icon
التغطية الحية

المرأة وترويض الوحش فينا.. الكاهنة وإنكيدو نموذجا

2022.08.21 | 13:53 دمشق

مراة
+A
حجم الخط
-A

من يقرأ نصوص المثيولوجيا فسيرصد أن المرأة لم تأخذ دور البطولة وإنما كان دورها ثانوياً، إلا أنها تحتل المركزية من حيث التحولات في الثيمة النصية: بمعنى المرأة، وإن كانت هامشية أو ذات دور ثانوي، تحتل المركز عندما تنقلب عليه، وتقلب الثيمة. ومن ناحية أخرى نلحظ أنها قادرة على أن تقدم مضموناً إنسانياً ذا قيمة معنوية عالية، خاصة أنها استطاعت أن تُؤنسن الأشياء كما في حالة (كاهنة الحب/ البغي) "حاريمتو/ شمخاتو" في ملحمة جلجامش التي أرسلها الأخير إلى إنكيدو لتحرره من الحيوان الرابض داخله.

ونتساءل: لماذا المرأة بالذات باستطاعتها أن تهذب طباع الرجل؟ وما سر سلطة جسدها الكبيرة على الرجال؟ وهل شرور الرجال تنطفئ عند أول اشتعال الرغبة مع المرأة؟ ولماذا العنف والحرب يقوده الرجال أكثر من النساء؟ وهل النص القديم (ملحمة جلجامش) كان المؤسس والمحلل لطبيعة الإنسان؟

 في "أوديسا العراق" كما أطلق عليها المؤرخ والأكاديمي طه باقر عند ترجمته الملحمة، نلحظ الدور الذي لعبته المرأة في الملحمة؛ وما أعنيه هنا (كاهنة الحب) التي أوكل لها جلجامش مهمة انتزاع إنكيدو من عالم الحيوان وجرّه إلى عالم الإنسان والمدنية، إلى مدينة أوروك. فما السر الذي تملكه (الكاهنة) بترجمة فراس السواح و(المرأة البغي) بترجمة طه باقر، كي تنجز تلك المهمة؟

وفق الملحمة / الأسطورة، خلقت الآلهة إنكيدو بنصف حيوان ونصف إنسان، وعاش مع الحيوانات في الغابة، وشكل خطراً على الصيادين. فما كان من والد أحد الصيادين إلا أن ينصح ابنه بالذهاب إلى جلجامش، قائلاً:

"اذهب إلى أوروك وأخبر جلجامش عن بأس الرجل، وليعطِكَ بغيّاً تصحبها معك، ودعها تغلبه وتروضه حينما يأتي ليشرب مع الحيوانات من موارد الماء. دعها تخلع ثيابها وتكشف مفاتن جسمها فإذا ما رآها فإنه سينجذب إليها وعندئذ ستنكره الحيوانات التي شبّت معه في البرية".

إنَّ النص السابق يؤكد قضيتين تتمثلان بـ: الجسد كسلطة مركزية، ولجنس الذي يقوّي من شريعة الأول. إن قائل النصّ رجل؛ بمعنى أنه يعرف مدى تأثير المرأة على الرجال، ومنهم إنكيدو الذي غلبت عليه طباع وصفات الحيوان أكثر من الإنسان. فلماذا أكد على ترويضه بالجنس؟ أليس في عالم الحيوان جنس أيضاً؟

الشخص المكبوت جنسياً يعد شخصاً إشكالياً، وفي أغلب الأحيان يغدو كائناً متوحشاً يشكّل خطراً على محيطه، وما إن يتبدد كبته وتتحرر غزيزته حتى تزول صفات التوحّش/ الحيوانية، ويقل عنفه، وينسى شروره. ينطبق هذا أيضاً على الدول التي تكثر فيها الحروب والصراعات الداخلية، والجنود والقادة الذين يسحقون بأقدامهم أجساد الأبرياء، ويقبلون على اغتصاب النساء والأطفال، وتعذيبهم. أليس هؤلاء يمارسون التوحّش ويفتقرون إلى الإنسان فيهم؟ إن رجال الحروب غالباً ما يعانون من الكبت، وبعدهم عن النساء والحياة المدنية عزز من شراستهم.

