بقاء بشار الأسد في موقع الرئاسة يعني موت سوريا

تاريخ النشر: 27.04.2021 | 06:47 دمشق

لم يختر السوريون في تاريخهم الحديث من يمثّلهم، ولم يختاروا قادتهم، ليس فقط على مستوى رئاسة الجمهورية، أو أعضاء البرلمان، بل على مستوى مختار قرية، وربما أقل من هذا، وعندما حاولوا استعادة هذا الحق قامت الدنيا ولم تقعد، فأُحرقت بلادهم، ودُمرت، وهُجّروا منها، وخسروا ما يقارب المليون منهم، لذلك فإنّه من الطبيعي أن يتناولوا بسخرية مريرة تعكس حجم يأسهم، مسرحية الانتخابات الرئاسية التي تجري فصول الاستعداد لها اليوم، والتي من المقرر أن تجري في السادس والعشرين من الشهر المقبل.

ليس أمام السوريين إلّا السخرية، فهم الذين خبروا طويلاً فصول هذه المسرحية، عايشوها، وعرفوا تفاصيلها طوال سنوات حياتهم، هي وإن كانت تختلف عن سابقاتها طوال نصف قرن، فإنّ هذا الاختلاف يكمن فقط في أنّها تجري بعد أن تمزّقت بلادهم، وهُجِّر نصف شعبها، واحتلتها جيوش وميليشيات لا عدّ لها، والأدهى من كل هذا، أنّهم يعرفون جيداً أنّ من تسبب بكل ويلات بلدهم، هو الوحيد الذي تجري فصول هذه المسرحية لإعادته - مرة رابعة- حاكماً عليها، وأنّها تجري بعد عشر سنوات من ثورتهم على هذا الحاكم، ثورة دفعوا ثمنها غالياً، من دمهم وشبابهم، وأحلام ومستقبل أجيالهم.

منذ أن قبض العسكر على مواقع السلطة، لم تعُد لأية عملية انتخابات أي معنى

لم تجرِ أي انتخابات في سوريا، وبالأخص الانتخابات الرئاسية يوما بدلالة حاجات الشعب السوري، أو بدلالة الوضع السياسي، واختلاف البرامج السياسية بين أحزاب، أو شخصيات لها حضورها السياسي، كما هو معتاد في الدول التي تعرف حداً أدنى من الديمقراطية، ولم تكن يوما لتعكس رأيهم، وربما لم يتبقَ من السوريين الذين عرفوا طوال حياتهم انتخابات حقيقية إلا القليل، والذين تجاوزا الثمانين من عمرهم، فمنذ أن قبض العسكر على مواقع السلطة، لم تعُد لأية عملية انتخابات أي معنى.

اليوم، يسخر السوريون كلّهم، وهم يتابعون مشهد سيل المترشحين لموقع الرئاسة، (بلغ عدد المترشحين حتى لحظة كتابة هذا المقال 21 مرشحاً)، يتقاطعون جميعاً بأنّهم يؤيدون بشار الأسد، وبأنّهم جميعاً بلا أي برنامج، وجميعهم بلا أي مؤهلات حقيقية، والأدهى من كل هذا، أنهم جميعاً ينتظرون تعليمات أجهزة المخابرات، ليعرفوا ماذا يتصرفون، وماذا يحق لهم قوله إن اضّطروا للتحدث إلى وسيلة إعلامية، وهل يستمرون في ترشحهم أم ينسحبون!

باختصار وبوضوح، يُمكن القول: إن الشعب السوري بكامله، وبكل وجوه مأساته، ليس موضوعاً لهذه الانتخابات، والغاية الوحيدة لها هي الرسالة التي يريد قولها من يمسكون بالقرار السوري - وأقصد إيران وروسيا- للأطراف الدولية الأخرى.

لكن ماذا يعني استمرار بشار الأسد في موقع الرئاسة لسبع سنوات أخرى؟ وهو الذي يحكم سوريا منذ واحدٍ وعشرين عاماً، ولماذا يصّر الروس والإيرانيون على تحدي السوريين والعالم، والإبقاء عليه رئيساً، رغم أنهم يعرفون جيداً أن الخطوة الأولى للحل، والتي لا بديل عنها، تكمن في رحيله؟

أول ما يعنيه بقاء بشار الأسد رئيساً لسوريا، هو استمرار المأساة السورية لسنوات أخرى قادمة، فسوريا ستبقى رهينة صراع مصالح الآخرين على أرضها، وستبقى مشلولة، ونازفة، وغير قادرة على تضميد جراحها.

ويعني أيضاً أن مستقبل سوريا سيظل غامضاً، رغم أن ما يجري على الأرض يدفع للخوف الشديد على وحدتها، وصيغة نظامها السياسي، وأن استنقاع الوضع على ما هو عليه، سيؤدّي إلى تكريس أمر واقع، سيكون من الصعب جداً على السوريين تجاوزه مستقبلاً.

لكن الأخطر من كل هذا، أن أطرافاً فاعلة على الأرض السورية، تعمل جاهدة ومنذ سنوات، لتكريس وجودها الدائم في سوريا، سواء عبر اتفاقات طويلة يوافق عليها من يغتصب السلطة في سوريا، والذي لاحول له ولا قوة أمام القوى التي تمسك بمصيره، أو عبر خلق مرتكزات أو حاضنة اجتماعية لها على أسس قومية أو طائفية، ورغم أن كل الاحتلالات خطيرة، ولها نتائجها الكارثية على مستقبل سوريا، إلا أن أخطرها هي الأطراف التي تسعى لترسيخ وجودها عبر تفتيت النسيج الاجتماعي السوري، وربط جزء من هذا النسيج بها، وتحويله إلى أداة لتحقيق مصالحها.

إنَّ بقاء بشار الأسد في السلطة، يعني بكل وضوح، أن ما تبقى من إمكانات سوريا وقدراتها للخروج من مأساتها سيتم استنزافه

لا أدري لماذا كلّما صدر بيان ختامي لاجتماع أطراف أستانا، يذكر فيه أن الأطراف المجتمعة متمسكة بوحدة واستقلال سوريا، أشعر بأنهم يريدون القول إن تقسيم سوريا قادم لكن ظروفه لم تنضج بعد، فما يجري على الأرض لا يدفع أبداً باتجاه الحفاظ على وحدة واستقلال سوريا، وإن بقاء بشار الأسد هو الشرط المناسب لهذه الأطراف كي تستكمل مرتكزات تقسيم سوريا، وتحطيم أهم مرتكز، وأقصد هوية الشعب السوري وعناصر تلاقيه.

إنَّ بقاء بشار الأسد في السلطة، يعني بكل وضوح، أن ما تبقى من إمكانات سوريا وقدراتها للخروج من مأساتها سيتم استنزافه، وإنّها ستغرق في وضع شديد الضعف، ومفخخ وقابل للتفجير في أي لحظة، الأمر الذي سيوصل في ظل هذه المعطيات داخل سوريا وخارجها إلى صيغ سياسية مؤقتة، ولن تدوم، وستكون بوابة تقسيم إلى كيانات هشّة تتبع هذا الطرف أو ذاك.