جميل ولاية.. عاشق النغم  

تاريخ النشر: 25.02.2021 | 20:18 دمشق

آخر تحديث: 25.02.2021 | 20:47 دمشق

تعرفتُ إلى الفنان "جميل ولاية" في منزله بدمشق. كان ذلك في سنة 2008، زرناه أنا وأحد الأصدقاء في بيته، وأهدى إلى كل منا نسخةً من كتابه "حلب بيت النغم" الذي كان قد صدر حديثاً عن دار طلاس بدمشق، ويقع في 575 من القطع الكبير. 

لجميل ولاية، كما سنرى، أهمية خاصة بالنسبة للفن في سوريا، فهو متعدد المواهب، حياته الإبداعية تمتد على مساحة زمنية كبيرة جداً بدءاً من أربعينيات القرن الماضي. 

ولد في حلب 1930، وتوفي فيها يوم 30 كانون الثاني 2013.  

لن نستطيع إضاءة الجانب المتعلق بالتأليف والإخراج التلفزيوني في شخصية "جميل ولاية" بمعزل عن الجوانب الأخرى المهمة، أعني عشقه السينما، والمسرح، والتلحين، والغناء. فمنذ سنوات عمره الأولى، اكتشف أهله، بطريقة ما، أن له صوتاً جميلاً، وميلاً إلى الغناء لا يمكن مقاومته، فأخذ يتناول العود الذي تمتلكه العائلة ويداعب أوتاره.  

بعدها، شرع يتلقى دروس الموسيقا في أول معهد موسيقي نظامي أنشئ في حلب قبل منتصف القرن العشرين، وكان مؤسسه ومديره الدكتور فؤاد رجائي (1910- 1965). واسمه الكامل "فؤاد رجائي آغا القلعة"، وهو والد الدكتور سعد الله.  

دون سعد الله آغا القلعة سيرة والده الحافلة بالفن والعلوم في "كتاب الأغاني، الجزء الثاني"، وجاء فيها أنه أسس، سنة 1946، معهداً موسيقياً خاصاً، وهو الأول في حلب، وموله من ماله الخاص، واقتصر القبول فيه على أصحاب المواهب المتميزة، وحينما زاد عدد الطلاب عن طاقة استيعاب المكان أغلقه مؤقتاً إلى حين تأمين مقر أكبر.  

ضم المعهد كبار أساتذة الموسيقى في حلب، كالشيخ علي الدرويش، والشيخ عمر البطش، وأستاذ الكمان من أصل روسي ميشيل بوريزنكو، وأستاذ القانون شكري الأنطاكلي، وأستاذ العود محمد رجب، وأستاذ الناي محمد عبده، وأستاذ النحاسيات يوسف حَجّة، وفي سنة 1956 أممت الحكومة ذلك المعهد، ليصبح تابعاً لوزارة المعارف، وبقي الدكتور فؤاد رجائي مديراً له خلال ثلاث السنوات التالية حتى سنة 1959. وثمة ملاحظة مهمة جداً في هذا السياق، وهي أن فؤاد رجائي خصص قسماً في معهده لتعليم الفتيات الموسيقى، واعتمد على مركزه الاجتماعي لطمأنة أهاليهن، وعين لإدارة هذا القسم الدكتورة عزيزة عزت.  

ومن مؤلفات فؤاد رجائي كتاب "كنوزنا" الذي صدر سنة 1955، وهو أول كتاب يعنى بدراسة الموشحات الأندلسية وتوثيقها في العالم العربي.   

روى لي الأستاذ جميل ولاية، في تلك الزيارة، أنه تلقى دروس الموسيقى النظرية من الشيخ علي الدرويش، والشيخ عمر البطش، وأما الأستاذ حسن بَصَّال فكان يصحبه إلى تمارين تضم عازفين ومنشدين ومغنين، فحفظ عدداً من الموشحات، وفاصل (أسق العطاش)، وتعرف إلى عازف القانون شكري الأنطاكلي، والفنان صبري مدلل، وبهجت حسان تلميذ عمر البطش ومدرب رقص السماح وملحن أغاني السماح، وتعلم عزف العود على أصوله من أستاذين كبيرين هما محمد رجب وإبراهيم الدرويش، وأصول الغناء وحفظ القدود الحلبية والأغاني المتوارثة من الأستاذ أحمد الفقش. وفي وقت لاحق تعرف إلى عبد اللطيف النبكي وتوفيق الصباغ وبكري كردي وأسعد سالم ومحمد النصار وأنطوان زابيطا وعزيز غنام وممدوح الجابري وصباح فخري وعبد الرحمن جبقجي ومحمد عبده ومجدي العقيلي وعبد القادر الحجار. 

