حكايات الآغا خان: ترند الخمسينات

تاريخ النشر: 11.05.2021 | 18:58 دمشق

إسطنبول - محمد عبد العزيز

تنتشر الأخبار بصفقة طلاق بيل جيتس ومقدار الثروة التي ستؤول إلى زوجته وتقدر بـ 1.5 مليار دولار، وقبلها انشغل الناس بطلاق عملاق أمازون جيف بيزوس ومقدار ثروة زوجته. وهكذا لكل عصر أغنياؤه وقصص حياتهم التي تشغل الناس. الكتاب الذي بين يدي هو مذكرات الآغا خان الثالث زعيم الفرقة الإسماعيلية، الذي كان حديث المجتمع في الخمسينات بسبب ثروته ودوره السياسي.

عاش ثمانين عاماً. ولد في كراتشي عام 1877 وتوفي عام 1957. يحكي في الكتاب عن حياته. الهاجس المستمر في الكتاب هو الفرق بين العالم الذي ولد فيه وقضى فيه شبابه أي قبل الحرب العالمية الأولى، وبين حالة العالم في الخمسينات من القرن العشرين حينما كتب مذكراته. كتب سيرته بسبب انتشار أخباره، وكثير منها غير صحيح، حتى إنه أصبح في زمنه في الأربعينات والخمسينات أسطورة وحكاية عن رجل ثري يجوب العالم. وبسبب الأوهام الضخمة والتقديرات المبالغ فيها لثروته الخاصة وثروة عائلته، أراد أن يحكي روايته عما عايشه.

يبرع آغا خان في وصف التبدلات التي حدثت في عالمنا بين شبابه والشيخوخة

لقد كانت حياة آغا خان جسراً يصل بين عهود مختلفة. عندما كان شاباً جلس إلى جانب الملكة فيكتوريا في حفلة عشاء، وتحدث إليها طيلة الحفلة، وفي آخر حياته عندما كان يكتب سيرته جلس مع الملكة إليزابيث، وفي شبابه تعرف على اللورد كليفن، أحد أهم الفيزيائيين في العالم، وقال له الفيزيائي القدير بوقار وترو إن الطيران يشكل استحالة مادية بالنسبة للبشر، وحتى ه.ج. ويلز الكاتب البريطاني في كتابه المبكر "توقعات" توقع أن الطيران واكتشاف الطاقة الذرية سيتأخر قرنين أو ثلاثة، وقد خالف الواقع كل هذه التوقعات.

يبرع آغا خان في وصف التبدلات التي حدثت في عالمنا بين شبابه والشيخوخة، لقد زاد متوسط عمر الإنسان بنحو عشرين عاماً وتأخرت شيخوخة النساء، وانتشر تحديد النسل في نهاية عمره مقارنة بتسعينات القرن التاسع عشر، حين كانت الأسرة تتكون عادة من سبعة أولاد أو ثمانية. في شبابه كانت إنجلترا سيدة العالم والإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وكانت أميركا لا تزال في عزلتها قبل أن يسمع العالم صوت قنابلها في الحرب العالمية الثانية التي افتتحت عصراً جديداً تراجعت فيه هيمنة بريطانيا وحلت بدلاً عنها الولايات المتحدة، وفي شبابه كانت فرنسا العدو التقليدي لإنجلترا، بينما كانت ألمانيا الصديق الوحيد المحتمل في أوروبا.

الذكرى الأولى لطفولته هي صورة جده زعيم الإسماعيلية، الرجل المسن، كليل البصر، ممتطياً صهوة جواد عربي أشهب، يراقب صفاً من جياد أخرى تعدو في تدريبها. ويحكي عن طفولته في بومباي، لكن بومباي أواخر القرن التاسع عشر التي يحكي عنها في الكتاب، أصبحت مدينة مختلفة عن الوقت الذي كتب فيه المذكرات في نهاية الخمسينات، وأكثر اختلافا في زماننا. كانت بومباي التي ولد فيها آغا خان جزءا من الهند البريطانية، وكان لها تراث وثيق الصلة ببريطانيا، وألحقت بممتلكات التاج البريطاني كجزء من مهر "ماري أوف مودنيا" زوجة تشارلز الثاني.

