جمال الدين الأفغاني والكرمانيون الثلاثة

2020.03.26 | 23:05 دمشق

whatsapp_image_2020-03-26_at_11.21.08_pm.jpeg
+A
حجم الخط
-A

الجزء الثالث

لإيران في تاريخها الحديث صوىً ومنارات أرشدت مسيرتها، وحدّدت سمت طريقها، وكان السيد جمال الدين الأفغاني من أهمها في هذا التاريخ الحديث، الرجل الذي كان له، وراء كلّ حدث مركزي يدٌ، وخلف كل إنجاز أَلْوٌ، ، ويكفي أن نعلم أنه أحد أهم مهندسي محركات الثورة الدستورية الإيرانية التي دارت عنفاتها ما بين سنتي 1905 و1907، وكانت أول حركة ديمقراطية مزلزلة في الشرق الأوسط الحديث رغم أنه قد سبقتها الحقبة الدستورية الأولى في الدولة العثمانية ما بين سنتي (1876 ــ 1878)، غير أنّ الحركة الدستورية العثمانية جاءت من علٍ وبإرادة سلطانية، أما الإيرانية فجاءت من تحت وأُخذت غلاباً.

لم يكن لهذه الحركة الدستورية في إيران أن تنطلق لولا محرضان:

الأول: (نهضة/ ثورة التنباك) التي قامت بعد سنة 1890، بفتوى تحريم التنباك التي أطلقها المرجع آية الله محمد حسن الشيرازي.

الثاني: اغتيال ميرزا رضا كرماني للشاه ناصر الدين القاجاري (1831 ــ 1896).

التقى ميرزا رضا كرماني بالسيد جمال الدين سنة 1886 حين خصّص رجل الأعمال الحاج محمد حسن أمين الضرب بيتاً للسيد في طهران، وعيّن أحد مساعديه وهو ميرزا رضا ليكون خادمه، ومن هنا بدأت علاقتهما، وتطوّرت مع الأيام لتغدو علاقة تلميذ ومحب بأستاذه ومحبوبه، وبعد سنة تعكّرت علاقة الأفغاني بالشاه، فغادر إيران إلى روسيا، ثم أمّنه الشاه على حياته ووعده بألا يتعرض له بسوء فعاد إلى طهران سنة 1889، ثم ساءت العلاقة بينهما مرة أخرى، فأمره بالمغادرة إلى قم، فلم يمتثل واحتمى بضريح شاه عبد العظيم قرب طهران، ومكث هنالك قرابة السبعة أشهر، وفي تلك الأثناء منح الشاه للإنكليز حق استغلال جميع أنواع التنباك في إيران مقابل 15 ألف جنيه إسترليني، فألّب الأفغاني تلاميذه ومريديه على هذا الاحتكار، فصدر أمر بإبعاده إلى الحدود التركية، ولكنه خرج إلى البصرة، وهنالك وجّه خطابه للمرجع الأعلى محمد حسن الشيرازي يدعوه فيه للتحرك ورفض الاحتكار، فأعلن المرجع فتوى تحريم التنباك، وامتثل الشعب للفتوى، وأُجبر الشاه على إلغاء هذا العقد، وبعد إبعاد الأفغاني ضيّقت السلطة على تلاميذه، واعتقلت المقربين منه، كالحاج سيّاح وميرزا رضا كرماني، وظلوا في السجن قرابة الأربع سنوات، وقد تحدّث الحاج سيّاح في مذكراته عن ظروف سجنهم، والفظائع التي صُبت عليهم، وبعد الإفراج عنهم، اتجه الكرماني إلى إسطنبول لزيارة أستاذه، ولدى وصوله إلى هناك أدخله الأفغاني إلى المستشفى، وظل فيها ثلاثة أشهر يتعالج من آثار التعذيب، وخرج يمشي مترنحاً، وكانت أطرافه شبه مشلولة، ثم وضعه السيد جمال عند صديقه ميرزا آقاخان كرماني، وفي هذه المدة نال ميرزا رضا من عطف سيده وأستاذه ما لم ينله من قبل، وبعد عدة أشهر سنة 1896 عاد إلى طهران، واشترى في طريقه مسدساً، واتجه إلى منطقة ضريح شاه عبد العظيم الذي سبق أن أقام فيها مع سيده سابقاً، وفي أول شهر أيار خرج الشاه في موكب لزيارة الضريح، وفي أثناء هذه الزيارة شهر الكرماني مسدسه وأطلق رصاصة، وهو يقول: "هذه من أجل الشيخ جمال الدين"، فاخترقت الرصاصة قلب الشاه ومات بعد قليل، وقُبض على الكرماني، وُحّقق معه، وأعدم في آواخر آب من نفس السنة.

