"بيانو" فوق دبابة

"بيانو" فوق دبابة

"بيانو" فوق دبابة

تاريخ النشر: 23.03.2021 | 05:48 دمشق

في كتابه "موت مدينة" المنشور عام 1946والذي ترجم إلى قرابة 40 لغة، ثم تحول إلى فيلم عام 2002، يروي عازف البيانو البولندي الشهير فلاديسلاف شبيلمان كيف ساعده ضابط ألماني نازيّ على النجاة من موت مؤكد. في صيف عام 1944 اكتشف الضابط الألماني اختباء شبيلمان في أحد الأبنية المدمّرة في واحد من أحياء وارسو المحتلة، ولدهشة شبيلمان، لم يعتقله الضابط أو يقتله، حتى بعد علمه بأنه يهودي. سيعلم الضابط من شبيلمان الخائف والهزيل أنه عازف بيانو. نزل الاثنان إلى الطابق الأرضي، وطلب منه العزف على بيانو كان مركوناً هناك. شبيلمان الذي فقد كامل عائلته في معسكرات الموت، سيُسمِع الضابط الألماني الذي بدا أنه شغوف بالموسيقا، مقطوعة للموسيقار البولندي "شوبان". خلال الشهور التالية سيداوم الضابط على إحضار الطعام لشبيلمان، بعد أن نصحه بمكان أفضل للاختباء داخل البناء. مع اقتراب الجيش الأحمر من وارسو، وقبل انسحاب الألمان مطلع عام 1945 سيحضر ليودّع شبيلمان، ويعده أنه سوف يتابع سماعه بعد عودة الحياة إلى طبيعتها، من إذاعة وارسو التي كان يعزف من خلالها قبل الحرب، وقبل أن يمضي سيخلع معطفه العسكري السميك ويقدمه لشبيلمان ليقيه البرد.

آلة البيانو الموسيقية كانت تتربع على ظهر الدبابة في مشهد لن يخطر في خيال أي مخرج سينمائي

في آذار عام 2012، بعد انسحاب الجيش الحر من حي بابا عمرو في مدينة حمص، وكان الحي قد تعرض لقصف مباشر على مدار شهر كامل. دخل جيش الأسد إلى الحي، ومباشرة بعدها دخل إلى حي الإنشاءات المجاور، والذي كان كثير من سكانه قد هجروه بسبب القصف على أطرافه. انتشرت في تلك الفترة كثير من الصور التي أرخّت لما سوف يُدعى فيما بعد بالتعفيش. فإضافة إلى صور مرور الدبابات فوق كثير من السيارت المتوقفة في الحيّ، عقوبة لسكانه على مشاركتهم في المظاهرات لعام كامل، فإن صور نقل ممتلكات سكان الحي فوق عربات الجيش كانت سابقةً وصادمة في تلك الفترة. صورة من تلك، كانت لافتةً وغريبة، لما تحمله من تضادّ. كانت الصورة لدبابة تحمل على ظهرها، من بين أشياء أخرى، "بيانو". نعم آلة البيانو الموسيقية كانت تتربع على ظهر الدبابة في مشهد لن يخطر في خيال أي مخرج سينمائي.

في زحمة أسماء الضحايا التي كانت تتردد كل يوم، والخسائر التي كانت المدينة تتعرض لها، لم تأخذ تلك الصورة السوريالية حقّها من الانتباه، ومرّت دون أن يعرف أحد من هو صاحب ذاك البيانو، وهل عاد إلى بيته ليجده منهوباً، أم أنه كملايين غيره غادر البيت ولم يعد إليه ثانيةً. وبطبيعة الحال، لن نعرف ماذا فعل الضابط بالبيانو الذي سرقه. ولكن يمكن الترجيح أن السارق بداهةً، لا يتحسس موسيقا البيانو، ولن يقوم بإهدائه لابنته الصغيرة على سبيل المثال. على الأغلب أنه عرضه للبيع في أسواق التعفيش التي بدأت تظهر بالمدينة في فترة تالية. قبل ذلك بشهور قليلة، كان منزل عائلة عازف البيانو والملحن المعروف مالك جندلي قد تعرض لتحطيم محتوياته، بينما تعرض والداه للضرب وانتشرت صورهما والكدمات والجروح على وجهيهما في العديد من التقارير الإخبارية. أحد المعتدين، وهو من قوات أمن الأسد، أبلغ الوالد الدكتور مأمون جندلي أنهم إنما يفعلون ذلك لأنه لم يُحسن تربية ابنه. كان مالك جندلي المقيم في أميركا قد نشر في صيف 2011 أغنية "وطني أنا" دعماً للشعب السوري الشجاع، بحسب تقديم جندلي للأغنية.