كان آغا خان رقيقا نحيفاً في طفولته، وقد تنبأ عدد من الأطباء الإنجليز، بإجماع كئيب، بأنه لن يعيش حتى يبلغ الخامسة والعشرين. كانت سنوات طفولة كاتبنا عسيرة من نواح عديدة، بل خشنة وقاسية، لأنه في طفولته تم تدريبه على أن يعي ميراث الزعامة الروحية التي لديه. لذلك خضع إلى تعليم مكثف طوال الوقت، وتدريبات بدنية مثل ركوب الجياد، وتعلم الخط، ودراسة اللغة العربية والفارسية، وتعلم الإنجليزية على يد أساتذة يسوعيين. وحتى في غير أوقات الدراسة كان عليه أن يستقبل ضيوفاً أتوا لزيارته، وغالباً يأتون في وقت الفراغ القليل الممنوح له، وكانت أمه تحب الشعر، وتتلو أبياتاً للرومي، وكانت ضليعة في الأدب الفارسي والعربي، وحتى عندما بلغت التسعين كانت لا تخطئ في اختيار المقطوعات الشعرية، من أشعار العظام كحافظ وفردوسي وحتى الشعراء المغمورين.

يكتب آغا خان عن الفروق بين أواخر القرن التاسع عشر وحياته في القرن العشرين. يصف حياته وهو شاب حيث حل ضيفاً معظم الوقت على أسر ملكية في دول العالم، ويصف لنا انتشار حفلات المسرح والأوبرا التي كانت تقام بكثرة. ملاحظات آغا خان عن حالة العالم قبل الحرب العالمية الأولى تذكرنا بمذكرات عالم الأمس للأديب النمساوي ستيفان تسفايج حينما وصف ازدهار الفنون في فيينا وحالة الأمن التي نعمت بها أوروبا قبل الحرب.

عاش أغا خان عصر الاستقرار النسبي والأمان، ففي عام 1900 كان نصف قرن قد انقضى على ثورات 1848، وكانت البحار تخضع لسيادة بريطانيا، ووصلت الإمبراطورية البريطانية إلى أوج تألقها. في هذه الفترة ارتحل إلى أوروبا: إلى لندن وباريس وروما وبرلين، وأحيانا مونت كارلو ونيس، ذكريات اجتماعية وليالي أنس انتهت ببدء الحرب العالمية الأولى. في نيس رأى الجالية الارستقراطية الواسعة الثراء، مثل الإمبراطور فرانز جوزيف، وعشرات الأمراء الروس والأرشيدوقات النمساويون في فيلاتهم وقصورهم، والأمراء الإنجليز مع رجال الأعمال والصناعة، والطبقة الغنية في الإمبراطورية النمساوية-الهنغارية، مما أذهل الشاب القادم من بومباي وألقى في قلبه الروع والرهبة.

اهتم التاج البريطاني بآغا خان، وتواصلوا معه منذ طفولته حتى يضمنوا علاقة طيبة للطائفة الإسماعيلية بالحكم البريطاني، وفي الكتاب تفاصيل كثيرة عن رؤية آغا خان للاحتلال البريطاني، فهو رجل يميل إلى التسويات، وحديثه عن بريطانيا لن يعجب القارىء المؤمن بالاستقلال الوطني، لكنها شهادة من شخص عايش هذا العصر، وله رأي بخصوص تبدل معاملة بريطانيا للهنود مما أدى إلى ظهور غاندي ونزعة القومية الهندية. وفي الكتاب تفاصيل كثيرة عن الهند والاستقلال وظهور باكستان. تعود علاقة الإسماعيلية ببريطانيا إلى جده آغا خان الأول، إذ قدم مساعدات لبريطانيا في التوسع شمالاً وغرباً من البنجاب، وكذلك ساعدهم في المراحل الأخيرة من حرب بريطانيا ضد الأفعان عام 1841.

يصحبك آغا خان في الكتاب ليعرفك بالأدباء الذين التقاهم، مثل اجتماعه مع الكاتب مارك توين، فقد أمضى بصحبته أصيلاً كاملاً انتهى بتناول العشاء معه في فندق واطسون في بومباي حيث كان يقيم، يصفه بقوله "لقد كان مارك توين ذا شخصية ساحرة مبهجة وذا لطف بالغ أسرني أنا الولد ذو الذهنية الجدية"، ويكمل: "لقد بدا لي لطيفاً، عزيزاً وقدسياً، وحزينا متواضعاً جداً بالرغم من أنه كان ذلك العبقري ذائع الصيت".