كانت إيران تُحكم حكماً مطلقاً غير مشروط، فبرهنت ثورة التنباك أنّ الإرادة الشعبية يمكن أن تغلب الإرادة الشاهنشاهية

كانت إيران تُحكم حكماً مطلقاً غير مشروط، فبرهنت ثورة التنباك أنّ الإرادة الشعبية يمكن أن تغلب الإرادة الشاهنشاهية، وأكّد اغتيال الشاه أنّ فرداً واحداً يمكنه أن يحطّم جبروت السلطان المعبود، ورهبوت الحاكم المخيف، ومن خلال هذين الحدثين الجللين بدأ الناس يؤمنون بإرادتهم وقوتهم، ويفكرون بوجوب جعل الحكومة (مشروطة).

شهدت تلك الفترة الزمنية ثلاث دعوات:

1 ــ الدعوة إلى الإيديولوجيا القومية الإيرانية.

2 ــ الدعوة إلى الجامعة الإسلامية.

3 ــ المطالبة بالدستور (المشروطة).

وكان تلميذا الأفغاني الكرمانيان ميرزا آقا خان، وشيخ أحمد روحي مِن أهم مَن مهّدت أفكارهما لهذه الدعوات الثلاثة مجتمعة، على الرغم مما فيها من تناقض.

كان ميرزا آقاخان أكثر إنتاجاً من زميله الشيخ أحمد روحي، وترك لنا خلال عمره القصير الذي لم يتجاوز الاثنين وأربعين عاماً مجموعة مهمة من المؤلفات. كان قلمه جريئاً وعاطفياً، ومنتفضاً ضد جميع التقاليد (الدينية والاجتماعية والسياسية). لم يستهدف شخص المستبد بعينه، بل استهدف جذور الاستبداد التي تُخرج هذه الشجرة الخبيثة بفروعها المفزعة، وربط بينها وبين الإيمان بالمعتقد المقدس، فالمـَلك إله في الأرض، وعبادته من واجب خدّامه. اعتقاد موغل في القدم مُورس وطُبِّق حتى زمن الكرماني. كان المـَلك أساس المـُلك، والعلة والمعلول، ومحور وحدة العرق، 

ووحدة السلطة، لكن الكرماني دعا إلى نقل هذا الأساس إلى إرادة الشعب ومجلس الشيوخ، إذ لا يمكن للوحدة الوطنية أن تستند إلى القوة العارية التي يحوزها الملك، والسطوة الباطشة التي يفرض فيها ما يشاء، ومن أجل ذلك كان مضطراً لمناقشة الأفكار الدينية السائدة، فانتقدها انتقاداً حاداً، ورآها مزيجاً غير مناسب من المعتقدات الخرافية، وانتقد رموزها وخاصة مشايخ العهد الصفوي، وتحدّث عن كراهية الشيعة لكل أمة ودين، وعن اعتبارهم الأديان والقبائل الأخرى نجسة! فحكماء اليونان أغبياء، ومهراجات الهند أوغاد، وإيران القديمة مجرد خرافات وأساطير، وفي مواجهة ذلك حاول جمع الإرث التاريخي لإيران القديمة، ومعالجة الأساطير، وتصحيح التشوهات التاريخية في (الشاهنامة)، وفي أثناء هذه المعالجة بدأ يقارن بين عظمة إيران قبل الإسلام واتساع جغرافيتها، وبين وضعها الحالي تحت حكم ملوك القاجار، وقاده ذلك للإسراف في التهجم على الإسلام والعرب تهجّماً شوفينياً، وأطلق على مجمل الفترة الإسلامية في إيران عصر (الجهل والرعب)، ومن هنا بالتحديد كان انخراطه في الدعوة البابية بوصفها ديناً إيرانياً نابعاً من الأمة، وهذا يفسّر لنا تلك الأعداد الهائلة التي انتمت للبابية في زمن قصير جداً، فهي لم تكن جميعها عن اقتناع ديني خالص، ولكن تعبيراً عن الاحتجاج والتمرد السياسي والاجتماعي من جهة، ونزوعاً إلى دين يلبي تطلعهم في التبيئة والقومنة. دين يحكي لغتهم، وينبت من أرضهم من جهة أخرى.

