القصة الأشد مأساوية في كتاب جون بولتون

تاريخ النشر: 25.06.2020 | 17:22 دمشق

تلفزيون سوريا - ترجمة وتحرير ربى خدام الجامع

هنالك الكثير من القصص المزعجة التي تسببت بها حالة سوء ممارسة السياسة الخارجية في كتاب جون بولتون الذي باح من خلاله بالكثير والذي يحمل عنوان: "الغرفة التي حدث فيها كل شيء، مذكرات من البيت الأبيض"، ولكن من الواضح بأن ما كشفه مستشار الأمن القومي السابق حول ما قامت به إدارة ترامب بخصوص سوريا يعبر عن إهمال كبير واختلال مريع وإفلاس أخلاقي.

ثم إننا نعرف أصلاً أساس قصة ترامب مع سوريا، كما نعرف أن الرئيس ترامب الذي أعلن أمام الملأ بأن سوريا ليست أكثر من أرض فيها: "رمال وموت"، يرغب بسحب حوالي ألفي مقاتل أمريكي من البلاد منذ اليوم الأول لها هناك، ولتذهب عواقب ذلك إلى الجحيم، ونعرف أيضاً أنه يريد أن يعلن الانتصار على تنظيم الدولة حتى لو أتى ذلك الإعلان قبل أوانه، مع تسليم ساحة المعركة لأي شخص يرغب بخوضها فقط ليعلن بأن الوعد الذي أطلقه في حملته قد تحقق.

بيد أن الكتاب الآن لا يقدم فقط تفاصيل مرعبة حول سوء فهم ترامب وفشل إدارته لسياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا، بل يتحدث أيضاً عن اختلال عميق داخل فريقه، ولعل أكثر شيء مقلق هو ما لم يرد في كتاب بولتون، والذي يدور حول أي محاولة صادقة من قبل إدارة ترامب لحل الأزمة السورية فعلاً أو لحماية المدنيين السوريين.

ثم إن الاقتباسات المأخوذة من أقوال ترامب، إن صحت، تكشف أدنى مستوى من الفهم مع ازدراء كبير لسوريا مقارنة بما هو موجود في السابق. فقد قطع ترامب بكل بساطة مبلغ 200 مليون دولار خصصت للمساعدة في ترسيخ الاستقرار في المناطق المحررة التي ما تزال أوضاعها تعيسة في سوريا، وقال: "أريد أن أبني بلادنا، وليس بلاد الآخرين"، ما يعني أن ترامب لا يؤمن بأن الولايات المتحدة تهتم حقاً بمحاربة تنظيم الدولة، فقد ورد على لسانه قوله: "إننا نقتل داعش لصالح دول تعادينا". وقد كشف ترامب في جلسة خاصة عن مشاعره حيال قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في سوريا وذلك عندما قال: "لا أحب الكرد، فقد هربوا من العراقيين ومن الأتراك، والمرة الوحيدة التي لن يهربوا فيها هي عندما يقصفون كل ما حولهم بواسطة طائرات إف-18".

أما قرار ترامب القاضي بضرب نظام الأسد للمرة الثانية فقد أتى بعد تنفيذه لهجمات كيماوية ضد المدنيين وذلك خلال الأسبوع الأول لبولتون في منصبه كمستشار للأمن القومي، وقد تحدث بولتون عن هذه العملية التي تعثرت بشكل كامل، واتهم وزير الدفاع آنذاك جيم ماتيز بالاستعانة بالمناورات البيروقراطية لحشر ترامب في زاوية ضيقة ليصبح أمامه خيار واحد وصفه بولتون بأنه لا يكفي لردع الرئيس السوري بشار الأسد ومنعه من استخدام الأسلحة الكيماوية مرة أخرى. وقد حاول ترامب أن ينسحب في الدقيقة الأخيرة، بعدما قام الحلفاء بالتوقيع، حيث قال: "لم نقم بأي شيء" في اعتراف بأن الضربات كانت مجرد شكة دبوس.

ثم إن القرار الذي أصدره ترامب في كانون الأول 2018 والذي أعلن بموجبه الانسحاب الأميركي الكامل من سوريا، وكل ما دار بينه وبين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يمثل أكثر مجموعة مثيرة للقلق من بين الحكايات التي أوردها بولتون الذي كتب يقول: "كانت تلك أزمة شخصية بالنسبة لي"، إلا أن ذلك لم يكن بسبب ما حدث في سوريا، وذلك لأن بولتون عقب على ذلك بالقول: "في الصورة الكبرى كان الهدف هو الوقوف في وجه إيران". وأردف بالقول: "أخبرني السفير الإسرائيلي رون ديرمير بأن ذلك أسوأ يوم مر به حتى الآن في إدارة ترامب".

وقد كانت اتصالات ترامب بأردوغان عبارة عن خليط محرج من الرسائل المشوشة والافتراضات الساذجة، فقد أراد ترامب من تركيا أن تنهي قتال تنظيم الدولة دون أن تهاجم الكرد (قامت تركيا فيما بعد بالهجوم على الكرد مباشرة في الوقت الذي قام فيه تنظيم الدولة بإعادة تنظيم نفسه وترتيب صفوفه)، وقد وصف بولتون جيم جيفري المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا بكلمات قاسية، كونه برأي بولتون يحابي تركيا ويحاول أن يرسم خارطة تضم أجزاء من سوريا يمكن للأتراك وللكرد أن يبسطوا سيطرتهم عليها، بيد أن الأتراك غضوا النظر عن تلك الجهود التي ذهبت سدى.

