اللوحة الشعبية في المقهى الدمشقي.. فن وحكاية

تاريخ النشر: 22.03.2021 | 13:15 دمشق

آخر تحديث: 22.03.2021 | 17:08 دمشق

هلا قصقص

رافقت اللوحة الشعبية ظهور المقهى الشعبي الذي قدّم الحكواتية، وكان معظم رواد المقهى من الناس الذين يمجدون البطولة التاريخية، فكانوا يرددون في مجالسهم وفي أوقات فراغهم تلك الحكايا والروايات التي سمعوها وشاهدوها في المقاهي  على أنها أعراف لمجتمعهم.

 ولذا فإن هذا النوع من الممارسة الثقافية الصادر عن هذه الفنون الشعبية كان مفيداً وله أهداف تربوية، فكان يساعد على ترسيخ القيم الإيجابية في نفوس الجماهير وينتزع جانباً من سلبياتهم، تلك القصص التي استطاع الرسام الشعبي أن يحولها إلى لوحة فنية ذات قيمة ومعنى ورمز تختلف اختلافاً كبيراً عن لوحات الفن التشكيلي وتتميز عنها بعفويتها؛ فاللوحة الشعبية هي بمنزلة مشهد للحكاية التي يلقيها الحكواتي في المقهى الشعبي؛ فالصورة تمثل نصّاً معروفاً لدى العامة، ليس تمجيداً للأبطال فحسب، بل تمسكاً بالمبادئ التي يتحلون بها، وهي في معظم الأحيان مبادئ حميدة تختص بالكرم والمروءة والشجاعة والفروسية، وما الرسوم الشعبية إلا وسيلة لنشر هذه المبادئ وتعميمها؛ إذاً فالرسام الشعبي كان يجسد في أعماله الفنية كل المفاهيم الاجتماعية والثقافية الشعبية.

التصوير الشعبي الدمشقي فن فطري يخضع لتقاليد متوارثة عبر الأجيال، يقوم به أناس من عامة الشعب، يتمتعون بثقافة عادية؛ هو مجموعة من الخطوط والأشكال والألوان، مرسومة بمواد وألوان ميسّرة، غنية بالرموز والدلالات، تختصر تاريخ أمة لما لها من تقاليد وعادات؛ فن أفرزته الثقافة مع الأيام، يمارسه الناس إبداعاً وتذوقاً، يكون مجهول الهوية والتاريخ أحياناً؛ لأنه ملك الجماعة، (فن وظيفي غايته إما جمالية أو أخلاقية بقصد تزيين البيوت والأماكن العامة، وإما علاجية بقصد الاستشفاء من بعض الأمراض، وإما دينية بقصد التقوى والعبادة، مواضيعه دائماً تدور حول السيَر الشعبية والدين والتاريخ والزخرفة).

مزايا الفن الشعبي

تكمن أهمية الفنون الشعبية بصدقها وبراءتها وتعبيرها عن الوعي الجمعي وذاكرته البصرية، وأياً كانت هي التسمية لهذا الفن الفطري/الشعبي/التقليدي/الساذج، فهو فن كان ولا يزال جزءاً من المجتمع

تكمن أهمية الفنون الشعبية بصدقها وبراءتها وتعبيرها عن الوعي الجمعي وذاكرته البصرية، وأياً كانت هي التسمية لهذا الفن الفطري/الشعبي/التقليدي/الساذج، فهو فن كان ولا يزال جزءاً من المجتمع في تلويناته المختلفة سواء بالرسم والتصوير أو النحت والفنون الأخرى مثل الأدب والرقص والتمثيل؛ وإن هذا الفن بعفويته حطم النسب الواقعية للشكل ولم يُعِر اهتمامه للمنظور التقليدي؛ هو مثل فن الطفل يشتغل بما يدور في ذهنه بصرياً، غير مبالٍ بالواقع، مما يجعله أكثر ميلاً نحو نوع من التأكيد على استمرار الصور الغريزية والموروث البصري من خلال بناء الشكل والرموز في أشكالها المختلفة؛ ثمة ترابط مستمر ربما يعود إلى ما قبل الميلاد عبر أشكال النحت السوري القديم مروراً بالمنمنمات الإسلامية وحتى الفنون الشعبية، مضافاً لها القصص التي تشكلت في المنطقة (عنترة، عبلة، أبو زيد الهلالي، حمزة البهلوان، الزير سالم، علي بن أبي طالب، إبراهيم الخليل، الظاهر بيبرس، النبي يونس، سفينة نوح)، وصولاً إلى القصص المحكية الشعبية؛ فارتبط فن التصوير الشعبي بالمقاهي في مدينة دمشق، فلم يكن هناك مقهى تخلو جدرانه من تلك الرسومات التي تحكي قصص السير الشعبية، وتلك الحكايا هي نفسها التي كان يرويها الحكواتي أو الكراكوزاتي، واللذان يعدّّان ركنا أساسيا من أركان المقهى الشعبي.

