حديث ثقافي... أيام الإذاعة السورية

حديث ثقافي... أيام الإذاعة السورية

تلف

تاريخ النشر: 02.08.2022 | 06:28 دمشق

كان إحداث الإذاعة، بالنسبة إلى الشعب السوري، نعمة كبيرة.. الحرب العالمية الثانية توقفت سنة 1945، والفرنسيون غادروا البلاد سنة 1946، والإذاعة السورية افتتحت في السنة التالية، فكانت لهم عيناً سحرية، تصلهم من خلالها الأفكار، والأخبار، والأغاني، وأحياناً الطرائف.

في التاريخ: أول إذاعة عربية أُحدثت هي إذاعة القاهرة، في 31 أيار 1934، والثانية إذاعة دمشق، في 3 شباط 1947، وكان الأمير يحيى الشهابي أول من قال: هنا دمشق. وأما التلفزيون المصري والتلفزيون السوري فقد أحدثا في يوم واحد: 23 تموز 1960.

(تجدر الإشارة هنا إلى أن الافتتاح الأول لإذاعة دمشق كان في عهد الانتداب الفرنسي، وبالتحديد يوم 11 شباط 1942، ولكن قلما يشار إلى هذا الأمر من قبل المهتمين بتاريخ الإذاعة).

التقى، في إذاعة دمشق، إبان انطلاقتها بعد الاستقلال، أوائلُ المبدعين السوريين: حكمت محسن، وتيسير السعدي، ورفيق شكري، ومصطفى هلال، ونجيب السراج، وماري جبران، ومحمد محسن.. ومن حلب أتى المطرب الكبير صباح أبو قوس، وكان يومئذ في بداياته، وتبناه الزعيمُ الوطني فخري البارودي، وأطلق عليه لقب صباح فخري، وأما أمير البزق محمد عبد الكريم فهو الذي وضع الشارة الموسيقية للإذاعة.

في كل دول العالم، يستفيد الناس من الاختراعات الكبرى، ويحقق المجتمع، من خلالها، قفزة إلى الأمام.. وهذا حصل عندنا بالفعل، إذ راحت الأجهزة المخصصة لاستقبال البث الإذاعي (الراديوهات) تتكاثر، رويداً رويداً.. في البداية كان سعر الراديو مرتفعاً، فما كان يقدر على شرائه سوى الميسورين، بالإضافة إلى أن بعض البيوت لم يكن فيها كهرباء، وبالتالي؛ لا يمكن تشغيل الراديو فيها، ومع ذلك انتشرت الراديوهات، وبالأخص بعد اختراع الراديو الذي يعمل بالبطاريات (الترانزيستور)، وبدأ هذا المعطى الحضاري يتغلغل في وجدان الناس، وصار بإمكان المرء أن يتحدث عن المجتمع السوري قبل الإذاعة، وبعد الإذاعة.

ولكن؛ كان لا بد لنا من غصة، إذ سرعان ما أصبحت إذاعتُنا، بعد سنتين من انطلاقها، مرتعاً للبيانات الخاصة بالانقلابات العسكرية. والمجتمع راح ينظر إلى الإذاعة بوصفها قلعة للفنون، والأخبار، ومن خلالها يمكن مخاطبة وجدان الناس، ومن ثم، أصبح مَن يعمل فيها محسوداً من أهل بلده، ومن السوريين بشكل عام، فإذا شوهد يوماً يمشي في أزقة بلدته يشير إليه الناس بالبنان، ويتهامسون (هذا فلان اللي بيطلع بالراديو!). ومع ذلك، أمسى العمل في الإذاعة السورية مصدراً للخوف، لأنها كانت تُطَوَّقُ، بين الحين والآخر، بالدبابات وحاملات الجنود، ثم يبدأ اقتحامُ المبنى، وصولاً إلى غرفة البث المباشر، يحث المقتحمون ويرغمون الفنيين على بث مارشات عسكرية، ثم يذيع أحدُهم البيان رقم واحد، تليه جعجعة بخطابات إنشائية فارغة، تؤكد على أن جماعة الحكم البائد كانوا خونة، متآمرين، وأما الانقلابيون فأخيار، وأشراف، وأقوياء، وسوف يضربون بيد من حديد كلَّ من تسول له نفسه التلاعب بمقدرات هذا الشعب (العظيم).

