الفقر وندرة مصادر الدخل يزيدان مآسي سكان ريف حلب في رمضان

تاريخ النشر: 02.05.2021 | 06:35 دمشق

حلب - حسين الخطيب

تردي الأوضاع المادية والمعيشية وانتشار الفقر لدى معظم السكان المقيمين في ريف حلب الشمالي، جعلهم أمام تحديات كبيرة انعكست عليهم خلال شهر رمضان، الذي يمتاز بأجواء خاصة، عن باقي أيام السنة، من حيث توفر المأكولات والمشروبات على وجبات الإفطار الرمضانية، التي اعتاد عليها السوريون في معظم أنحاء البلاد. 

ومع بداية شهر رمضان وجد السكان أنفسهم في ضيقة مادية صعبة لا يحمد عقباها مما زاد معاناتهم، في تأمين وجبة الإفطار الرمضانية وفق سبل العيش ومصادر الدخل المتاحة، حيث غيبت الأوضاع المعيشية عن السفرة الرمضانية كثيرا من الأطباق ذات القيمة الغذائية الجيدة التي يجب تناولها بعد صيام ساعات طويلة خلال النهار.

عمل لأيام مقابل وجبة إفطار متوسطة

أكرم المصطفى اسم مستعار لرجل أربعيني رفض ذكر اسمه الصريح، لأسباب خاصة، ويقيم في مدينة صوران بريف حلب الشمالي، عاطل عن العمل بسبب توقف مشاريع البناء خلال شهر رمضان فهو يعمل في الشهر نحو عشرين يوماً تقريباً أما خلال شهر رمضان لم يعمل سوى أيام معدودة، حيث يتقاضى الأجر اليومي من عمله 25 ليرة تركية.

خلال الأيام الأولى من شهر رمضان حاول الرجل طهي وجبة طعام أساسية لأسرته علهم يشعرون بقيمة هذا الشهر ويستعدون بعضاً من ذكرياتهم التي كانت تعم بالبهجة والسرور.

يقول الرجل خلال حديثه لـ موقع تلفزيون سوريا "زرت السوق ظهر اليوم الثالث من شهر رمضان لعلي أجد طبخة صحية لأبنائي، بعد تردد قررت طهي وجبة دجاج مع الرز والسلطة، لعل أسرتي تسعد بذلك، لكنني فوجئت بالكلفة التي سأضعها ثمن طهي هذه الوجبة لثمانية أشخاص بعد اطلاعي على الأسعار".

 

 

أسعار مرتفعة

وأضاف الرجل: أن 3 كيلوغرامات من الفروج بـ 42 ليرة تركية و2 كيلوا رز بـ 10 ليرات تركية، وكيلوغرام واحد من البندورة بـ 5 ليرات وكيلوغرام من الخيار بـ 5 ليرات وربطة من النعناع وربطة بقدونس بسعر 3 ليرات، وسطل لبن بـ 5 ليرات، تصل الكلفة 70 ليرة تركية، وأنا في الوقت ذاته أحتاج لعمل ثلاثة أيام متواصلة للحصول على هذا المبلغ، وفي حال وضعته ماذا سأطهي باقي الأيام؟ وهل انتهت المصاريف؟. 

جنون الأسعار وارتفاعها مع بداية شهر رمضان أجبر السيد أكرم على التراجع عن طهي وجبة طعام جيدة لأفراد أسرته، مما أجبره على شراء 2 كيلوغرام من الكوسا بسعر 8 ليرات، و2 كيلوغرام من البندورة بسعر 10 ليرات تركية وربطة نعناع وبعض حبات الفليفلة، وسطل من اللبن ليصل المبلغ إلى 25 ليرة تركية، من أجل طهي "مسقعة الكوسا" وهذا أجره اليومي.

غياب الوجبات الرمضانية

جعلت الأوضاع المادية من السوريين في ريف حلب الشمالي، في موقف محرج أمام عائلاتهم التي تنتظرهم يومياً لتحضير وجبة الطعام، حيث غيب الفقر عنهم الوجبات المحببة لديهم فالوضع المادي محدود، ولا يسمح بإعداد وجبة واحدة جيدة أسبوعياً على الأقل.

فعلياً الأهالي بدؤوا يحسبون كلفة الوجبة قبل إعدادها إذ يقول أحدهم أنه خدع بطهي وجبة محشي كوسا بكلفة 100 ليرة تركية لعائلة لا يتجاوز عدد أفرادها خمسة أشخاص، فهم يحتاجون لنصف كيلوغرام من اللحم بـ 30 ليرة تركية، و7 كيلوغرامات من الكوسا بسعر 45 ليرة تركية و2 كيلوغرام من الرز 10 ليرات، ونصف كيلوغرام من الفليفلة وربطة من نعناع بـ 10 ليرات، وسطل لبن بـ 5 ليرات.

وجد أبو عصام 28 عاماً، نفسه أمام تحدٍ كبير مع دخول الأيام الأولى من شهر رمضان، فهو لديه أسرة مكونة من أربعة أفراد وإيجار منزل أيضاً لأنه مهجر من مدينة حمص، إلى مدينة مارع بريف حلب الشمالي.

يعمل الرجل بأجرة يومية لدى بنّاء (مبلط) في مدن وبلدات ريف حلب الشمالي ويتنقل إلى ورشات البناء بحسب مكان توفر رزقه، فهو يعتمد على المثل الذي القائل: "مطرح ما ترزق الزق" معتبراً أن رزقه مقسوم له، لكن الأمر يحتاج إلى سعي أكثر مما يجب، محاولاً التغلب على الأوضاع المعيشية المزرية التي تواجهه خلال شهر رمضان.