وهذا أحد أقدم النصوص الإنسانية (كُتب بين 2100- 1200 ق.م) يكشف لنا خبايا الإنسان، وكيف ساهم الجميع في إنقاذ وانتشال الرجل من عالم الغاب؛ وكأنّهم علماء نفس وفلاسفة عندما أدركوا -بكل بساطتهم- سبب وحشيته.

وصل خبر إنكيدو إلى جلجامش، فأرسل كاهنة الحب (شمخاتو/ حرماتو) والكلمتان تشيران إلى نوعين من كاهنات معبد الربّة عشتار الموكلات بـ "البغاء المقدس"، فلماذا اهتمت الحضارة القديمة بالجنس وجعلت منه طقساً مقدساً عند تلك المجتمعات؟ بدليل أن هؤلاء النسوة (كاهنات معبد عشتار) كانت مهمتهن الوظيفية هي "الإخصاب"، وهذا نوع من الطقوس الدينية المعروفة في حضارات بلاد الرافدين.

وصلت شمخاتو برفقة الصياد إلى مكان سُقيا إنكيدو، وبدأت مهمتها التي كلفها بها جلجامش بحسب ما ورد في النص التالي:

"علمي الوحش الغر وظيفة المرأة

ستنكره  حيواناته التي تربّت معه في البرية

إذا انعطفتِ إليه وتعلق بك".

وبعد أن أظهرت شمخاتو مفاتن جسدها لإنكيدو، يضيف النص:

"وعلمت الوحش الغر فن المرأة  فانجذب إليها وتعلق بها

ولبث إنكيدو يتصل معها ستة أيام وسبع  ليالٍ

وحين انتهى وجّه وجهه إلى أُلفه من حيوانات البر

فما إن رأت إنكيدو حتى ولت هاربة

فصار يطيل النظر إلى وجهها ولما كلمته أصاخ السمع إليها

وقالت له: إنك حكيم يا إنكيدو

وأنت مثل إله فعلام تجول في البرية بين الحيوان؟

تعال آخذ  بيدك إلى أوروك الحمى والسور

إلى بيت (آنو- عشتار) حيث يعيش جلجامش

فأجاب إنكيدو البغي وقال لها:

هلمي أيتها البغي خذيني إلى البيت المشرق المقدس".

إن النص يكشف لنا عن الخطوات الأولى لزوال الحيوانية من إنكيدو عبر الاتصال مع المرأة / الأنثى، وعندما تعود عليها نشأت علاقة ودّية مع الآخر الذي كان ينقصه: الإنسان. وقبل ذلك كان يعاني أزمة نفسية جعلته يلجأ إلى الحيوانات بحثاً عن ذاته، إلى أن جاءته كاهنة الحبّ التي قضت على كبته بعد أن منحته الجنس النابع من الحُب وليس من الغريزة كحالة الحيوانات!

ومن السطحية والإجحاف أن نحصر وظيفة الكاهنة بالجنس فقط، بل إنها أدّت دور المربية / الأم/ المعلّمة، لأن إنكيدو يحمل عقلية بدائية، فهي ربّته كما تربي الأم طفلها خلال الأيام والليالي المذكورة (ستة أيام وسبع ليال). إذ إن هذه المدة كانت كافية لتبدّل إنكيدو وتصنع منه إنساناً.

حضارات الشرق القديم نشأت من اهتمامها بالذهنية المدنية؛ وتمدن المجتمعات لا يتمّ إلا عبر الإنسان، والنساء هنّ اللواتي ألقيت على عاتقهن مهمة تهذيب النفس وترويضها. ونلاحظ أن الكاهنة لم تطلب من إنكيدو الذهاب إلى مدينة أوروك إلا بعد أن تأكدت من اكتسابه صفات الإنسانية تدريجياً، بصورة أشبه ما تكون بعلاج نفسي.

ومنذ جلجامش حتى هذا اليوم، وبالرغم من تطوّر مختلف أشكال العلوم والمعارف، ما يزال ذلك السرّ الكامن في المرأة عصياً على الإدراك.