لم يكن الشعب السوري عظيماً في تلك الآونة، بالطبع، ولم يصبح عظيماً بعد ذلك، بل إن العكس صحيح، فقد كان، كغيره من شعوب هذه المنطقة الغلبانة، متقيداً بنصيحة الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري التي عبر عنها بقوله:

نامي جياع الشعب نامي

يا درة بين الركامِ

نامي فإن لم تشبعي

من يقظةٍ، فمن المنامِ

نام الشعب 400 سنة تحت ظل الإمبراطورية العثمانية، ثم جرى تسليمه، بخطة بريطانية محكمة، إلى فرنسا، دواليك حتى سنة 1946.. وبهذا كان يفترض أن تقدم الإذاعةُ السورية، وبعضُ الصحف القليلة التي كانت متوفرة، حزمة ضوء صغيرة لهذا المجتمع الذي بدأ يفتح عينيه بعد كل ذلك السبات.

الأمر الطبيعي إذاً، بالنسبة لمجتمع بكر كمجتمعنا، أن يندهش الناس للاختراعات، ويقفوا أمامها حائرين.. ومما هو معلوم، أن الناس كانوا يستخدمون للإضاءة لمبة الكاز التي تعمل بالفتيلة، وطاش صوابهم عندما وصلهم اختراع (اللوكس) الذي يسخّن الكاز، ويدفعه إلى القميص الرقيق المعلق في الأعلى، عبر ممر ضيق جداً (فالة)، وإذا بالمكان يضاء على نحو رائع، دون وجود أي تماس مباشر بين مخزن الكاز والقميص الملتهب! وحينما جاء الراديو، وصلت دهشتهم إلى حد الذهول، لأن الشخص الذي يسمعون صوته من خلال الراديو، يحكي، أو يضحك، أو يغني، أو يؤدي دوراً في تمثيلية، على الرغم من كونه غير موجود، ولا يعرف أحدٌ أين يوجد.

ومن تجربتي الشخصية: اشترك المرحوم والدي بشركة الكهرباء المساهمة التي أحدثت في بلدتي معرة مصرين على نحو مبكر، في الخمسينيات، وعند وصول الراديو إلى البلدة اشترى راديو كهربائياً كبير الحجم، وركب له مأخذاً، ووضعه على رف خشبي يرتفع عن الأرض بما يقارب المتر. وحينما كنا نفتح الراديو، صباحاً، قبل المدرسة، كنا، أنا وشقيقي عبدو نقترب من الراديو، ونفتله حتى نرى قفاه، ونتمعن فيه، (نتناوأ)، ونعجب من عدم وجود شيء فيه سوى المواسير والأسلاك ونقاط لحام القصدير، ونتساءل: أين تجلس نجاة الجم التي تقدم برنامج مرحباً يا صباح؟ ومن أين يأتي صوت سميرة توفيق عندما تغني؟ وأين ضارب الإيقاع الرهيب الذي يرافقها؟ 

وكما هو الحال مع كل الاختراعات الجديدة، بدأت تتشكل قصص وحكايات وطرائف حوله، وقد وصف الأديب الكبير حسيب كيالي المجتمع الإدلبي بحكاية كتبها لي في إحدى رسائله سنة 1989، قال فيها إنه كان يكتب لإذاعة دمشق برنامجاً يومياً عنوانه "خاطرة الصباح"، وأهل إدلب اهتموا بالبرنامج، لأسباب عديدة، أولها أنهم يعرفون الكاتب، فهو ابن مفتي إدلب الشيخ أحمد زهدي الكيالي، وثانيها أن أكثر الخواطر التي قدمها حسيب كانت مستقاة من البيئة الإدلبية، وهم يعرفون معظم تفاصيلها، وثالثها أن الذين يعرفون حسيباً، شخصياً، كانوا يستمتعون بمطابقة صوته في الراديو مع صوته الحقيقي، فيقولون: لُك لُك. قسماً بالله هادا حسيب بشحمه ولحمه! 

وعن وجود الراديوهات، يقول حسيب:

كانوا يذهبون، وقت إذاعة كل حلقة، إلى بيت مَن لديه راديو، ويستأذنونه بسماعها من جهاز الراديو الخاص به، قائلين:

- اليوم ابن بلدنا حسيب بدو يلقش في الراديو، عندك مانع نسمعه من راديوتك؟

يا لتلك الأيام. كانت لها نكهتها.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار