تخليد أدباء الثورة الفلسطينية الكبرى في "القلم والبندقية" لـ بيرين بيرسايغلي موت

تخليد أدباء الثورة الفلسطينية الكبرى في "القلم والبندقية" لـ بيرين بيرسايغلي موت

القلم والبندقية

تاريخ النشر: 16.01.2023 | 14:05 دمشق

آخر تحديث: 16.01.2023 | 14:43 دمشق

أحمد طلب الناصر - تلفزيون سوريا

في كتابها الصادر حديثاً، بنسختيه التركية والعربية، والذي حمل عنوان "القلم والبندقية.. صور من الثورة الفلسطينية الكبرى 1936 – 1939"، تحاول الكاتبة والصحافية التركية "بيرين بيرسايغلي موت" العودة بنا إلى الأدب الفلسطيني الأول ورموزه الذين مهّدوا لولادة أدب وأدباء ما بعد نكبة 1948، ومواصلة حركة النضال والمقاومة الفلسطينية ضد المحتل.

هي محاولةٌ لإكمال المشهد الأدبي الفلسطيني المعاصر؛ الذي ساهم واقع الاحتلال وما تمخّض عنه من حروب وانكسارات وتهجير وخذلان، بفرض ارتباطه الوثيق بحركة النضال والمقاومة الفلسطينية، بمختلف أشكالها وأساليبها.

ففي كتابها الأول "بين أشجار الزيتون.. صور من أدب المقاومة الفلسطينية" (2021) قدمت الكاتبة المناصرة لثورة الفلسطينيين والسوريين، أبرز رموز الأدب والفكر والفنّ في فلسطين ما بعد النكبة، ممّن عرفناهم وعرفنا نتاجاتهم الإبداعية، كغسان كنفاني ومحمود درويش وناجي العلي وفدوى طوقان وسميح القاسم، وآخرين غيرهم.

وكان دافعها الرئيس لتسليط الضوء على سيَرهم وأعمالهم ينبع من قولها: "لفهم أي مجتمع ونضالاته، لا تكفي وجهة النظر السياسية وحدها، فالمرآة الحقيقية هي أدب وفن ذلك المجتمع. فمن أجل فهم أميركا اللاتينية مثلاً، يجب النظر إلى الشعراء والكتّاب مثل إدواردو جاليانو وغابرييل غارسيا ماركيز وخوسيه ساراماغو وأوكتافيا باز وبابلو نيرودا، ونجيب محفوظ لفهم مصر. ودوستويفسكي وتولستوي لفهم روسيا. وجورج أورويل وجون شتاينبك وجاك لندن لفهم أوروبا وأميركا... كُتب هذا الكتاب في محاولة لتعريف شعب بلادنا بفلسطين".

بيرين
كتاب "بين أشجار الزيتون"

إلا أن "بيرين"، وبعد صدور كتابها الأول، شعرت بأن تعريفها بفلسطين يحتاج إلى العودة زمنياً ووضع مقدّمة تشكّل من خلالها جسراً تاريخياً ومعرفياً يمكّنها من تقديم صورة حقيقية للمشهد الثقافي- النضالي الفلسطيني خلال الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى والتحولات التي مرّت بها البلاد وصولاً إلى إعلان دولة الاحتلال 1948.

فتقول الكاتبة: "في كتابي الثاني، حاولت تقديم صور بعض الشخصيات التي تركت بصماتها في المجتمع الفلسطيني قبل النكبة للتأكيد بأن نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال لم يبدأ بعد عام 1948 بل قبل ذلك. والثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939 كانت أهم مشهد في هذا النضال".

وتكمل: "عز الدين القسام، إبراهيم طوقان، نوح ابراهيم، عبد الرحيم محمود، محمد عزة دروزة، خليل بيدس ، زليخة الشهابي، أسمى طوبي، خليل السكاكيني، ليست سوى بعض الاسماء التي حاولت من خلالها الإضاءة على تلك الفترة".

ثم تبدأ بيرين عبر كتابها الذي جاء في 315 صفحة، بسرد سِيَر حياة تلك الشخصيات، وقصص عنهم استطاعت أن تختار تفاصيلها بعناية فائقة. إذ تمكّنت من رصد أهم إبداعاتهم الأدبية والفكرية من جهة، وأبرز محطات النضال والمقاومة التي خاضوها من جهة أخرى، لتقدّم في نهاية كل سيرة ذلك الخليط المتجانس والمتماسك الذي اختارته ليكون عنوان كتابها "القلم والبندقية"!

إبراهيم طوقان (1905- 1941)

في سردها لسيرة الشاعر الفلسطيني الشاب إبراهيم طوقان، تقف الكاتبة عند قصة يوم "الثلاثاء الأحمر" الذي خلده طوقان صاحب الـ25 ربيعاً حينذاك بقصيدة رثى فيها ثلاثة شهداء أعدمتهم قوات الاحتلال البريطاني، ويعدّون من أبرز رموز النضال الفلسطيني، لتظل أسماؤهم تزيّن أناشيد وأغاني الفلسطينيين حتى هذا اليوم، ومن بينها أغنية:

"من سجن عكا طلعت جنازة

 محمد جمجوم وفؤاد حجازي

محمد جمجوم ومع عطا الزير

 فؤاد حجازي عز الذخيرة

ويقول محمد أنا أولكم

 خوفي يا عطا أشرب حسرتكم

ويقول حجازي أنا أولكم

ما نهاب الردى ولا المنونا".

