icon
التغطية الحية

"الناس لا يريدوننا".. رفض اجتماعي يواجه العراقيين العائدين من مخيم الهول بسوريا

2023.06.16 | 16:07 دمشق

مخيم الهول شمال شرقي سوريا ـ رويترز
مخيم الهول شمال شرقي سوريا ـ رويترز
The Guardian - ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

تخطط حكومة العراق لتسريع إجلاء مواطنيها من شمال شرقي سوريا ممن لديهم علاقات مؤكدة أو مشبوهة مع تنظيم الدولة، وذلك ضمن عملية سياسية تسببت بصراع على السلطة والمال مع إظهارها للتحديات والمخاطر التي تحيط بعملية إعادة دمج الأشخاص الذين تطرفوا بشكل جزئي.

بعد أشهر من وصول العملية إلى درب مسدود، نقل خلال الأسبوع الماضي نحو 650 مدنياً، معظمهم نساء وأطفال من مخيم الهول سيئ الصيت بسوريا إلى مقر مغلق بشمالي العراق يعرف باسم الجدعة-1، حيث يمضون بضعة أشهر قبل أن يُخلى سبيلهم، إذ على الرغم من عدم ارتكابهم لجرائم، فإن معظمهم لديهم أقارب انضموا إلى التنظيم الإرهابي كما تعرضوا على مدار سنين لأيديولوجيته المتطرفة.

A woman walking near a fence at al-Hawl camp in Syria in October 2019

امرأة تسير بالقرب من سياج في مخيم الهول - تاريخ الصورة: 2019

 

تمكنت صحيفة الغارديان من الوصول بشكل نادر وحصري إلى مخيم الجدعة-1 خلال الشهر الماضي، فأجرت مقابلات مع أربع عائلات، وجميعها أخلي سبيلها منذ ذلك الحين لتفسح المجال للقادمين حديثاً. وفي الوقت الذي أعربت فيه تلك الأسر عن ارتياحها لمغادرة سوريا، اكتشفنا بأنهم أصبحوا يعيشون اليوم على هامش المجتمع خوفاً من العقاب.

مشكلة استراتيجية وأمنية

إذ بخلاف الدول الغربية التي رفضت فكرة إعادة مواطنيها الذين سافروا إلى سوريا والعراق حتى ينضموا إلى تنظيم الدولة، تخطط الحكومة العراقية لجلب جميع مواطنيها، ولهذا تطالب بمزيد من الدعم الدولي، إذ يقول سعيد الجياشي من المجلس الاستشاري للأمن الوطني العراقي، وهي الهيئة الحكومية التي تصدرت جهود عمليات الإعادة: "لا تقتصر رؤيتنا على إعادة العراقيين، إذ لا بد من إغلاق مخيم الهول، كونه يمثل تهديداً للأمن القومي في العراق، فهنالك التطرف، وهو خارج عن السيطرة ولا توجد حكومة هناك".

Al-Hawl displacement camp in Syria in April 2019

مخيم الهول - تاريخ الصورة: 2019

غير أن تعقيدات كثيرة تعترض هذه العملية، ومما يزيد الطين بلة عدد الناس الكبير هناك، إذ منذ عام 2021، أجلى العراق نحو 5500 مدني عبر مخيم الجدعة-1، ومع ذلك، ما يزال العراقيون يمثلون نصف القاطنين البالغ عددهم خمسون ألفاً في مخيم الهول، مقارنة بالأوروبيين الذين يصل تعدادهم إلى بضع مئات، فضلاً عن وجود عشرة آلاف مشتبه بقتالهم إلى جانب تنظيم الدولة، ثلثهم تقريباً من العراقيين، وهؤلاء محتجزون في سجون منفصلة بشمال شرقي سوريا.

يقع مخيم الهول على بعد 13 كلم من الحدود العراقية، وتحرسه قوات سوريا الديمقراطية والتي تسيطر على شمال شرقي سوريا. وحالياً، ما يزال نحو 900 جندي أميركي موجودين في تلك المنطقة لمنع تنظيم الدولة من إعادة ترتيب صفوفه ولدعم قسد ضد النظام السوري ومن أي عملية برية تركية قد تشن في الشمال.

