بين اللغة العربيّة والهويّة السوريّة

تاريخ النشر: 22.12.2021 | 05:04 دمشق

تذكر الإحصائيات أن لغات العالم الحيّة بلغ عددها نحو سبعة آلاف لغة، وربّما تتميّز منطقتنا في الشرق العتيق، الضارب في التاريخ، بعدد وافر من اللغات، سواء القديمة المندثرة منها، أو الحيّة المستمرّة.

حيث تحفظ اللغة العتيقة الحيّة تاريخ الجماعات التي استخدمتها، كما تحفظ أساليب العيش المشترك، والمفاهيم المتواترة منذ القدم حتى العصر الحديث، وتتفاعل مع واقع الناطقين بها، فيمكن لهذا التفاعل أن يمنحها القدرة على النمو والانتشار، أو يتركها حبيسة عدد محدود من الناس، ذلك أن الأمر لا يعود إلى اللغة بمفردها، بل قد يعود، في نسبة كبيرة منه، إلى الطريقة التي نتعامل من خلالها مع اللغة.

جاء في مقدّمة كتاب: (تاج العروس) لمرتضى الزبيدي: (واختلفوا في لغة العرب..، فمنهم من قال هي أوّل اللغات وجودا، ومنهم من قال: لغة العرب نوعان: الأولى عربيّة حٍمْير.. والثانية العربيّة المحضة التي نزل بها القرآن، وأول من أطلق لسانه بها إسماعيل) وينقل الزبيدي عن عبد الملك بن حبيب: (كان اللّسان الأول الذي نزل به آدم من الجنّة عربيّا، إلى أن بَعُد العهد وطال، حُرِّف وصار سريانيّا، وهو منسوب إلى سوريا..). ربّما يمكننا ملاحظة توجّهين في الحديث عن أصل اللغة العربيّة، توجّه ينسب اللغة إلى العِرق (قبيلة حِمْيَر)، وتوجه ثانٍ يذهب إلى أنّ كل اللّغات، والعربيّة منها، جاءت نتيجة التفاعل الإنساني المشترك، وسواء أكانت العربيّة قبل السريانية أم كانت السريانيّة والعربيّة، كلاهما، ينتمي إلى جذر آرامي سابق زمنيّاً، أياً يكن، فإنّ اللغة العربيّة هي واحدة من تلك اللغات العتيقة التي ما تزال حيّة، ويحتفل العالم بيومها في 18 ديسمبر/ كانون الأول من كل عام، فتتفاعل مع الحدث شعوب كثيرة، عربيّة، وأخرى ناطقة بالعربيّة، إذ تشهد اللغة العربيّة حظوة كبيرة لدى الشعوب المسلمة، التي تكاد تقترب من ملياري مسلم، لكونها لغة القرآن الكريم، إضافة إلى كون العربيّة لغة التاريخ والفنون والعلوم والفلسفة والآداب لممالك ودول عديدة، حكمت المنطقة خلال التاريخ الإسلامي.

لعب المثقفون السريان دوراً رئيسيّا في ترجمة الفلسفة اليونانيّة إلى العربيّة، وسيبويه كان فارسيّا، وحنين بن إسحق -طبيب الخليفة العبّاسي المتوكل- كان يهوديّا، وإسهامات هؤلاء جميعهم، وغيرهم، كانت باللغة العربيّة!

قد لا يختلف المهتمّون في أنّ تاريخ المنطقة، الممتد حتى قبل ما يزيد على ألف وأربعمئة سنة، تم تدوين النسبة الكبرى منه باللغة العربيّة، ليس من قبل عرب فحسب، فالفارابي وابن سينا بل حتى البخاري لم يكونوا عربا بمفهوم اليوم، ولم يكن المدوّنون من المسلمين فقط، فـالأخطل -شاعر البلاط الأموي- كان مسيحيّا، ولعب المثقفون السريان دوراً رئيسيّا في ترجمة الفلسفة اليونانيّة إلى العربيّة، وسيبويه كان فارسيّا، وحنين بن إسحق -طبيب الخليفة العبّاسي المتوكل- كان يهوديّا، وإسهامات هؤلاء جميعهم، وغيرهم، كانت باللغة العربيّة!

وإذا كانت الحقبة الحالية المُسمّاة: (ما بعد الحداثة) تطرح أسئلة ملحّة حول موضوعة (الهويّة) فإن اللغة (عامل جمع وتوحيد أكثر من العرق..) بحسب المفكّر السعودي عبد الله الغذّامي، حيث (توحّد اللغة العرب وتسمّيهم بهذه الصفة كهويّة شديدة الدلالة، بينما قد لا نجد أدلّة تقطع بأن العرب من المحيط إلى الخليج هم من أصل عرقي واحد، والغالب في الأمر هم العرب المستعربة، وليس العرب العاربة، وأهم سمات الاستعراب هي اللغة التي تُمثّل عنوان الهويّة، والمعنى الثقافي الشامل). إذاً فاللغة عند الغذامي يمكن أن تكون أحد أسس الهويّة، وليست كلّ الأسس، فالهويّات بطبيعة الحال، يمكن أن تحتوي على مُميّزات أخرى شديدة الخصوصيّة، كالعرق، على سبيل المثال، إلا أنّ حيويّة أيّة هويّة تتأسس على مدى تقاطعها مع الهويات الأخرى، لا على مدى انغلاقها، واللغة العربيّة بهذا المعنى يمكنها أن تمثل إحدى أهم هذه التقاطعات بين الملل، والأعراق المتعدّدة والمتنوعة، فتكون مصدر غنى وحيويّة، ورابطة ممكنة للهويات المتعدّدة.

