النخب السورية بين الوحدة الوطنية والانفصال

2024.06.11 | 06:01 دمشق

54333333333333333
+A
حجم الخط
-A

تعد النخب الوطنية عناصر رئيسية في تشكيل وصياغة السياسات والتوجهات الوطنية لأي بلد، خاصة في ظل الثورات والأزمات والصراعات.

مع اندلاع الثورة السورية ودخولها مرحلة التسليح بدأت تتمايز النخب الوطنية بين تلك التي تتبنى مواقف وطنية جامعة وتعمل على تعزيز الوحدة الوطنية، وتلك التي تسعى إلى تحقيق أهداف انفصالية تحت مسمى الحكم الذاتي، ومنذ ذلك الحين، تنوعت مواقف وتوجهات مختلف المكونات الاجتماعية والسياسية في سوريا، مما أدى إلى بروز توجهات سياسية مختلفة بين النخب السورية، وتحديداً بعد عودة حراك السويداء في الجنوب السوري بالتزامن مع دعوة قسد إلى انتخابات محلية وسنحاول في هذا المقال عرض أهم الديناميات الحركية التي تحكم نخب المنطقتين.

تأثير الثورة السورية على السويداء

مع اندلاع ثورات الربيع العربي قام بشار الأسد بزيارة السويداء كأول محافظة سورية نتيجة مخافته من إطلاق الشرارة من تلك المحافظة ولمعرفته بسوء الأوضاع الاقتصادية والخدمية في المحافظة وعلى الرغم من ذلك شهدت المدينة حراكا اجتماعيا منذ بداية الثورة وسرعان ما خفت الاحتجاجات فيها نتيجة التوافقات والتنازلات التي قدمها النظام السوري لأهالي المحافظة وبدأت تنشط أجهزة المخابرات في المحافظة لقمع واغتيال المعارضين له ومن أبرز النخب الوطنية التي اغتالها نظام الأسد الشيخ وحيد البلعوس عبر تلغيم سيارته عام 2015م، الذي كان رمزاً لحركة رجال الكرامة وداعياً للوحدة الوطنية وإسقاط النظام قبل اغتياله.

أظهر حراك السويداء حالة وطنية عبر الثوار والنخب الوطنية التي تصدرت المشهد في السويداء من خلال الدعوات للوحدة الوطنية والعيش المشترك بين مختلف الطوائف والمكونات السورية.

عودة الحراك الاجتماعي في السويداء

مع بداية عام 2023م عاد زخم الحراك الاجتماعي مرة أخرى مع تبني خطاب الثورة الجامع ورفع علم الثورة السورية بالمظاهرات العامة ورفع أهازيج الثورة السورية وشعاراتها والتغني بصوت الساروت وسميح شقير ووصفي المعصراني في الساحات وتمجيد بطولات الجيش السوري الحر، أظهر حراك السويداء حالة وطنية عبر الثوار والنخب الوطنية التي تصدرت المشهد في السويداء من خلال الدعوات للوحدة الوطنية والعيش المشترك بين مختلف الطوائف والمكونات السورية ورفض أي محاولات لتفتيت البلاد على أسس طائفية أو إثنية التي دعا إليها بعض "مشيخة العقل".

خطاب تعزيز الوحدة الوطنية

تعتبر الوحدة الوطنية حجر الزاوية في خطاب تلك النخب، وتسعى إلى تحقيق توافق وطني شامل والتزامها بسيادة الدولة السورية ووحدة أراضيها، وترفض أي تدخلات خارجية تهدف إلى تقسيم البلاد كما دعت تلك النخب إلى الحفاظ على السيادة الوطنية وعدم السماح لأي قوى خارجية بالتدخل في الشؤون الداخلية وتشدد على أن الحلول السياسية يجب أن تكون سورية خالصة وتقوم على أساس الحوار الشامل بين جميع المكونات.

