بائعة النرجس: (أخاف أن أموت قبل أن أذهب إلى المدرسة)

2024.02.07 | 06:58 دمشق

بائعة النرجس: (أخاف أن أموت قبل أن أذهب إلى المدرسة)
+A
حجم الخط
-A

بعبارة شديدة التكثيف، وببساطة فاجعة عبّرت "نهى" الطفلة السورية ذات السنوات العشر عن حجم الكارثة السورية، وكما لو أنها صرخت بنا جميعا "أنتم عراة" (كما صرخ ذلك الطفل في قصة النساج والملك "لكن الملك عارٍ")، ففضحت عرينا، وفضحت عجزنا وحجم مأساتنا.

تقف "نهى" على الطريق لتبيع باقة "النرجس" التي تحملها، وعندما تتحدث نعرف أنها رغم سنوات عمرها القليلة، تستيقظ باكراً لتصعد إلى الجبل القريب من مكان إقامتها، لتجمع أزهار "النرجس"، وقد يحالفها الحظ فتجمع ثلاث باقات، أو يخذلها فتجمع اثنتين وربما أقل، وتبيع حصادها اليومي، ثم تعطي نقودها التي لا تتجاوز قيمتها الدولار الواحد إلى أمها لتشتري خبزاً للعائلة.

غالباً ما تسأل "نهى" أمها إن كانت ستذهب يوماً ما إلى المدرسة، فترد الأم بحسرة محاولة مواساة ابنها: "انتظري حتى ينتهي موسم النرجس فقط، بعد ذلك ستذهبين إلى المدرسة"، تتمتم نهى: "إن شاء الله" وهي تعرف أن أمها لن ترسلها إلى المدرسة، لأنها ببساطة شديدة عاجزة عن إرسالها، وتحتاج دخلها البسيط لسد حاجة العائلة للاستمرار على قيد الحياة، تشعر "نهى" بقهر وحزن شديدين ويصعد الدمع إلى عينيها وهي تقول: (قد أموت ولا يأتي اليوم الذي أذهب فيه إلى المدرسة).

لم يفقد أطفال سوريا مدارسهم فقط، لقد فقدوا كل شيء، بيوتهم، وألعابهم، وأحلامهم وكل تفاصيل طفولتهم، وأرغموا على تحمل قسوة البحث عن لقمة الحياة، وعلى إعالة أسرهم، وانخرطوا مرغمين في سوق العمل الجشع الذي ينهش أعمارهم وأجسادهم، وأدار الجميع الظهر لهم، وتركوهم فريسة القسوة والضياع.

هناك ما يزيد عن مليونين ونصف مليون طفل سوري خارج النظام التعليمي، ونصف المدارس السورية مدمّرة كلياً أو جزئياً، أو أصبحت مراكز إيواء ومراكز قيادات عسكرية

لعلها إحدى أكبر خسائر الحروب أو النزاعات المسلحة، والأكثر تأثيراً على حاضر ومستقبل المجتمعات البشرية، تلك الكوارث التي لا تكون حاضرة بقوة لحظة المعركة، لكنها تتكشف بعد صمت المدافع، ويتضح حجمها الذي لا يمكن تخيله، ولا يظهر على المدى القريب، وأقصد كارثة أن يترعرع جيل بأكمله خارج النظام التعليمي.

تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" تتحدث عن كارثة مرعبة تحيق بأطفال سوريا، فهناك ما يزيد عن مليونين ونصف مليون طفل سوري خارج النظام التعليمي، ونصف المدارس السورية مدمّرة كلياً أو جزئياً، أو أصبحت مراكز إيواء ومراكز قيادات عسكرية، وحتى في مناطق لا يزال النظام التعليمي عاملاً فيها (مناطق سيطرة النظام، ومناطق سيطرة سلطات الأمر الواقع)، تراجع مستوى التعليم إلى حدود يمكن القول وفقها إنه بلا جدوى، ولا تقف المأساة هنا، بل تستمر في الدول المجاورة التي لجأ السوريون إليها، إذ تشير تقارير "اليونيسف" الى أن 800 ألف طفل لجؤوا إلى  دوال الجوار هم خارج النظام التعليمي، باختصار، ربما لم ينج من هذه الكارثة إلا الأطفال السوريون الذين وصلوا إلى أوروبا ومناطق أخرى مثل أميركا أو أستراليا وقليل غيرها، فهل يمكن تخيل حجم الكارثة؟!!

