيا-أندونيسا -كندا حيث كانت جميعها دولاً موحدة فتحولت لدول اتحادية نتيجة لكبر مساحتها الجغرافية.

إن مساحة الدولة السورية 185 ألف كم مربع، وهي مساحة صغيرة نسبياً، والسلطة الجادة والفاعلة قادرة على السيطرة عليها، وإيصال الخدمات والحاجات لسكانها، فإذا ترافقت هذه المساحة الصغيرة مع لا مركزية إدارية، فإن تسيير الدولة لمرافقها سيكون بالشكل المثالي.

العوامل السياسية:

تظهر العوامل السياسية عندما تكون المجتمعات مرتبطة بروابط سياسية سابقة لقيام الاتحاد الفيدرالي، كأن تكون أعضاء في اتحاد كونفدرالي سابق، مثل ألمانيا الاتحادية التي كانت مرتبطة باتحاد كونفدرالي منذ عام 1815 حتى قيام الدولة الاتحادية.

وكذلك الارتباط في العقيدة السياسية ولاسيما العقائد العابرة للحدود تؤدي إلى الاتحاد الفيدرالي بين مجموعة من الدول لا رابط بينهم سوى تلك العقيدة، مثل الاتحاد السوفيتي الذي جمع مجموعة من الدول المتنافرة التي لا يجمعها سوى إيمانهم بالشيوعية.

هذا العامل في سوريا لا وجود له تاريخياً، على العكس من ذلك فقد كانت مساحتها في بداية تكوينها أضعافاً مما هي عليه الآن، لتتقلص بفعل الاتفاقيات الدولية إلى وضعها الحالي.

على العكس إن العوامل والذاكرة السياسية تدفعها لأن تبقى كما نشأت دولة بسيطة وموحدة.

العوامل الاجتماعية والثقافية

التنوع في المجتمع يعني وجود أكثر من فئة متجانسة في أي جانب كان من حيث اللغة أو القومية أو الثقافية، وهو سمة غالبة على جميع المجتمعات ولا يوجد مجتمع متجانس عرقياً وثقافياً ولغوياً واجتماعياً.

تثور مشكلة التنوع عندما يتغلب الانتماء القومي أو الطائفي أو الديني على الانتماء الوطني (للدولة) سواء من قبل الأقلية أو الأكثرية، فيلجأ البعض إلى الاتحاد الفيدرالي، لأنه يعتبره نظاماً مثالياً للدولة الحامية لجميع حقوق المجتمع التعددي، حيث يعطي جميع الأطياف شيئاً من الاستقلالية، بحيث يمكن إشباع حاجاتها ورغباتها القومية أو الدينية، إضافة إلى التوفيق وعدم تقسيم البلد.

والحقيقة العلمية المؤكدة بأنه لا يوجد مجتمع ينتمي إلى قومية واحدة، أو دين واحد، ومتجانس في أصوله وديانته وثقافته.

والمجتمع السوري ليس استثناء من هذه القاعدة، هذا ما دفع المؤمنين بالفيدرالية، بأن يكون التنوع بهذا الشكل، سبباً رئيسياً وحيداً للمطالبة بالفدرالية.

إذا كان الدافع هو التنوع في المجتمع لقيام الفدرالية السورية، هذا يتطلب نتيجة حتمية عنه أن تقوم الفدرالية العرقية، وليست الجغرافيّة، بمعنى أن تقسم الأقاليم في الفدرالية السورية حسب العرق أو الديانة أو المذهب الذي ينتمي له سكان الإقليم كنتيجة تحقق أهداف الدافع لقيام الفدرالية.

إن أيّة دراسة للجغرافية البشرية السورية وتوزع السكان ستعطينا خريطة توضح بأنه لا يمكن إقامة فدرالية في سوريا على أساس طائفي أو عرقي، إلا بعد القيام بعمليات تطهير واسعة النطاق، ستؤدي مستقبلا لحرب أهلية تقود لتقسيم سوريا بشكل كامل.

دافع المبادرة للمناقشة

يرى أصحاب مبادرة سوريا الاتحادية، بأن سوريا في ظل الظروف الراهنة، وما نتج عن الحرب الدائرة لسنوات من تشظي للبلاد، وسلطة أمر الواقع، وفي ظل الشحن

إن مشكلة السوريين الأساسية نظام مستبد فهل إعلان الفيدرالية يسقط نظام دمشق؟ لا يوجد عاقل يعتقد ذلك

الطائفي والعرقي لن تعود كما كانت، فالفيدرالية في ظل هذه الظروف هي الطريق الوحيد للحفاظ على سوريا موحدة، وحتى لا تذهب سوريا إلى التقسيم.

إن الفيدرالية تأتي نتيجة مطالبة مجتمعية أو حل لمشكلة داخل المجتمع من قبل فئات تجد بها حلاً لمشكلتها، ولا نجد أي دعوة بين القوى السياسية والعسكرية المسيطرة على الشمال (موطن الفيدرالية الجديد) لتقسيم أو تغيير شكل الدولة. كما إن مشكلة السوريين الأساسية نظام مستبد فهل إعلان الفيدرالية يسقط نظام دمشق؟ لا يوجد عاقل يعتقد ذلك.

كما أن الثورة السورية الآن، في مخاض للتغيير، وهي تدفع الضريبة، وتتجسد هذه الضريبة بسلطات أمر الواقع المقتسمة الأرض السورية.

هذه الضريبة لابد منها للوصول إلى سوريا كما يجب أن تكون على كافة الصعد، شاملة التغيير للمفاهيم والقوانين والعلاقات الاجتماعية، فالثورات مثل العواصف الراعدة أمر لا يمكن تجنبه، وأمر مفيد في أغلب الأحوال، مثلما تفيد العاصفة الريف الملتهب حرارة.

 أما من يعوّل على حالة التغيير الديموغرافي الحاصل بقوة السلاح في بعض المناطق، وسلطات أمر الواقع، فهي حالة غير قانونية وغير دائمة، ولن يتم قبولها والبناء عليها، لأنها جريمة ضد الإنسانية فلا يمكن أن يبنى على الجريمة تصرف قانوني.

كلمات مفتاحية
درعا.. ملازم في جيش النظام يهين لؤي العلي رئيس "الأمن العسكري"
تنفيذاً للاتفاق.. النظام يدخل تل شهاب غربي درعا ويفتتح مركزاً "للتسويات"
مع تسارع التطبيع.. هل ينجح الأردن في إعادة تعويم الأسد؟
كورونا.. بايدن يعلن تقديم 500 مليون جرعة لقاح للدول النامية
للسنة الثانية على التوالي.. كورونا يعيق تنظيم توزيع جوائز نوبل
كورونا.. زيادة الإصابات تدفع مشافي اللاذقية لخطة الطوارئ