وهي كذلك بالفعل للسوريّين المهجّرين إلى بلدان كثيرة في العالم، فالسوريون متعددو الأعراق، منهم الكردي، والتركماني، والشركسي، والسرياني، والكلداني، والآشوري والعربي، هذه حقيقة، إلا أن الحقيقة التالية أيضا هي أنّهم جميعاً يتحدّثون اللغة العربيّة.

إلّا أنّ التهجير القسري، إلى خارج سوريا، والذي مورس بحق فئة كبيرة من المجتمع السوري، منذ 2011، خلق مشكلات لاحقة، لعلّ أهمّها تلك المتعلّقة بصعوبة تعلّم اللغات الجديدة بالنسبة إلى كبار السن، إذ ظل الجيل الأوّل من المهجّرين -الوالدان غالبا- يعاني من هذه المشكلة، في حين أن الأطفال السوريين، سواء اليافعون منهم أو المولودون في بلدان اللجوء، تمكّنوا سريعاً من تعلم اللغات الجديدة، وتفاعلوا معها بحيويّة جيّدة، حتى لقد أصبحت اللغات الرسميّة لبلدان اللجوء هي اللغات الأم لهؤلاء الأطفال، وهذا طرح بدوره مشكلة أخرى تتمثل في فقدان عدد كبير من هؤلاء الأطفال السوريين للغتهم الأم، اللغة العربيّة!

وربّما يتفق كثير من السوريين على وصف سرعة تعلّم أبنائهم للغات بلدان اللجوء بالسمة الإيجابية، إلا أنّ قلقهم كذلك تجاه إمكانيّة فقد أبنائهم للغة العربيّة مبرّر أيضاً.

فالعربيّة، بالنسبة إلى كثير من السوريين المهجّرين، ليست لغة الدين والتاريخ فقط، بل هي لغة التفكير، والأمل، ولغة الحلم بالوطن المحرّر، وهي الوسيلة الأخيرة التي يمكنهم من خلالها لمّ شتات العوائل الممزقة في بلدان العالم المتعدّدة.

ماذا تُراها تفعل العائلة السوريّة التي ظلّ جزء من أبنائها في سوريّا، وهرب جزء آخر إلى تركيا، بينما هاجر آخرون إلى فرنسا.. مثلا!

ففي حين أن الجيل الأوّل من العائلة ما يزالون يتواصلون عبر مواقع التواصل الاجتماعي باللغة العربيّة، لكن كيف يمكن للجيل القادم من العائلة ذاتها أن يتواصل!

في ظل عدم توفّر المدارس المختصّة لتعليم اللغة العربيّة في أوروبّا، أو المقفلة حديثا في تركيا، فإنّ طرح السوريين لمثل هذه الأسئلة الوجوديّة مبرّر من دون شك، كما أنّ مسؤولية العائلة -الوالدين- باتت أمراً لا يمكن الاستغناء عنه في العائلة التي تود أن يتواصل الجيل القادم من أبنائها، وأن يكون ذلك التواصل باللغة العربيّة.

اللغة قد لا تكون الأساس الوحيد في تكوين الهويّة، لكن يمكن للغة المشتركة أن تشيّد جسورا، تجعل من الهويات العرقيّة المتعدّدة، هويّات حيويّة متنوّعة

من جهة أخرى، يمكن لوسائل الإعلام الفضائية الناطقة باللغة العربيّة أن تلعب دورا مهمّا في الحفاظ على لغة متابعيها، إضافة إلى ما يمكن للشبكة العنكبوتيّة (الإنترنيت) أن تقدّمه من برامج متخصّصة لتعليم اللغة العربيّة، فإنّ حث الأطفال على الحديث، في المنزل، باللغة العربيّة، أو متابعة البرامج الكرتونيّة المذاعة باللغة العربيّة، قد تكون من الوسائل المتوفرّة لمقاومة أسباب التلاشي العائلي.

قد لا تكون اللغة العربيّة، بالنسبة إلى كثير من السوريين، المكوّن الوحيد للهويّة، فالكردي السوري، والتركماني السوري، والشركسي السوري، لا تُعتبر اللغة العربيّة، بالنسبة إليهم، لغة قومية، لذلك فالواقع يتّفق مع ما ذهب إليه الغذّامي، وسبقت الإشارة إليه من أنّ اللغة قد لا تكون الأساس الوحيد في تكوين الهويّة، لكن يمكن للغة المشتركة أن تشيّد جسورا، تجعل من الهويات العرقيّة المتعدّدة، هويّات حيويّة متنوّعة، منفتحة تجاه بعضها البعض، وهذا -على وجه التحديد- ما تفعله اللغة العربيّة في حضورها، وهذا، على وجه الخصوص- ما يمكن أن نفقده كسوريين في حال غيابها.