موضوعات اللوحة الشعبية

تنوعت موضوعات اللوحة الشعبية، فمنها التي تناولت الموضوعات الدينية، ومنها السير الشعبية والملاحم القتالية، ومنها التاريخية، وموضوعات الميثولوجيا:

أولاً: رسم موضوعات السير الشعبية: تبدو اللوحة بعناصرها التأليفية، وكأنها مشهد مسرحي، يقوم الرسام فيه بدور المخرج الذي يوزع الأدوار ويحدد عدد ونوعية العناصر على اللوحة ويبرز الحركة الأساسية في المشهد، ومن الملاحظ أن غالبية لوحات السير الشعبية فيها مشاهد قتالية، مما يعطي انطباعاً أولياً بأن الرسام الشعبي كان دمويا ولا يتعامل إلا بمنطق السيف، وإذا ما عدنا إلى الفترات التي تعود لها مواضيع اللوحة أي الجاهلية وفي أوائل عصر الإسلام نلاحظ أن السيف كان هو الحكم في جميع الأمور؛ أما في عصر الجاهلية، فكان السيف يستخدم لإظهار الشجاعة والفروسية كما يظهر في غالبية لوحات عنترة بن شداد للفنان أبو صبحي التيناوي.

 

بعض اللوحات الشعبية من رسوم التيناوي في مقهى النوفرة (المصدر: تصوير هلا قصقص)
بعض اللوحات الشعبية من رسوم التيناوي في مقهى النوفرة (المصدر: تصوير هلا قصقص)

 

وفي عصر الإسلام اعتمده المسلمون لنشر العقيدة الجديدة ومحاربة أهل الشرك وحماية الدين الإسلامي؛ (والفنان الشعبي بعودته إلى تلك الأحداث ودعوته للاقتداء بمعانيها ورموزها وتمجيد أبطالها، يكون قد أضفى على لوحاته طابعاً رمزياً يشمل معاني البطولة والفروسية بما تحمل من قيم نبيلة) . ومن أهم السير الشعبية، سيرة عنترة بن شداد، وسيرة الظاهر بيبرس.

ثانياً: رسوم الموضوعات الدينية: انتشرت هذه الرسوم في الوسط الشعبي، وأدت دوراً كبيراً في نشر الثقافة الدينية بين الناس عن طريق التصوير واللوحة الشعبية في مجتمع لا يعرف القراءة والكتابة؛ وكانت غالبية هذه الرسوم مستمدة من آيات القرآن الكريم، وقصص الأنبياء والصحابة، والذي ساعد في انتشار هذه الرسوم هو عدم وضوح موقف الإسلام من التحليل أو التحريم، والرسام الشعبي وخوفاً من الوقوع في المعصية ، لجأ إلى التحوير والزخرفة وإهمال الأبعاد والأحجام في اللوحة، وأما الموضوعات التي رسمها فتمحورت حول: إبراهيم الخليل، والخضر، ولوحات الإسراء والمعراج والحج.

مثلت الأساطير دوراً مهماً في حياة العرب قبل الإسلام، فكثرت عبادة الأوثان والأصنام، والأساطير والخوف من الطبيعة، وتعددت الآلهة

ثالثاً: الموضوعات الأسطورية (الميثولوجيا): مثلت الأساطير دوراً مهماً في حياة العرب قبل الإسلام، فكثرت عبادة الأوثان والأصنام، والأساطير والخوف من الطبيعة، وتعددت الآلهة، وتمازجت المعتقدات مع أفكار ميثولوجية وافدة؛ وبعد ظهور الإسلام خفت هذه الظاهرة، لكن بالمقابل ظهرت أفكار بعيدة عن المحسوس، خالفت المادة وتجاوزت الطبيعة، وردت في القرآن الكريم وآياته، فكان الحديث عن الملائكة والجن والشياطين ودورهم في حياة الناس على الأرض؛ هذه الصور الميثولوجية كانت مادة حية استوحى منها الفنان الشعبي صوراً مختلفة ورسوماً رائعة مثلت فيها المخيلة الشعبية دوراً رئيسياً في تركيب اللوحة وخلق العناصر والرموز الجديدة. ومثال ذلك الملائكة والتي كان لرسمها استحسان كبير في حياة الإنسان، والرسام الشعبي صوّر الملائكة بحلل جميلة على شكل آدميين لهم أجنحة عملاً بقوله تعالى: (الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع).

وأما مخلوقات الجن، فقد تخيل الرسام صورها كما وردت في القصص والحكايات، فرسمها على شكل إنسان ولها قرون وذيل كالحيوان، كما كان الفنان الشعبي يخاف هذا النوع من الكائنات بسبب أفعالها ومهاجمتها للإنسان، ولهذا صوّرها وهي تهاجم الأبطال في السير الشعبية، ولكنها تبدو دائماً مهزومة ومضرجة بالدماء، كتعبير عن انهزام الظلم والشر، فتارة تقاتل عنترة، وتارة تنازل الإمام علي بن أبي طالب.