يشهد مخيم الهول الذي وصفه التحالف الدولي الذي تترأسه الولايات المتحدة بالقنبلة الموقوتة، ظروفاً إنسانية وأمنية ما برحت تزداد سوءاً، فضلاً عن تصاعد نسب الجريمة فيه، وانتشار عقيدة تنظيم الدولة والبغاء، والابتزاز الذي تمارسه قسد، ولهذا يأتي العراقيون في أدنى هذا السلم، ويتحملون العبء الأكبر من جراء كل ذلك.

في الوقت الذي أصبحت فيه أولوية قسد هي التخلص من المدنيين، تسعى الحكومة العراقية لإجلاء المقاتلين العراقيين المحتجزين في سجون قسد، إذ ضمن صفقة غير رسمية أبرمت في عام 2021، تزامن نقل كل دفعة مؤلفة من 150 أسرة موجودة في مخيم الهول مع عملية نقل منفصلة لإجلاء خمسين مقاتلاً جرت بسرية أكبر، ثم نقل هؤلاء حتى يحاكموا في المحاكم العراقية التي قد تحكم عليهم بالإعدام خلال المحاكمات التي ترى الأمم المتحدة بأنها لا تراعي المعايير الأساسية للمحاكمات.

واليوم، صارت الحكومة العراقية ترغب بزيادة عمليات النقل والإجلاء وسط تصاعد الضغوط الدولية، إذ يقول ماثيو ماكفارلين، وهو القائد العام للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الذي تترأسه الولايات المتحدة: "نحاول إجلاءهم بأقرب وقت ممكن، إلا أن عملية إجلائهم تمثل مشكلة استراتيجية تتطلب حلاً دولياً، وفي حال عدم مواجهتها ستتحول إلى مشكلة أمنية أكبر في سوريا".

في آذار الماضي، زار أنطونيو غوتيرش، الأمين العام للأمم المتحدة، مخيم الجدعة-1، وأثنى على جهود العراق التي وصفها بأنها مثال يحتذى به في العالم بأسره.

تقاعس أممي وأعراف عشائرية

ولكن في المقابلات المطولة التي أجريناها مع العائدين والعاملين في مجال الإغاثة وموظفي الأمم المتحدة، وجميعهم تحدثوا بشرط عدم ذكر أسمائهم، إلى جانب المقابلات التي أجريت مع مسؤولين من الحكومة العراقية، تبين بأن هنالك تشكيكاً بمدى التزام عمليات الإجلاء بمبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بالعودة الطوعية الآمنة، كما كشفوا عن مواطن الفشل في إعادة دمج العائدين، في حين رفضت بعثة المساعدة الأممية في العراق والمنظمة الدولية للهجرة طلبنا لإجراء مقابلة مع المسؤولين فيهما.

غادرت جميع الأسر الأربعة التي أجرت الغارديان مقابلات معها مخيم الجدعة-1من دون أن تتوفر لديها الوثائق الضرورية مثل بطاقات الهوية الشخصية أو عقود الزواج والتي من المرجح أن تعيق حركتها وحصولها على الخدمات. ولم يكن لدى أية أسرة مكان بوسعها أن تعيش فيه أو أي مصدر يمكنها الاعتماد عليه لدفع الإيجار. كما أن ثلاثاً من بين تلك الأسر كان أفرادها يشعرون بالقلق تجاه فكرة العودة إلى مناطقهم، في حين أجبرت عائلتان على العودة إلى مناطقهما بأي شكل من الأشكال.

إذ تقول سهى (طبعاً تم تغيير جميع أسماء العائدين): "لا تسمح قبيلتنا لنا بالعودة إلى بيتنا"، ويأتي ذلك على شكل عقوبة جماعية تُفرض بحكم الأعراف القبلية، ولذلك نفت القبيلة الأسرة بكاملها بسبب انضمام صهر سهى إلى تنظيم الدولة.

وكغيرها الكثير، فصلت أسرة سهى خلال عملية الإجلاء، إذ في البداية أتى زوجها أحمد الذي يعاني بسبب وضعه النفسي، وتقول: "لم يستطع تحمل مخيم الهول، لذا مرض، ولكني زوجته، أي يجب أن آتي معه"، ولكن في الوقت الذي وصلت فيه سهى إلى  الجدعة-1 برفقة أولادها، كان زوجها قد أخلي سبيله وتُرك ليتولى شأنه كله بنفسه.

يخبرنا أحمد عما جرى وهو في حالة ذهول واضح عندما زارته الغارديان في مدينة قريبة من مدينته، حيث يعاني وهو يقيم في منزل متهالك، فيقول: "أردت أن أبقى في المخيم لكنهم أجبروني على الرحيل". لم يكن البيت مفروشاً بشيء، خلا أدوات المطبخ التي تناثرت فوق أرضيته، وسجادة رقيقة بوسع المرء الجلوس عليها، كما لا تصل الكهرباء إلى هذا البيت.

دفع أحمد إيجار البيت من النقود التي أرسلتها إليه سهى من سجن الجدعة-1، حيث حصلت على راتب متواضع من خلال عملها لدى منظمة غير حكومية، ولكن عندما أخلي سبيل سهى هي وأولادها بنهاية شهر آب، أصبحت الأسرة معدمة.

إلا أن وزارة الهجرة والنزوح التي تدير مخيم الجدعة-1 أنكرت المخاوف التي تحيط بالمشكلات القبلية ووصفتها بالأكاذيب، ونشرت فيديوهات لإخلاء سبيل العائدين الذين أخذوا يتوجهون بالشكر للوزارة والعاملين فيها.

إذ يقول علي عباس، الناطق الرسمي باسم الوزارة: "حتى الآن لم يُقتل أحد على يد القبائل، أي أن معظمهم يكذبون لأنهم يودون البقاء في المخيم لأطول فترة ممكنة حتى يستفيدوا من المعونات الغذائية والمالية التي توزع هناك".

في الوقت الذي اتفقت فيه الحكومة مع الأمم المتحدة على أن الاحتجاز في الجدعة-1 يجب ألا يكون لأجل غير مسمى، يفترض لعمليات المغادرة أن تتم بصورة طوعية، إذ تقول مارا ريفكين، أستاذة القانون بجامعة ديوك الأميركية: "طوعية العودة مبدأ أساسي في القانون الدولي والقصد من سياسة الأمم المتحدة هو حماية النازحين داخلياً من أمثال هؤلاء الموجودين في جدة-1 من الإجبار على العودة إلى موطنهم الأصلي".

تعقيدات أخرى

ثمة نقطة خلافية أخرى وهي كيفية التعامل مع من تطرفوا والذين يمثلون نسبة كبيرة ممن ستشملهم عمليات الإجلاء مستقبلاً، إذ يقول حميد الشاطري الذي يترأس جهاز الأمن القومي المسؤول عن إجراء دراسة أمنية عن الأفراد قبل إعادتهم: "كلما قطعنا شوطاً أطول في العملية، زادت التعقيدات التي تواجهنا، والآن وصلنا للمرحلة التي أصبحت فيها كل أسرة مقيمة في مخيم الهول لديها فرد مطلوب واحد على الأقل".

ولهذا، يجب على جميع المدنيين العائدين الخضوع "لبرنامج إعادة تأهيل" في الجدعة-1وهذا البرنامج يركز على الدعم النفسي-الاجتماعي والتدريب المهني، ويعتبره المسؤولون الأمنيون سطحياً وبحاجة لبرنامج أشمل يهدف إلى نزع التطرف وإزالته ويقدم بدعم من المجتمع الدولي، غير أن العاملين في المجال الإنساني يصرون على عدم إرغام العائدين الذين ثبتت براءتهم من ارتكاب أي جريمة على المشاركة في تلك البرامج.