مبادرة القريا وتعزيز الجهود الوطنية

توجهت نخب السويداء نحو التعاون والتواصل والتنسيق مع ثوار الشمال السوري لتعزيز الجهود الوطنية ضد النظام السوري عبر اجتماعات متعددة وأبرز نتائج تلك الاجتماعات المبادرة التي سعى إليها نخب السويداء ومثقفيها "مبادرة القريا" والتي شاركت بها مناطق جغرافية سورية واسعة وأبرزها السويداء ودرعا ومناطق شمال غرب سوريا، والتي ركزت على إعادة تأميم السياسة مؤكدة على حق السوريين في استعادة السياسة وتحرير القرار من الجماعات والأنظمة الاستبدادية التي احتكرتها وحقوق الإنسان والكرامة الوطنية رفض الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية للتعاون والحوار وبناء الثقة، لتحقيق مكاسب سياسية قائمة على مبدأ العدالة والمساواة بين السوريين، يعكس هذا التوجه رغبة وطنية في توحيد الصفوف لتحقيق أهداف الثورة السورية وإسقاط النظام، مع الحفاظ على الطابع الوطني السوري الجامع كأولوية في العمل السياسي المشترك، بينما في الطرف الآخر من شمال شرق سوريا الذي تسيطر عليه قوات سوريا الديمقراطية تعيش النخب حالة من الشيفونية والتعصب القومي اتجاه المكونات الأخرى من السوريين الذين يعيشون في مناطقها والسعي المستمر نحو الانفصال.

تحاول النخب الكردية تكوين واقع سياسي جديد في شمال شرقي سوريا، يطمح للانفصال بشكل صريح ومعلن عبر العقد الاجتماعي الجديد الذي أعلنت عنه.

النخب الانفصالية ومشروع الحكم الذاتي

بينما تسعى النخب الكردية في شمال شرقي سوريا إلى تحقيق مشروع الانفصال تحت مسمى الحكم الذاتي، وذلك استناداً إلى حجج واهية تحت مسمى الحقوق القومية والثقافية للشعب الكردي ضمن نظام فدرالي والسعي للانفصال الكامل عن الدولة السورية كإطار سياسي وقانوني واجتماعي، تعتمد النخب الكردية على التعاون مع القوى الدولية، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية لضمان الدعم السياسي والعسكري في مواجهة التحديات الداخلية والإقليمية المرتبطة بمشروعها الانفصالي، وتسعى تلك النخب إلى بناء مؤسسات حكم محلية مستقلة تشمل مجالات الأمن والخدمات الاجتماعية وقد عملت على ابتكار مناهج تعليمية مؤدلجة تدرسها للطلاب السوريين في مناطقها وذلك لدعم وتعزيز مشروعها الانفصالي وتهيئة البنية المجتمعية لذلك، كما   تسعى لتحقيق الانفصال تحت مسمى "الحكم الذاتي" لشرعنة مشروعها واستجلاب الدعم الدولي لمنظومتها الحوكمية والعسكرية.

الديناميات الجديدة في المشهد السياسي السوري

تحاول النخب الكردية تكوين واقع سياسي جديد في شمال شرقي سوريا، يطمح للانفصال بشكل صريح ومعلن عبر العقد الاجتماعي الجديد الذي أعلنت عنه مؤخراً سعياً منها لخلق ديناميات جديدة في المشهد السياسي السوري، وسيما الانتخابات التي أجبرت على إلغائها تحت ضغط القوى الوطنية الكردية وبعض الدول الإقليمية، والتي كانت تهدف لترسيخ التقسيمات الإدارية والبلدية التي تلغي المكونات الأخرى وأبرزها المكون العربي في المنطقة، وتقتطع هذه المساحة الجغرافية من الأراضي السورية الممتدة من الحدود العراقية شرقاً حتى محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا بما فيها من ثروات زراعية ومعدنية وبترولية، وقد شهدت في وقت سابق المناطق التي تسيطر عليها قسد حراكا واحتجاجات عارمة سميت بـ"ثورة العشائر" في منتصف عام 2023م نتيجة الممارسات العنصرية تجاه المكونات الأخرى والعنف البنيوي والمؤسساتي والثقافي الذي تنتهجه، وترسيخ حالة العداء السياسي مع الدول المجاورة الإقليمية (تركيا)، بينما تركز نخب السويداء على الوحدة الوطنية والسيادة السورية، مع رفض قاطع لأي مشروع تقسيم للبلاد وتحرص على التواصل السياسي الإيجابي مع دول الجوار الإقليمية (الأردن) وطمأنتها لتبديد المخاوف الأردنية من الحراك الثوري، وتسعى إلى التعاون مع مؤسسات وفواعل الثورة السورية الرسميين وغير الرسميين لا سيما ثوار الشمال السوري لإسقاط النظام وتحقيق أهداف الثورة السورية في نيل الحرية والكرامة لجميع السوريين.