 الفلسطينيون الثلاثة الذين أعدموا في الـ17 من حزيران 1930، هم محمد جمجوم وعطا الزير من مدينة الخليل، وفؤاد حجازي من مدينة صفد، بعد اتهامهم بقتل يهود خلال ثورة البراق عام 1929.

جمجوم
(من كتاب القلم والبندقية)

بعد إعدامهم بأيام، وقف المدرّس طوقان فوق منصّة تتوسط باحة مدرسة "النجاح" الشهيرة بنابلس، أمام زملائه المدرّسين وطلابه الذين كانوا ينتظرونه لإلقاء كلمة ليفتتح فيها أول يوم في العام الدراسي الجديد.

إلا أن طوقان أخذ نفساً عميقاً ثم بدأ في إلقاء قصيدة "الثلاثاء الأحمر". كانت السطور قوية جداً لدرجة أنها منذ اللحظة الأولى أسرت كل من سمعها. إنه يصور خصائص وشعور العدالة لدى الشعب العربي بأسلوب صادم. ثم تحدث عن كيف يمكن لشعبه أن يضحوا بأنفسهم من أجل قيم عظيمة.

يقول مطلع القصيدة:

"لمّا تَعَرَّضَ نَجْمُك المنحوسُ

وترنَّحت بِعُرى الحِبالِ رؤوسُ

ناح الأّذانُ وأعولَ الناقوسُ

فالليل أكدرُ والنَّهارُ عَبوسُ

طَفِقَتْ تثورُ عواصفُ

وعواطفُ

والموت حينا طائف

أو خاطفُ

والمعْولُ الأَبديّ يُمْعِن في الثرى

لِيردَّهمْ في قلبِها المتحجِّرِ

يومٌ أطلَّ على العصور الخاليَهْ

ودعا أمرَّ على الورى أمثاليَهْ

فأجاَبهُ يومٌ أجلْ أنا راويُهْ

لمحاكم التَّفتيش تلكَ الباغِيَهْ

ولقد شهدتُ عجائبا

وغرائبا

لكنَّ فيكَ مصائبا

ونوائبا

لم ألْقَ أشباهاً لها في جورِها

فاسأل سوايَ وكم بها مِنْ منكَرِ

وإذا بيومٍ راسفٍ بقيودِهِ

فأجابَ والتاريخُ بعضُ شهودهِ

أُنظرْ إلى بيضِ الرَّقيقِ وسودِهِ

مَنْ شاءَ كانوا مُلكَهُ بنقودِهِ

بشرٌ يُباعُ ويُشترى

فتحرَّرا..".

نوح إبراهيم (1913- 1938)

تلميذ الشهيد عز الدين القسام الذي شكلت خسارته كارثة لنوح إبراهيم الملقّب بـ "الشاعر الشعبي لثورة 1936". وهو شاعر شعبي ومغنٍ وملحن، ومناضل فلسطيني، ولد في مدينة حيفا في فلسطين، وكتب الشعر منذ سن مبكرة. ومات شهيداً أيضاً.

كتب نوح قصيدة رثاء للقسام إثر استشهاده في المعركة الشهيرة مع الجيش الإنكليزي في أحراش (يعبد) عام 1935. وهي من قصائده الشعبية المشهورة التي لحنها، وغنّاها وسجّلها بصوته على أسطوانة، وظلت الأجيال التي وعت فترة الثلاثينيات تحفظها عن ظهر قلب وصاروا يرددونها في مناسباتهم الوطنية، وورّثوها لأبنائهم.

يقول مطلع القصيدة:

"عز الدين يا خسارتك

رحت فدا لامتك

مين بينكر شهامتك

يا شهيد فلسطين

عز الدين يا مرحوم

موتك درس للعموم

آه لو كنت تدوم

يا رئيس المجاهدين

اقروا الفاتحة يا اخوان

على روح شهدا الأوطان

وسجل عندك يا زمان

كل واحد منا عز الدين.."

وعلى هذا المنوال، بهذا السرد السلس واللغة الجميلة، والربط البليغ للأحداث والشخوص. وبمجموعة نادرة من الصور لمناطق ومعالم قديمة في فلسطين، ولشخصياتها الوطنية ورموزها الأدبية والنضالية، وبقائمة مؤلمة لأسماء وتواريخ المجازر التي ارتكبت بحق الفلسطينيين؛ تتابع الكاتبة "بيرين بيرسايغلي موت" تعريف شعبها والعالم ببقية رموز القلم والنضال الفلسطينيين عبر كتابها "القلم والبندقية".


الكتاب: "القلم والبندقية.. صور من الثورة الفلسطينية الكبرى 1936 – 1939"
تأليف: بيرين بيرسايغلي موت (Peren Birsaygılı Mut)
ترجمه للعربية: فجر بكداش
إصدار: دار "فارابي كتاب" (FARABİ KİTAP)- إسطنبول- 2022
انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار