icon
التغطية الحية

"النول والسداء".. حرفة نسيج تراثية تصارع من أجل البقاء

2024.03.16 | 06:15 دمشق

syria.tv
فائزة الصفدي نساجة سورية داخل مشغلها في محافظة السويداء، سوريا، آذار/مارس 2024 (تلفزيون سوريا)
السويداء - خاص
+A
حجم الخط
-A

بملامح مشحونة بالصبر وشغف للعمل الذي تحبه، تجلس فائزة الصفدي على مقعد ضمن مربع خشبي لا يتجاوز المتر المربع، لتبدأ نسج خيوطها على النول كل يوم، النول الذي رافقها أيام طفولتها عندما كانت تنسج مع والدتها وسائد وبسط يدوية تمتاز بالجمال وتعبق برائحة التراث.

تنسج فائزة، ابنة بلدة القريا في الريف الجنوبي الغربي لمحافظة السويداء، خيوط النول كما لو كانت تعزف مقطوعة موسيقية، خيط يلتحم بخيط حتى تكتمل قطعة جميلة جديدة تضاف إلى مشوارها في العمل.

تبدأ مرحلة صناعة الوسادة أو البساط أو الحقيبة اليدوية أو أي منتج بتصميمات مميزة تصنعها الصفدي، تختلف في أحجامها وأشكالها وفقاً لطلب المشتري.

تقول فائزة إن نسج البساط الواحد بمقاس نصف متر مربع يستغرق من 3 ساعات حتى 3 أيام، بحسب شكل الزخرفة ونوع الخيط والتصميم.

وتروي النساجة السورية، في حديثها لموقع "تلفزيون سوريا"، كيف بدأت مشوارها في العمل على النول؟

وتقول، بدأت العمل على النول مع والدتي منذ عام 1982، العام الذي اشترينا فيه النول لنعيش من إنتاجه، بعد أن توفي والدي وتركنا أطفالاً في عهدة أمي.

وتضيف فائزة، كنا نعمل على النول بمعدل من 6 إلى 7 ساعات يومياً، تطور عملنا ليصل معظم المحافظات السورية، وكان مصدرنا الوحيد للرزق.

التراث وضعف الإقبال

وفقاً لفائزة، فإن هذه الحرفة فقدت الإقبال عليها خلال العقدين الأخيرين نتيجة توفر المنتجات الصناعية الحديثة الأكثر إنتاجا وأقل كلفة واقتصر روادها على الهواة ومحبي التراث والصناعات اليدوية التقليدية.

كما أن تسويق منتجات النول اقتصر في السنوات الأخيرة على معارض الحرف اليدوية والمهرجانات التي تطلقها الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، ولكن حتى ذلك بات أمرا صعبا في ظل تراجع الواقع المعيشي للمواطن وتردي الحال الاقتصادية، وفقاً لفائزة.

ويعدّ ظهور الماكينات الحديثة أبرز التحديات والصعوبات التي تواجهها المهن والحرف اليدوية وطغيان إنتاجها على السوق التجارية في حين لا يبحث عن اليدويات إلا المتقصد والباحث عنها.

وتقول فائرة، لم تعد الآلة هي أبرز التحديات فحسب وإنما صعوبة الحصول على المواد الأولية باتت أمر يعيق التقدم في هذه الحرفة التي أمارسها وأقتات منها منذ عشرات السنين.

وتوضح النساجة السورية، أصبح الحصول على خيوط السداء والصوف، أحد أهم أركان هذه المهنة، أمراً شاقاً ومكلفاً، حيث أصبح لزاما عليها الذهاب إلى دمشق للتوصية على طلبيتها من هناك، بعد أن كانت سابقا تحصل عليها من السوق المحلية بالسويداء

يعد نقص المواد الخام من أكبر معيقات المهن اليوم على مستوى سوريا عموما وفي محافظة السويداء على وجه التحديد، الأمر الذي دفع الكثيرين من أصحاب المهن إلى التوقف عن الإنتاج مع ندرة المواد وتدني الدخل وضعف الإقبال على المنتجات اليدوية بشكل خاص.

فائزة الصفدي نساجة سورية داخل مشغلها في محافظة السويداء، سوريا، آذار/مارس 2024 (تلفزيون سوريا)

رغم التحديات هناك تحديثات

هذه التحديات المفروضة لم توقف فائزة الصفدي عن مواصلة طموحها بالاستمرار بمهنتها التي تحب، وبعد تراجع الطلب على الوسادات والبسط، ابتكرت منتجات جديدة تحتاجها المنازل والمكتبات كالحقائب المشغولة على النول، وحاويات الأقلام والسكاكين والملاعق والمناديل الورقية، وأغطية الطاولات وقطع توضع تحت الأباريق والأواني والكؤوس، وأشياء أخرى.

كما أن ندرة وغلاء الخامات دفعها إلى إعادة تدوير الملابس القديمة لتحيك منتجاتها من خيطانها أو من شرائط قطع القماش القديمة.

وتصر فائزة على الاستمرار بالعمل على النول حتى لو لم تحصل إلا على رأس المال من عملها، مشيرة إلى أنه يجب الحفاظ على هذا الإرث، داعية من يريد التعلم على النول بأنها ستعلمه مجاناً كي لا تندثر هذه المهنة التراثية.

يعتبر النسيج على النول من أقدم المهن البشرية، ولبلاد الشام خصوصية بهذا الخط المهني حيث تعد دمشق من أهم المدن في هذه الحرفة عالميا، وقد وصلت المنتجات الدمشقية إلى معظم الدول الأوروبية في القرنين الماضيين.

ومن أهم ما أنتج في سوريا في تلك الحقبة على النول البروكار الدمشقي الذي كان يشكل أفضل أنواع الاقمشة في العالم، وأكثرها مبيعا.