انتخابات الأسد في الميزان الدولي ومستقبل سوريا

تاريخ النشر: 03.06.2021 | 07:05 دمشق

آخر تحديث: 03.06.2021 | 08:51 دمشق

إعلان نتائج الانتخابات السورية عن فوز بشار الأسد، هو الإعلان الصريح عن استمرار الأزمة وتأبيدها، بل الارتكاز إلى معادلة طرحها النظام عن نفسه بعبارة "الأسد للأبد". فمعه أزمة سوريا ستكون أبدية، ولا معادلة أخرى لانتخابه غير معادلة غرق سوريا في الدوامة ذاتها وإطالة زمن المتاهة.

الأعمق من المشهد المباشر والهشّ لإعلان النتائج أو برقيات التهنئة التي تلقاها الأسد وتشير إلى أنه الوحيد القادر على إنهاء الأزمة السورية، وما تنطوي عليه تلك النظرة من تفاهة سياسية أو عمى ناتج عن حقد وضعف هو إلقاء نظرة على المواقف الدولية. وهنا لا بد من الإشارة إلى وجود تواطؤ دولي وإقليمي واضح، كل المواقف الاعتراضية سواء كانت أميركية أو أوروبية لم تعبّر عن نفسها بشكل عملي وحقيقي، إنما مواقف لرفع العتب. بمقارنة بسيطة بين المواقف الدولية الشاجبة والرافضة في انتخابات العام 2014 والمواقف الهزيلة اليوم يظهر الفرق.

بكل الأحوال وبدون الغوص في تفاصيل مملة، فإن ما جرى لا يعني أن المأساة السورية ستجد طريقها إلى الحلّ، لكنها في المقابل تؤكد ان الأسد لا يمكن أن يكون عراب هذا الحلّ، إنما كل هذه المواقف تشير إلى استمرار الأزمة والانهيارات، وغياب أي محاولة حلّ أو مسار تسوية حقيقي. لما تعتبره القوى الدولية يمثل مصلحة استراتيجية لها في هذه المرحلة، هذا الواقع أيضاً يناسب النظام السوري الذي يستثمر بكل هذا الخراب. مصلحة النظام باستمرار مسار الاستنزاف، لأنه لا يمكن الذهاب إلى حلّ وبقائه بصيغته الحالية، فأي حلّ برعاية دولية سيؤدي إلى متغيرات تضعف النظام وتدخل عناصر جديدة من المعارضة إلى الحكم.

من ظواهر التواطؤ الدولي أيضاً، هو استمرار التمدد الإيراني في سوريا، على إيقاع وجود مفاوضات أميركية روسية إسرائيلية لبحث الأزمة السورية والنفوذ الإيراني في مناطق سورية استراتيجية. بداية  لا يمكن لتمدد النفوذ الإيراني أن يتحقق في سوريا، ويتوسع باتجاه مناطق شرق الفرات، بنتيجة جهد إيراني ذاتي، بل بتواطؤ دولي وإقليمي، هذا الوجود الإيراني يلبي مصلحة دولية وإقليمية، تحت اعتبار أنه لا يمكن لطهران التحكم بسوريا، إنما هي القوة الوحيدة القادرة على منع إعادة تشكل سوريا من جديد، وإعادة بناء الدولة فيها. تحت هذا العنوان يكمن تقاطع المصالح بين طهران وبعض القوى الدولية، وكأنها حصيلة لتقاطع هذه المصالح في ظل غياب أي اتفاق، واستمرار التعقيد الذي يعتري الملف السوري.

على الرغم من السيطرة الروسية بشكل شبه كامل، لم يحصل هناك أي إقرار دولي بأن المرجعية الوحيدة في سوريا هي روسيا، في المقابل يغيب أي تصور أميركي لحلّ الأزمة، وكلما تقدم الروس بمبادرة باتجاه واشنطن لبحث الملف السوري، يرفض الأميركيون البحث فيه ما يثير استفزاز الروس واستغرابهم. ولذلك نتيجة واضحة لأن الوضع السوري لا يقلق أي جهة دولية بالمعنى الدولي والإقليمي، فمثلاً في ظل ما جرى مؤخراً في غزة والمعركة التي خيضت، لم يكن هناك أي موقف سوري ولا أي تأثير، بينما تحولت الأنظار إلى حزب الله ولبنان إلى ساحة متفاعلة مع تطورات المعركة. هذا أكبر المؤشرات على سحب سوريا من ميدان التأثير والتفاعل، بما يلبي مصلحة إسرائيل والولايات المتحدة وروسيا. إيران ليست بعيدة عن هذه المعطيات، خصوصاً أنها تقدم نموذجاً تهدوياً، تشير من خلاله إلى أن سوريا لن تكون قاعدة لشن المعارك ولا متلائمة مع صيغة فتح الجبهات، وإعلان غير مباشر لالتزامها مقتضيات التفاهمات الروسية-الإسرائيلية بشأن سوريا.

ستكون نتيجة الانتخابات السورية ورقة في يد فلاديمير بوتين باجتماع القمة الذي سيعقده مع الرئيس الأميركي جو بايدن في السادس عشر من الشهر الحالي. هو اللقاء الذي تفتح فيه كل الملفات كما كان الحال بالنسبة إلى لقاء ترامب وبوتين في هلسنكي سابقاً، ونتجت عنه تطورات كثيرة ترتبط بالملف السوري. بنتيجة هذا اللقاء وما سينتج عنه، لا بد من مراقبة مسار العلاقات العربية مع النظام، إذ تؤكد المعلومات أنه بعد زيارة الوفد السعودي إلى دمشق دخلت واشنطن مجدداً على الخط وعملت على تجميد الاندفاعة بانتظار بلورة اتفاق أميركي روسي. تماهياً مع كل هذه التطورات، تبقى المسؤولية ملقاة على عاتق السوريين المعارضين، والذين يغيبون بشكل كامل فيما يعمل بشار الأسد على الإعداد لثورة مضادة.

فقوى المعارضة السورية على اختلاف توجهاتها وتضاربها، لم تقم بأي حركة سياسية جدية، لإعلان موقف معين ولو من الناحية النظرية أو الشكلية، ولم تنجح في تقديم أي تصور لمجموعة بديلة عن النظام أو بالحدّ الأدنى قادرة على الدخول في حوار متكافئ معه يجعلها حاضرة في أي مباحثات حول التسوية، بعض هذه القوى أصبح في حالة احتراق أو بعيداً عن التأثير بسبب الارتباط بحسابات وتوجهات بعيدة كل البعد عن الواقع السوري. ولا بد من إعادة إنتاج منظومة سياسية معارضة تضم معارضين من مختلف الاتجاهات عبر تشكيل لجان تنسيق وتواصل فيما بينهم ولو كانوا في دول متعارضة الأهداف والتوجهات، لأنها فرصتهم الوحيدة للعودة إلى المشهد ولإثبات حقهم ووجودهم السياسي.