شكّل الكرمانيان الجيل الأول لدعاة القومية الإيرانية والحركة الدستورية والعلمانية في تاريخ إيران الحديث جنباً إلى جنب مع الملهمَين لهما فتح علي آخوند زاده، وعبد الرحيم طالبوف تبريزي، وأثّرا أعظم الأثر في أبناء الجيل الثاني، ومنهم: محمد تقي بهار، وصادق هدايت، وبزرك علوي، وسعيد نفيسي، وعبد الحسين تيمورتاش، وأحمد كسروي، وحسن تقي زاده، ومحمد علي فروغي، وعلي دشتي، وأبناء الجيل الثالث، ومنهم: جلال آل أحمد، وعلي شريعتي، وفريدون آدميت إلخ.

كانت أفكارهما مزيجاً من الأفكار البابية والإسلامية والعلمانية الحديثة بطريقة غير منظّمة، إضافةً إلى اشتغالهما في إسطنبول مع السيد جمال الدين على تعزيز الجامعة الإسلامية وتقريب المجتمع الإيراني ورجالاته من الجسم الإسلامي الكبير الواسع، ونحن هنا إزاء وجه من وجوه البراغماتية التي انتابت فكرنا الإسلامي والعلماني في عصرنا الحديث والراهن، حيث تتعدد فيهما الأقنعة الفكرية، وهذا ما أخذه الدارسون على السيد جمال الدين الذي تبدّى أمام الشيعة بقناع، وأمام السنة بقناع آخر، وأمام الغرب بقناع ثالث، وما أخذوه على تلميذه ميرزا آقا خان الذي دافع عن عالمية الوحي القرآني، ونصر ادعاءات ميرزا يحيى نوري (صبح الأزل) زعيم البابية، وأكّد أن الدين أحد أعظم أسس الفكر الإنساني، وندّد بكل الأديان بوصفها مجرد خرافات وأوهام تنبع من خوف البشرية وشعورها بالعجز في بيئة مادية قاسية، وتبنى بصدق نظرية دارون، وادعى أنّ الهوية الإيرانية الأصيلة لا يمكن تلمّسها إلا فيما قبل الفترة الإسلامية.

كان الكرمانيان يعيشان حياةً ورعة. يحبان الحرية، ويدافعان عنها، ويسوقهما حس العدالة في كل خطواتهما، ولذلك وقفا وهما في إسطنبول مع الأرمن في المجازر التي تعرضوا لها شرق الأناضول ما بين 1894 و1896، ودفعا ثمن ذلك، حيث نفتهما الدولة العثمانية إلى طرابزون، ولما استشعرا الخطر المحدق بهما، سعيا للمغادرة إلى أوروبا، وراسلا صديقهما المستشرق إدوارد براون عسى أن يجد لهما عملاً في تدريس اللغات الشرقية في أي دولة من دولها، ولكنه لم يجبهما، وبعد أن قام صديقهما الكرماني الثالث ميرزا رضا باغتيال الشاه ناصر الدين، أعادت الحكومة الإيرانية المطالبة بهما وتشددت في ذلك، وطلبت معهما السيد جمال الدين، باعتبارهم مخططين لهذه الجريمة، فسلمتهما الحكومة العثمانية وسلمت معهما شخصاً ثالثاً هو خبير الملك، وامتنعت من تسليم السيد جمال الدين، وبمجرد وصولهم إلى إيران أُعدموا وقُطعت رؤوسهما، ولعل هذا ما يوضح لنا سياق الرسالة التي أرسلها السيد جمال الدين إلى سفير إنكلترا يلتمس فيها حماية إنكلترا واللجوء إليها، بعد أن عاش حياته كلها يناجزها ويؤلب عليها، ولكن الموت عاجله أيضاً مسموماً أو مريضاً.

 

كلمات مفتاحية