دليلك في عالم التوحش

تاريخ النشر: 12.10.2020 | 00:00 دمشق

لم تكن الحرائق المندلعة في الساحل السوري منذ أيام المناسبةَ الأولى لانقسام أبناء الثورة إلى فريقين؛ شامت بمجمل أبناء جبال العلويين التي تضررت بالدرجة الأولى، و«إنساني» إن صح التعبير. ولن تكون الأخيرة ما دامت الأحقاد هي ما بات يغذي الصراع في البلاد أكثر من أي دافع آخر.

لم يكن الثائرون مختلفين نوعياً عن باقي السوريين حين أطلقوا هتاف احتجاجهم وأبدوا استعدادهم لدفع الثمن. كانوا متقدمين عن الآخرين خطوة أو بضع خطوات قليلة هشة. وحين استحق الثمن الباهظ فوراً حط بكامل ثقله على أرواحهم فحطّم الكثيرين وأعادهم إلى بدائية غابة الأسد التي نشؤوا فيها. وهكذا لم يبق من شعاراتهم الصادقة الأولى في الحق والعدالة إلا أمشاج متناثرة تعرضت للسحق على يد ماكينة النظام الوحشية التي سحبتهم من جديد إلى عالمها القائم على عبادة القوة وتمجيد العنف والاستجابة لنوازع العقاب الجماعي.

إنهم أقرب إليك مما تظن؛ أصدقاء وإخوة ورفاق درب. ما إن تسنح الفرصة لنفث البركان الذي يضطرم في دواخلهم حتى يطلقوا حممه بطلاقة، متجلياً في أحكام معمّمة لا تستثني من

الحاقد يسوّغ لنفسه التحلل من كل شيء. فأي عدالة والعالم يسمع صرخاته منذ عشر سنوات دون إغاثة؟ وأي معايير إنسانية وصور أشلائه ملأت وسائل الإعلام المختلفة دون جدوى؟

معسكر الخصوم طفلاً ولا امرأة ولا عجوزاً، ولا تميز بين مجرم مدان، ومؤيد كلامي للإجرام، وبريء. في استنساخ لما يشيع في أجواء مؤيدي النظام من مفهوم «البيئة الحاضنة» للإرهاب أو للمسلحين، ومشروعية القضاء عليها بشكل كامل لاجتثاثهم. ومن البديهي أن هذا لا يتطابق مع أي من معايير العدالة أو القوانين أو الأديان.

لكن الحاقد يسوّغ لنفسه التحلل من كل شيء. فأي عدالة والعالم يسمع صرخاته منذ عشر سنوات دون إغاثة؟ وأي معايير إنسانية وصور أشلائه ملأت وسائل الإعلام المختلفة دون جدوى؟ وأي قانون ما دام قضى عمره في بلد لا يقيم له وزناً على المستوى الداخلي، ولما آمن به مؤقتاً على الصعيد الدولي لم يجد له أثراً في تخفيف معاناته؟ وحده الدين ما يمكن أن يحد من آثار الحقد الشامل لأنه يشترط العدالة في معاقبة المرتكب لا بيئته الحاضنة، لكن البشر اعتادوا التحايل على أحكام الدين الحاسمة حين يشاؤون؛ تجاهلاً، أو استخداماً وفق الرغبة، وحتى كفراً إن اقتضى الحال.

لمحاربة هذه الوحشية يجب تحليلها أولاً. وهو ما لم يُنجَز منه إلا سطر واحد، محقّ، يقول إنها نتيجة لوحشية النظام المفرطة على المستوى الفعلي، ولوحشية مؤيديه الموازية على مستويات التعبير والشماتة السابقة. وفي ما عدا ذلك لا توجد إلا تصورات نمطية لا تنطبق في كثير من الأحيان؛ كالقول إن من غلبتهم الميول الثأرية هم ممن فقدوا أحباء لهم خلال أعمال القمع والقصف المختلفة، وهذا ليس دقيقاً في الحقيقة، فمِن «أولياء الدم» مَن يُظهر انسجاماً مع معايير العدل يفوق كثيراً ممن لم يدفعوا ثمناً يُذكر. كما يقال إن طغيان المشاعر الدموية الشاملة يرتبط بنقص التعليم والثقافة، وهو ما ثبت خطؤه مرات أكثر من أن تُحصى، إذ تعثر بسهولة، في صف من يدعون إلى الإبادة الجماعية، على مستويات عالية من التحصيل الدراسي، وباختصاصات تبدو غريبة هنا، كالحقوق والمجتمع المدني والإعلام. لا يشعر هؤلاء بأدنى تناقض بين ما درسوه وما يزعمون أنهم يمارسونه من أعمال وبين أنيابهم التي يكشرون عنها في الوقت الذي يشمّون فيه رائحة الضحية. بالضبط كما كان يفاجئنا بعض مؤيدي النظام من رسامين وموسيقيين وشعراء... إلخ. أما المسلّمة غير الدقيقة الثالثة فهي أن دعاة التنكيل الشامل لا بد أن يكونوا من سكان المناطق المحررة في إدلب، وربما مخيماتها، ممن يعانون ظروف عيش شديدة العسر، ومرّت عليهم تجارب مريرة من التعرض للتدمير والتهجير، وهو ما ثبت عدم انطباقه عندما يتولى مهاجرون كثر إلى أوروبا بعض أعتى درجات التحريض اللفظي ما دام قد تعذّر عليهم فعله، هروباً من مشاعر الخذلان والاغتراب وسوء التكيف مع مجتمعاتهم الجديدة.

يتطلب الأمر دراسة أثر هذه العوامل لكن دون اعتبارها حقائق نهائية ثابتة، كما يحتاج إلى افتراض عوامل أخرى وسبرها، كالثقافة الأهلية الأصلية ومنظومة القيم والانضباط الانفعالي ومستوى العدوانية ونوعية التجارب الشخصية غير الثورية والعمر والجنس. يبدو هذا بالغ الصعوبة مع ميل السوريين، وأبناء المجتمعات المتأخرة، إلى التجمّل أمام الكاميرا والتدليس في استطلاعات الرأي. الدكتور جيكل هو من سيجيبك عن أسئلة الاستبيان، بابتسامته اللطيفة وأناقته البادية، أما المستر هايد المريع فيسخر في الداخل من المشهد، معتبراً إياك مجرد «ناشتٍ» آخر يدافع بسذاجة عن الإخوة في «الوتن».

غير أن مقاومة الوحوش التي تجول بيننا، متنكرة أو سافرة، لا تتطلب التعامل معها كمخلوقات منحرفة دون مقدمات. بل تحتاج، بصورة ملحة، إلى محتوى فاعل مؤثر يقدمه العالم لمعاني مفردات من نوع «الإنسانية» و«العدالة» و«حقوق الإنسان» و«التفوق الأخلاقي» وسواها من تعبيرات القيم التي لطالما عدّها المستر هايد حزمة أكاذيب أو كلاماً فارغاً، مدعوماً بثقافة بعثية وأسدية عريقة نمّت الخوف من العالم والتشكيك فيه وعداءه لدى عموم السوريين.