وقد استفاد بولتون (وكذلك الجنرال جوزيف ف. دانفورد جونيور، رئيس قيادة الأركان المشتركة في ذلك الحين) من ذلك في إقناع ترامب بترك "مائتي" جندي في الشمال السوري، دون ترك القاعدة العسكرية في الجنوب السوري (في ذلك الحين) والتي تعرف باسم التنف، حيث تمركز حوالي مائتي جندي أميركي أو أكثر. وعندما أعلن ترامب مرة أخرى عن الانسحاب الأمريكي الكامل من سوريا في تشرين الأول 2019، كان بولتون قد غادر منصبه. وفي نهاية المطاف، تراجع ترامب بصورة جزئية عن الفكرة هو أيضاً، ليعكس ذلك فوضى على المستوى البيروقراطي والدبلوماسي.

لم يكن لدى الرئيس الأمريكي فهم واقعي لما يحدث في سوريا، فقد كان يعتقد بأن الدول العربية لابد وأن ترسل جنودها إلى سوريا وأن تدفع للولايات المتحدة مقابل مساندتها، وتلك الفكرة قائمة على مبادرة حاول بولتون معها لكنه لم يحقق أية نتيجة. كما كان ترامب يعتقد بأن الدول الأوروبية ستلتزم بإرسال المزيد من الجنود إلى سوريا عند انسحاب الولايات المتحدة، إلا أن ذلك لم يحدث.

كان ترامب يرغب على الدوام بأن يتصل بالأسد ليناقش معه فكرة عودة ما لا يقل عن ستة أميركيين يعتقد أنهم في سجون النظام، إلا أن الرئيس السوري لم يرد على اتصالاته، وهذا ما جعل بولتون يتنفس الصعداء. وقد أشار ترامب مراراً وتكراراً إلى "حملتي" و"قاعدتي" بوصفها الأسباب التي تدفعه للانسحاب، وكثيراً ما ناقش ترامب بصوت عال فكرة وجود الأمريكان هناك.

وفي هذا الكتاب، لا يقدم بولتون أي سبب منطقي لتواجد الأميركان سوى محاربة تنظيم الدولة والوقوف في وجه إيران، ولم ترد إدلب في كتابه إلا نادراً، بالرغم من أن نظام الأسد وروسيا وإيران ظلت تجتاحها تحت مراقبته وناظريه (ومازالت تفعل). كما لم يأت هذا الكتاب على ذكر السجون والاعتقالات الجماعية والتعذيب وقتل آلاف المدنيين على يد نظام الأسد وهي ممارسات وصفها ستيفن راب المندوب المسؤول عن جرائم الحرب أمام وزارة الخارجية الأميركية بقوله: "أسوأ آلة للموت بطريقة متوحشة" منذ أيام النازيين.

وعندما شجع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بولتون بشكل مباشر ليواصل جهوده الدبلوماسية لحل الأزمة السورية (التي تعتبر خطاً لا يمكن تجاوزه بالنسبة لروسيا) رد عليه بولتون بالقول: "إننا لا نحارب في الحرب الأهلية بسوريا، لأن سياستنا تركز على إيران". ولو كانت هنالك جهود حقيقية لمواصلة الجهود الدبلوماسية بغية التوصل لحل للحرب أو لوقف الأعمال العدائية والفظائع، فإن بولتون لم يأت على ذكرها.

إلا أن ما أوضحه بولتون في كتابه هو أن كل من شغلوا أرفع المناصب والرتب في إدارة ترامب لم يعتبروا أن من مسؤولية الولايات المتحدة لعب دور القيادة فعلاً في الأزمة السورية، لأن كل ما كان يهم بولتون هو إيران، أما ماتيز فكل ما يهمه هو تنظيم الدولة، وجيفري يهمه العلاقة مع تركيا، لكنه كان يفتقر إلى التفويض أو المكانة اللازمة لدفع الدبلوماسية نحو الأمام. وترامب كان مهتماً بقاعدة الناخبين، في حين كان وزير خارجيته مايك بومبيو مهتماً بإرضاء ترامب. أي أن أحداً في الطبقة العليا لإدارة ترامب لم يكن يهتم فعلياً بالشعب السوري.

وتلك هي المأساة المستمرة لسياسة إدارة ترامب تجاه سوريا، والتي ماتزال قائمة حتى يومنا هذا. فالحرب لن تضع أوزارها إذا لم يمنح الشعب السوري الحد الأساسي من الكرامة والأمن والعدالة. واستمرار الحرب يعني المزيد من اللاجئين وانعدام الاستقرار، والمزيد من التطرف، والتوسع الإيراني، والنفوذ الروسي. وحول ذلك كتب بولتون قائلاً: "برأينا سوريا هي عبارة عن صورة جانبية استراتيجية". وهذه الفكرة القاسية والخاطئة تسهم في استمرار معاناة الملايين، ولعل الإدارة الأميركية القادمة ستدرك هذه الحقيقة في نهاية المطاف، وعساها تفعل شيئاً حيالها.

 

المصدر: واشنطن بوست

 

نظام الأسد يعيد تمركز قواته في حاجز "الدوار" غربي درعا
درعا.. الخبز عبر "البطاقة الذكية" بداية الشهر المقبل
وجهاء بلدة المزيريب غربي درعا يوافقون على بنود تسوية مع نظام الأسد
أعلى مستوى بتاريخه.. حجم الدين العالمي يقترب من 300 تريليون دولار
قانون جديد للإيجار في تركيا يصب في مصلحة المستأجر.. تعرف إليه
في الأسواق منذ 40 عاماً.. دواء مرشح للعلاج والوقاية من كورونا