يذكر أن اهتمام المانحين قد تضاءل بسبب استمرار الصراع على السلطة بين مختلف الهيئات الحكومية في العراق التي تتنافس على الاستئثار بإدارة مشكلة مهمة تعتبر المحور العام لإدارة أزمات أخرى مثل ملف أوكرانيا، وهذا ما جعل المنظمات الدولية تتنافس بشدة بعد خفض التمويل، إذ يقول أحد المسؤولين الأمميين: "تعاني الوكالات من نقص المال، ولهذا انتقلت إلى مشكلة الهول بغية جلب بعض التمويل حتى تبقى في عملها".

طالبت الأمم المتحدة بمبلغ قدره 96 مليون دولار لدعم العائدين من مخيم الهول خلال السنتين المقبلتين، وذلك بحسب ما ورد في وثيقة داخلية حصلت عليها الغارديان، وثلاثة أرباع هذا المبلغ مخصص لبرامج: "المصالحة المجتمعية وإعادة الاندماج"، والتي تهدف لزيادة تقبل العائدين عبر إعادة بناء البنية التحتية المحلية على سبيل المثال.

ولكن ثمة تشكيك بذلك حتى بين صفوف الأمم المتحدة، إذ يقول أحد موظفيها: "إن قمنا بإعادة إعمار مركز صحي في قرية ما وقدمنا دخلاً مؤقتاً لتشغيل 300 شخص، فهل هذا يعني بأنهم سوف يتقبلون العائدين من الهول؟ كلا، نقطة انتهى".

ضمن الجهود المتواصلة لبرنامج التقبل المجتمعي الذي تقدمه الأمم المتحدة، اجتمع قادة المجتمع المحلي في أحد فنادق بغداد خلال الأسبوع الماضي، حيث أعرب بعضهم عن تفضيله لإعادة هؤلاء الناس، في حين طالب آخرون بتعويض الضحايا أولاً، إذ أعلن أحد المشايخ عن رأيه فقال: "كيف أسمح لابن مقاتل لدى تنظيم الدولة بالعودة في الوقت الذي بقي فيه جاره في الشارع بلا تعويض بعد تدمير تنظيم الدولة لمنزله؟".

وحتى لو خضع المشايخ لتلك الفكرة، لن تثق الأسر التي أقامت في مخيم الهول بالسلطات، إذ تقول نور، وهي أم لأربعة أولاد أجرت الغارديان معها مقابلة في الجدعة-1: "قد لا تكون لدى كبار المشايخ مشكلة، ولكن الناس ما فتئوا يطالبون بالثأر".

عادت سلفة نور، واسمها سهام، هي وأولادها إلى بيتهم قبل أشهر، لكنهم تواروا عن الأنظار هناك منذ ذلك الحين، على الرغم من تأكيد قادة العشائر بأن أحداً لن يتعرض لهم، وعن ذلك تقول سهام التي تحدثت إلينا عبر الهاتف: "الناس لا يريدوننا، ولهذا سأبقى هنا مؤقتاً"، كما أرسلت ابنها البالغ من العمر 18 عاماً إلى مكان بعيد خوفاً من تعرضه للقتل في حال بقائه.

عندما غادرت نور الجدعة-1 بعد أسبوع من ذلك، آثرت استئجار بيت في مدينة قريبة على العودة إلى بيتها، إلا أن السلطات أجبرت الأسرة على العودة بأي شكل من الأشكال، واليوم ينتاب نور قلق شديد على أبنائها المراهقين، لأن تجوالهم في الشوارع ليس بآمن، كما فاتتهم سنوات من التعليم والدراسة، ويصعب عليهم العثور على عمل بسبب وصمة العار التي لحقت بكل من عاش في الهول، وهذا ما دفعها للقول: "لقد ولى مستقبلهم إلى غير رجعة".

المصدر: The Guardian