خلال حديثه لموقع "تلفزيون سوريا": يقول أبو عصام: "في السابق كنا نستطيع تحضير سلة غذائية لاستقبال شهر رمضان، بملغ بسيط كان بمقدورنا توفيره خلال الأشهر التي تأتي قبل رمضان، لعلنا نعيش براحة مادية جيدة للحفاظ على الطقوس الرمضانية التي ورثناها عن أجدادنا إلا أننا الآن نعيش بحسب رزقنا اليومي".

ويتقاضى أبو عصام أجرا يوميا يتراوح بين 20 و25 ليرة تركية، ما يعادل 3 دولارات أميركية، وهذا المبلغ فعلياً لا يوفر شيئاً سوى بعض الحاجيات الأساسية للأطفال.

السلة غذائية بقيمة 80 دولارا

واعتاد السوريون على توفير مبلغ مالي معين لاستقبال شهر رمضان لأن العمل اليومي في رمضان ينخفض وتحتاج الأسرة إلى سلة غذائية جيدة متوفرة خلال الشهر، وتكون محتوياتها: (10 كيلوغرامات من الرز و10 كيلوغرامات من البرغل و10 كيلوغرامات من السكر، وعبوة زيت نباتي وزنها 8 كيلوغرامات وأخرى 8 كيلوغرامات من السمنة، و10 كيلوغرامات من التمر ونصف كيلوغرام من الشاي وكيلوغرام قهوة)، حيث تبلغ قيمتها بمجملها 55 دولاراً أميركياً.

بالإضافة إلى عدد من الأطعمة الرمضانية المخصصة للسحور (كالحلاوة والمعلبات والبيض والجبنة واللبنة) التي يبلغ ثمنها 25 دولاراً، باعتبارهم من الحاجيات الأساسية لإعداد الوجبات الرمضانية، بينما تبقى الحاجيات كاللحوم الحمراء التي أصبحت من الماضي، بسبب ارتفاع سعرها إلى 60 ليرة تركية للكيلوغرام الواحد بحسب طاقة رب الأسرة المادية، في حين أن ارتفاع سعرها دفعهم إلى الاعتماد على اللحوم البيضاء.

ولتوفير هذه المواد الغذائية التي كانت توفرها الأسر السورية تحتاج لمبلغ باهظ يصعب على رب الأسرة توفيره خلال عمل شهر كامل لأنه في معظم الأحيان يعمل لفترات متقطعة من الشهر بأجر يومي يقدر بمتوسط 20 ليرة تركية.

يضيف الرجل: "السلة الغذائية أصبحت من الماضي ونحن اليوم نشتري هذه الحاجيات بحسب توفر المال لدينا، لأن سعر هذه السلة يفوق الـ 75 دولارا أميركيا، وأنا في الشهر الذي أعمل فيه بشكل جيد يصل أجري إلى 500 ليرة تركية ما يعادل 65 دولارا أميركيا، ولذلك أفكر بالعيش ليوم واحد فقط ولا أفكر بما يليه".

ويوضح: في ظل الوضع الراهن إذا طلب أطفالي إحضار كعك "المعروك"، فإنني أقع في ضيق صعب لأنني سوف أحرمهم من وجبة الطعام مقابل الحصول على قطعتي كعك حيث يصل ثمن الواحدة 4 ليرات تركية، فكيف إذا طلبت مني المشروبات كالتمر الهندي والسوس، على سبيل المثال؟".

ويبدو أن الفقر المدقع سيطر على الواقع السوري وأصبح حلم العائلة في ظل هذه الظروف تغطية نفقات جزء بسيط من الحاجيات الأساسية التي كانت توفرها هذه الأسر قبل سنوات، خلال هذا الشهر.

مصادر الدخل المتاحة

تعتبر مصادر الدخل المتاحة في ريف حلب الشمالي شبه معدومة مع غياب المصانع والمعامل وغيرها التي كانت توظف آلاف السوريين، وأصبح الاعتماد على الزراعة أمراً غير جيد لأن مواسمها نادراً ما تكون مربحة، بينما ينقسم السوريون الآن بين عمال في المياومة بشركات البناء ومتاجر الحبوب وفي الزراعة وغيرها، من الأعمال المحلية.

 وقسم آخر يعمل في المؤسسات الرسمية التابعة للمجالس المحلية في قطاعي التعليم والشرطة ومؤسسات الخدمات، ومتوسط دخلهم الشهري لا يتجاوز الـ 100 دولار أميركي أي أنهم ليسوا متعافين من تدهور الأوضاع المعيشية فهذا المبلغ لا يكفي لإعالة أسرة يتجاوز عدد أفرادها 5 أشخاص، لذلك هم أيضاً أحوالهم سيئة للغاية.

وعلى الرغم من أن تردي الوضع المعيشي ليس جديداً على السوريين إلا أنه أكثر ضيقة عليهم من السنوات السابقة، في ظل الانهيار الاقتصادي لليرة السورية مقابل العملات الأجنبية، وتداول الليرة التركية عوضاً عن الليرة السورية في معظم أسواق ريف حلب وتراوح أسعار الصرف وارتفاع المنتجات الغذائية وتسعيرها بحسب الدولار، إلى جانب تقاضيهم أجورا زهيدة مقابل العمل.