في العرف السوفييتي في تلك الفترة لم يكن من المناسب، بل وممنوع أن يكون لضابط ألماني أي ملمح إنساني

سيعلم شبيلمان أن القوات الروسية قد أسرت الضابط المنقذ في بلدة صغيرة غرب وارسو، بعد أن وصله نداء استغاثة منه عبر صديقه في الموسيقا، عازف الكمان "زيجمونت ليدنيكي" الذي أتيحت له فرصة عابرة ومحدودة للحديث مع الأسير. يمضي شبيلمان للبحث عمن ساعده على النجاة من الموت، في محاولة لإنقاذه، ولم يكن حتى تلك اللحظة يعرف اسمه، لكن الروس كانوا قد نقلوه مع باقي الأسرى، من حيث التقاه الصديق، إلى أحد معسكرات الاعتقال في روسيا. عام 1950 عرف أن الضابط هو "ويلم هوسينفلد". حاول شبيلمان مع السلطات البولندية التوسط لإطلاق سراحه. طلب من "جاكوب بيرمان" رئيس الشرطة السرية البولندية التدخل، لكن الأخير اعتذر عن عجزه على أداء تلك الخدمة، فأي من مسؤولي بولندا العالقة تحت الوصاية السوفييتية، لا يستطيع التدخل في هذا الأمر، الطريف أن شبيلمان قد اضطر عند نشر كتابه إلى تعديل جنسية الضابط ليغدو نمساوياً، ففي العرف السوفييتي في تلك الفترة لم يكن من المناسب، بل وممنوع أن يكون لضابط ألماني أي ملمح إنساني.

في عام 1952 سيموت هوسينفلد في الأسر نتيجة ما كان تعرّض له من تعذيب. وسيداوم شبيلمان حتى وفاته عام 2000 على وصفه بالرجل "الصالح بين الأمم" وهو التعبير الذي يطلقه اليهود على غير اليهود ممن ساعدوا ضحايا الهولوكوست.

لن يجد عازف البيانو السوري مالك جندلي من بين من اعتدوا على والديه أي أحد يشبه النازيّ هوسنفيلد ليقول عنه إنه "رجل صالح" فقد التحق والداه المُسنان به في أميركا، هرباً من مصير أسوأ، وما زال هو من منفاه، يعزف للسوريين وللعالم موسيقاه، معوّلاً على تلك اللغة التي يتقنها أن تبلغ رسائله.

في عام 2000 توفي شبيلمان في مدينته وارسو، ودفن في مقبرة عسكرية تكريماً له، وكان قبلها تابع العزف والتأليف الموسيقي على مدار نصف قرن بعد الحرب، وتضمنت أعماله مئات الأغاني والعديد من المقطوعات الأوركسترالية. في عام 2007 منح الرئيس البولندي الضابط هوسنفيلد واحداً من أرفع الأوسمة في بولندا، وفي نهايات عام 2011، تقريباً في الفترة ذاتها التي اعتدي فيها على والدَي عازف البيانو السوري، أزيح الستار عن لوحة تذكارية لشبيلمان، محفورة حروفها باللغتين البولندية والإنكليزية، أمام البناء الذي التقاه فيه الضابط النازيّ. حضرت الاحتفالية عائلة شبيلمان وحضرت معهم كريسي هوسنفيلد ابنة الضابط الألماني.

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
تخصيص مستشفى الطوارئ بمدينة الفيحاء بدمشق مركزاً للقاح كورونا
"كورونا" يفتك بصحفيي الهند.. وفيات بالعشرات ونفوس مدمرة
حصيلة الوفيات والإصابات بفيروس كورونا في سوريا