زار آغا خان مصر ووقع في سحرها، وظل طيلة حياته يحتفظ لمصر بزاوية خاصة في قلبه، وظل يعود إليها كلما وجد إلى ذلك سبيلاً، وقابل في زيارة لمصر اللورد كرومر، الذي كان في أوج سلطاته آنذاك، لم ينزعج أغا خان من الاحتلال البريطاني، بل لام النخبة المصرية على أن لديها هوى فرنسياً وأنها ترغب في خروج الاحتلال البريطاني، وعلى أنها محافظة ومغلقة. وتمنى وجود جامعة مثل عليكرة في القاهرة. وزار آغا خان سوريا للاطمئنان على الإسماعيلية في منطقة السلمية والخوابي عام 1931 ودشن المدرسة المحمدية هناك، وفرح بمشاركة المرأة في المجتمع وبخلع الحجاب ونزولها إلى العمل، وأظهر عاطفة وعلاقة قوية مع الدروز.

كذلك زار آغا خان إسطنبول، واستضافه السلطان عبد الحميد الثاني في فندق بيرابالاس، وكانت له مقابلة طويلة معه في قصر يلدز. بدا للبعض أن هذا الاجتماع فيه رائحة الدراما الغريبة، لأن عبد الحميد كان يعيش وقتئذ في خوف عصبي من الاغتيال، كان السلطان مدمناً على التدخين، وكان آغا خان يعاني من حساسية من التدخين، وكانت سحب الدخان تطفو فوقهما، وأغلقت الغرفة وحضر مترجم لأن آغا خان لم يكن يعرف التركية، ورفض عبد الحميد أن يتحدث العربية أو الفارسية.

جلس آغا خان أمام السلطان الذي ارتدي ثوباً فضفاضاً، وأدرك أن السلطان يخفي تحت أثوابه سلاحاً ما، وأن أثوابه كانت من النوع الذي لا يخترقه الرصاص، وانبهر آغا خان من عناية السلطان عبدالحميد بالمظهر، حيث صبغ لحيته بالصباغ الأسود، وكانت شفتاه مصبوغتان باللون القرمزي، وخداه باللون الأحمر، لم يكن هذا المكياج تعبيراً عن تخنث، ذلك أنه كان كامل الرجولة إلى أبعد ما يكون. استمر الحديث الودود بين آغا خان وبين السلطان عبد الحميد الثاني، ويذكر آغا خان أن السلطان عبد الحميد تأثر لكون الآغا يملك عن طريق كاشغر معلومات حديثة موثوق بها عن مسلمي الصين الغربية. أراد السلطان عبد الحميد أن يطمئن على الطعام الذي يقدم لآغا خان فأمر بإرسال الطعام من القصر إلى الفندق، ويفسر آغا خان هذا التصرف بأن عبد الحميد كان لديه هاجس التسمم ولعله خاف أن يتم اغتيال الأغا في زيارته لتركيا.

تعرف آغا خان على مشاهير عصره، تعرف على تشرشل وعلى والدة تشرشل "الليدي راندولف تشرشل" في مناسبات عديدة، وعندما يصف آغا خان تشرشل يقول عنه: "يجمع السير تشرشل في شخصيته القوية بين خصلتين هما في العادة متعارضتان، فهو الرومانسي ذو العاطفة العميقة والشعرية للتاريخ، وهو الاستراتيجي ذو الإحساس العام"، وفي أحد مرات النقاش حول الحرب العالمية الأولى، قال تشرشل لآغا خان بخشونة: "إن تركيا ستكون هدية المنتصر. فقد كانت رجل أوروبا المريض".

يصف آغا خان في سيرته حالة الصين عندما زارها في بداية القرن العشرين، حيث كانت الإمبراطورة العجوز تعيش في بكين في عزلة داخل قصرها الصيفي الواسع، بينما كانت إمبراطوريتها تتهاوى وتتخبط في الفوضى والانحلال، حيث كانت الجاليات التجارية الأجنبية الأوروبية تستفيد من الامتيازات، في مدن مثل شانغهاي. وهكذا كان حكام الصين الحقيقيون في تلك الأيام هم قناصل الدول الأوروبية، ليس هذا فحسب بل إن الفنادق الممتازة ترفض قبول الصينيين إلا في أجنحة أعدت خصيصاً لهم، وكذلك كان الحال في المطاعم.

ساهم آغا خان في دعم المجهود الحربي البريطاني، وكان من أوائل من دعا إلى تجنيد الهنود في جيش الإمبراطورية

الكتاب يزخر بأوصاف الدول والمدن التي زارها مثل نيويورك التي وجد الكثير من بيوتها أقرب إلى أن تكون متاحف. وزار جزيرة هاواي ورأى الحياة فيها قبل أن تكون مقصداً للسياح من دول العالم، وزار روسيا وبطرسبرج التي يصفها بأن حياة الارستقراطية الروسية فاقت حياة أغنياء إنجلترا والكثير من دول أوروبا، وبرغم ذلك كانت روسيا من أكثر الدول التي شعر فيها بالهوة الساحقة بين الأغنياء والفقراء، بل إن عمال موسكو كانوا أفقر من عمال بومباي، ولعل هذه الهوة ساهمت في تسريع حدوث الثورة الروسية.

ساهم آغا خان في دعم المجهود الحربي البريطاني، وكان من أوائل من دعا إلى تجنيد الهنود في جيش الإمبراطورية، وعندما اشتركت تركيا في الحرب العالمية الأولى ودعت المسلمين للوقوف معها، وقف في وجه هذه الدعوات واعتبر الدعاية للجهاد العثماني نوعا من الاستغلال الألماني لهم، وكان موقفه لصالح بريطانيا، لكنه في نفس الوقت لا يقطع خيط الود بينه وبين الأتراك، ويقابل توفيق باشا المقرب من ضباط الاتحاد والترقي، محاولاً تجنب دخول تركيا الحرب. هكذا بالتسويات والدبلوماسية ظل حاضراً في الملفات الدولية. ومن يقرأ المذكرات سيرى أن الهم الأكبر الذي ملك عليه فؤاده هو الحفاظ على مصالح الطائفة الإسماعيلية حول العالم عبر الارتباط بمصالح بريطانيا والقوى الكبرى، وكل شيء فعله أو سعى إلى فعله كان ثانوياً بالضرورة مقارنة مع هذا الهدف الذي يصرح به في المذكرات.

يسرد آغا خان في الكتاب حكايات عن هوايته المفضلة وهي تربية الخيول، والمشاركة في المسابقات العالمية، ونرى لقاءاته مع مشاهير عصره مثل الخديوي عباس حلمي الذي نفي من مصر، وجمعته صداقة به. وكذلك لقاء مع الروائي مارسيل بروست، والممثل شارلي شابلن، والكاتب سومرست موم الذي كتب مقدمة المذكرات.

 لقد بقي آغا خان حديث الناس فترة طويلة، خصوصاً صورته التي اشتهرت وأمامه وزنه ذهباً في الهند، وكرر نفس الفعل في إفريقيا، مما دفع أديبنا أحمد حسن الزيات إلى كتابة مقال في ذم تصرفاته عام 1945 في مجلة الرسالة، وذكَّر فيه القراء بثروة الأغا خان وحالة الفقر التي وصل إليها الشاعر العراقي الرصافي، وكتب قائلاً: "حظك يا معروف الرصافي هو حظ الأديب منذ كان في الناس أدباء وفي الأرض أدب! يموت أمثالك شرقاً بالبؤس، كما يموت أمثال أغا خان غرقاً في النعمة! فلو أن ربك حقق لك ما كان يرجوه شيخك الآلوسي من رسوخ قدمك في الدين، وعلو منزلتك في التصوف، إذن لخلفته في الزعامة الدينية، وبلغت من (طريقتك) ما بلغ أغا خان في الدنيا، ونلت من (صوفيتك) ما نال معروف الكرخي في الآخرة." وكتب العقاد مقالة عن سر اختيار أغا خان أسوان ليدفن فيها بعد أن توفي في سويسرا عام 1957، ففي أسوان لقي أغا خان الشفاء من علة ألمت به على يد رجل صوفي من النوبة، فقرر أن يبني لنفسه ضريحاً فيها. وهكذا شغل هذا الزعيم الديني والرجل الثري والسياسي عقول الأدباء والصحفيين، بل ترجمت مذكراته في وقت مبكر وظهرت مقالات عن زوجته أم حبيبة وترجمت مذكراتها إلى العربية.

كانت حياة آغا خان عريضة ومليئة بالترحال والمشاريع والسياسة، فقد وصل إلى منصب رئيس عصبة الأمم في نهاية الثلاثينات، وكما يعبر عن نفسه: "يمكنني القول صادقاً كل الصدق، إن السأم لم يتسرب إلى نفسي لحظة واحدة طوال حياتي المديدة" وسر ذلك أن عقله مشغولا بما هو خارج ذاته من مهام مما جعله لا يشعر بالملل أو الاكتئاب.