تعرف جميل إلى السينما وهو ابن سبع سنوات، واستأثرت باهتمامه، ثم عشق المسرح، وذات مرة كان يحضر بروفات مسرحية "الكارثة" من بطولة حسن بصال وصباح فخري، ومن فرط اهتمامه حفظ جميع الأدوار الكبيرة والصغيرة في المسرحية، وقبل العرض بأيام قليلة غابت بطلة المسرحية لأن الشرطة الأخلاقية قبضت عليها ورَحَّلتها، فاقترح أحدهم أن يمثل الطفل "جميل ولاية" دورها، فألبسوه ثياب امرأة، وأدى الدور بنجاح لافت للنظر.   

وفي وقت مبكر من حياته أيضاً مثل دور "محمد عبد الوهاب" في الإذاعة، ضمن مسلسل عن حياة الفنان "عمر البطش". 

وكان قد عُين في مدرسة ميسلون بوظيفة معلم، سنة 1959، أيام الوحدة مع مصر، ثم شارك في مسابقة أعلنتها مديرية التلفزيون، ونجح فيها، بعد فحص مقابلة مضن مع المدير المصري سعد لبيب (مدته ساعة ونصف)، وعُيِّنَ بصفة مخرج تلفزيوني، براتب قدره (350) ليرة سورية.  

إن اهتمام جميل ولاية المبكر بالموسيقا لم يذهب سدى، فقد كتب وأخرج عدداً كبيراً من الأعمال التي لها علاقة بالموسيقا والطرب والغناء.  

على سبيل المثال، كان أديب السيد قد أنجز كتابة مسلسله التلفزيوني الدرامي (أيام وأنغام)، وأخرجه "جميل ولاية". يتضمن المسلسل أعمالاً عن الفنانين: أحمد الإبري، وعلي الدرويش، وكميل شمبير، وقد أشرف على تسجيل المادة الغنائية والموسيقية الفنان "عزيز غنام"، وأما العمل الضخم الذي كان أديب السيد وجميل ولاية يعدان له عن حياة الفنان "أبي خليل قباني" فقد ضُربَ بسبب انفصال الوحدة بين مصر وسوريا، لأن قسماً كبيراً من العمل كان سيجري تصويره في مصر. 

(يمكننا التعليق على هذه الحادثة بأن الوحدة بين مصر وسوريا في سنة 1958 لم تكن إلا نزوات مغامرين سياسيين موتورين، ولا علاقة لها بإرادة الشعبين، ولم تدخل قط في نسيج الدولتين المصرية والسورية، فلو كان الأمر كذلك لما ضُرب مشروع ثقافي أو فني، ولا سيما أن موضوع المسلسل هو أبو خليل قباني الرائد الأول للمسرح في سوريا، وفي مصر نفسها، وكان حرياً بالمصريين أن ينتجوا مسلسلاً عنه بوجود الوحدة – اللي ما يغلبهاش غلاب – أو دون وجودها).  

في الستينيات، قدم جميل ولاية برنامجاً تلفزيونياً تضمن نماذج من التراث الغنائي العربي (والحلبي بشكل خاص)، قدم فيه الموشح الأندلسي (يا شقيقَ الروح من جسدي) من ألحان عزيز غنام، وقدمته المطربة الحلبية المتألقة مها الجابري، وأغنية (بنت الخال) وهي من القدود الحلبية نظم كلماتها عمر حلبي ولحنها عدنان قريش وغناها المطرب ياسين محمود، ووجد في أرشيف إذاعة حلب دور بعنوان (القلب مال للجمال) كان قد كتبه حسام الدين الخطيب ولحنه بكري كردي، وغناه صباح فخري.