حتى في مناطق كانت تصنف على أنها مناطق متطورة تعليمياً ومستقرة، قد يواجه الأطفال السوريون فيها صعوبة أخرى نادراً ما يتم التطرق لها، أو يتم تجاهلها عمداً، فعندما تتعدد أوجه الكارثة غالباً ما يتم تناول أكثر أوجهها خطورة في اللحظة الراهنة، وأقصد تنامي موجة العنصرية والكراهية ضد الأجانب، وهي مشكلة وإن كانت لا تزال في حدود ضيقة، ويتم التصدي لها غالباً، إلا أن وجودها وعدم تراجعها لا بل تناميها، تضع الأطفال السوريين في مواجهة جديدة، قد تؤثر عميقاً في بناء شخصياتهم، وتطوير قدراتهم، ومهاراتهم وسلوكهم.

أمام هول هذه الكارثة التي ستكون سوريا والسوريون في مواجهتها قريباً، لا يوجد أي طرف سوري سواء في الداخل والخارج يعطي لهذه القضية أولويتها التي تستحقها، فلا الدولة السورية مهتمة، لا بل إن الفاجعة أن الدولة السورية بسياساتها التعليمية، وبغياب الإمكانات المادية والتقنية، وبسبب تفشي الفساد فيها، أصبحت جزءاً مهماً من المشكلة، وهي تفاقمها كل يوم، ويجد الأهالي أنفسهم شيئاً فشيئاً أمام مسؤولية البحث عن بدائل تعليمية لأطفالهم، ويعجز القسم الأكبر منهم عن تحمل تكاليف التعليم البديل.

أما في المناطق السورية الخارجة عن سيطرة النظام، فلا يختلف الأمر كثيراً، فالجهات المسؤولة عن التعليم ليست ذات كفاءة، وتخضع عملية التعليم فيها لاعتبارات سياسية وإيديولوجية تتنافى مع معايير التعليم، وتنمي في الطلاب نزعات التطرف والكراهية، ويتم تبني مناهج تعليمية تضع في أولوياتها تعزيز الإيديولوجيا التي تتبناها سلطة الأمر الواقع، ضاربة عرض الحائط بأصول ومبادئ التعليم، وطرقه الجديدة التي تتبناها معظم دول العالم.

يمكن الحديث طويلاً عن النتائج الكارثية لغياب جيل بمعظمه عن مقاعد الدراسة، لا تبدأ بالتشوهات النفسية التي تنجم عن هذا الغياب، ولا تنتهي بسلوكيات ونمط الاقتصاد الذي يمكن أن يجذب عمالة غير متعلمة، وغير مؤهلة لدورة اقتصاد بات في معظمه يعتمد المهارات والتقنيات، والأخطر أنها تضع المجتمع كله في مواجهة تطرف متعدد الأوجه، فالأطفال المحرومون من التعليم غالباً ما يذهبون إلى سوق العمل مضطرين، سواء لإعالة أنفسهم أو إعالة عائلاتهم، وهذا يعرضهم لاستغلال متعدد الأوجه، لكنه في المجتمعات التي تعيش صراعات طويلة، ستكون العسكرة أو التجنيد المبكر هو الأكثر جذباً، وهو الأكثر طلباً ودخلاً، هذا الأمر شديد الخطورة فهو عدا كونه يفتك بالمجتمع عبر العنف الممارس في المعارك المباشرة، فإنه يؤسّس لعنف آخر حتى لو توقف الصراع الدائر، ويصبح الأفراد الذين مارسوا أعمالاً عسكرية لسنوات طويلة، عاجزين عن ممارسة أفعال أخرى في زمن السلم، ولإعادة تأهيلهم سوف تحتاج الدولة لبرامج تأهيل عالية التكلفة.

إننا بتجاهل خطورة غياب جيل سوري عن مقاعد الدراسة، فإننا نفتح المجال واسعاً لإنتاج مجتمع محطم، ويتفوق كثيراً على المجتمع الذي سبق الحرب بالعنف، والتطرف والجهل

إذن، وبدلاً من أن يسهم هؤلاء في إعادة بناء أوطانهم المدمّرة من جرّاء الصراعات فيها، فإنهم يتحولون إلى عبء عليها، ويستنزفون اقتصادها الضعيف الخارج من حرب مدمّرة، وتصبح المشكلة أكبر من قدرة هذه المجتمعات.

يمكن القول: إننا بتجاهل خطورة غياب جيل سوري عن مقاعد الدراسة، فإننا نفتح المجال واسعاً لإنتاج مجتمع محطم، ويتفوق كثيراً على المجتمع الذي سبق الحرب بالعنف، والتطرف والجهل.

ملاحظة: ساهم الفيديو الذي ظهرت فيه نهى وهي تغص بالدمع قائلة: (قد أموت قبل أن أذهب للمدرسة)، في قيام متبرعين بمساعدتها ومساعدة أسرتها، وهي اليوم تذهب إلى المدرسة، ولكن كم طفل في سوريا مثل "نهى"، قد يموت قبل أن يذهب إلى المدرسة؟