icon
التغطية الحية

الفتيان والمقهى و"ريال مدريد"

2024.06.01 | 23:03 دمشق

54666
+A
حجم الخط
-A

حدثٌ صغير، يوم 8 أيار، قبيل لقاء ناديي ريال مدريد وبايرن ميونيخ في تصفيات دوري أبطال أوربا؛ اللاعبون لا بدّ منهمكون بالإحماء، فيما ينتظرهم أمام الشاشات ملايين من عشاق كرة القدم في العالم الكبير، من بين هؤلاء جمع شبابٍ في سوريا، السويداء، يتوقون أيضا لمشاهدة اللعبة، والكهرباء مقطوعة.

بيوت المدينة وشاشات تلفزيوناتها معتمة. لا يضيء هذا البلدَ المنسيّ من رحمة الله سوى البريق في عيون أبنائه، المولعين بالحياة والرياضة والفنون، لم يثنهم عنها قهرٌ بدأ من قبل أن يولدوا، ولن يفوّتوا لقاء ريال مدريد، فريقهم المحبوب.

تُشجّع المدينة ريال مدريد، تورّط أهلها في عواقب العداء التاريخيّ بين ريال مدريد وبرشلونة. وإن انفردتْ قلةٌ منهم بتشجيع بايرن ميونيخ، فليس حبّاً به، بل شماتةً بنادي برشلونة الذي سبق للبايرن أن غلبه. صحيحٌ أن كلا الفرق الثلاثة ليسوا فريقَ بلدهم، لكنهم اتّبعوا هدْيَ المثل: اللي ما عنده كبير يشتري كبير!

استدلّ الشباب إلى مقهىً شعبيّ تدبّر صاحبه أمرَ الكهرباء وشاشةً متوسطة الحجم واشتراكاً في القنوات مدفوعة الأجر. تجمهروا أمامه، وليس في جيوبهم كلفة الجلوس إلى طاولةٍ في مقهى. فاوضوا صاحبه طويلاً حتى قبِل إدخالهم بشرط: رسم الدخول خمسة آلاف ليرة للرأس الواحد، دون جلوسٍ إلى طاولة، وعلى الناشف، ولا حتى كأس ماءٍ كضيافة. وفداءً للرياضة، رضخ الشباب للعرض المهين.

خمسة آلاف ليرة تساوي ثلث دولار وتخلو منها جيوب معظمهم، لكنهم تدبروها. استجلب الرجل خمسين أو أكثر من كراسي البلاستيك الرديء، حشرها كصفوف المكدوس في زاوية المقهى، انسلّ الشباب إليها بأدب، بقمصانهم العتيقة، والنظيفة والمكويّة، وبتسريحات شعرهم احتفاءً بالمناسبة، وهرّبوا معهم عدّة الفرح المنتظر: دربكّة!

من مكانهم في الزاوية الأبعد عن الشاشة، بدوا كالمنبوذين عقاباً على ذنب الفقر، بينما يجلس المتفرجون الأكابر إلى طاولات، صحبة الأركيلة وزجاجات البيرة أو سفن أب. 

***

ما إن سارت المباراة حتى أشعل الشبابُ المقهى حياةً، لا أقلّ من حيوية الرياضيين اللاهثين داخل الشاشة؛ يصنع ريال مدريد هجمةً، فينقر عازف الدربكة إيقاعاً نصف خافت يتصاعد مع اكتمال الهجمة، ثم إيقاعُ وداعٍ حزينٍ إذ تنتهي على لا هدف، ثم إيقاعٌ ساخط حين يُلغي الحكم هدف التسلّل، ويُبقي العازف على نغماته مؤدّبةً فلا تطغى على صوت المعلّق، ثم يرقّص الدربكّة على حضنه مع هدف خوسيلو الأول في الدقيقة 88، وينسلّ أحدهم لحظتها خارجاً ليبلغ رفاقاً رابضين خارج المقهى يكتفون بشمّ رائحة اللعبة عن بعد، لخلوّ جيوبهم من خمسة آلاف ليرة. وهؤلاء يتصلون برفاق ينتظرون نتيجة المباراة بلوعة من بيوتهم البعيدة، لخلوّ جيوبهم من أجرة سرفيس. مع الدقيقة 90 وهدف خوسيلو الثاني، صرخ شابٌ بالحكم كأنه ابن جيرانه: “يقصف عمرك صفّر وانهي المباراة لصالح ريال مدريد..”، ورقصت الدربكة في حضن صاحبها هذه المرة في قلب المقهى، حيث ناداهم الضيوف الأكابر ليلتقطوا منهم عدوى اختراع الفرح. 

ربما يعرف هؤلاء الشباب، وربما لا، أنّ جينات حبّ الرياضة مزروعةٌ فيهم من جيل آبائهم أو آباء آبائهم.

قبل سبعينيات القرن الماضي، زهت رياضة كرة القدم في السويداء، نوعاً وجمهوراً. ندر أن تخلو حارةٌ من نادٍ رياضيّ. كانت لها فسحة اختيار، أن تُنشئه بنفسها، تخصّص له مقرّاً، تؤثثه بأدوات الرياضة، يدفع الأعضاء مبلغاً رمزياً لعضويته، ويتبرّع الأهالي بمصاريف تسييره. برز من بينها ثلاث نوادي: (الفتيان) لحزب البعث، و(الجماهير) للحزب الشيوعي، و(الجبل) للناصريين والمستقلّين، ويتمّ التنسيق بين إدارتي النوادي والمدارس: كل عضوٍ  في النادي هو عضوٌ في فريق مدرسته حكماً، وتجري تصفيات الألعاب بتوقيت العطلة الانتصافية والصيفية. يتدرّب الرياضيون بانتظام، ولا يتعطلون عن مدارسهم. وكانوا متفوقين ومهذّبين وأبناء عائلاتٍ محترمة، لم يسجّل بينهم أزعر واحد. وجمهورهم عريضٌ يمتد إلى النساء والشيوخ المتديّنين، يحضرون المباريات بزيّهم الدينيّ، وحين لا تتسع مقاعد الملعب لهم يجلسون على الأحجار.  واهتمّت شرائح واسعة بمتابعة أخبار المنتخبات وصور نجومها، مثل بيليه وباكنباور.. 

مع بدء (عهد الحركة التصحيحية) ضاقت الخيارات. صدر قانون التنظيم الرياضي، الذي حدّد عدد النوادي المسموح بها في كل محافظة، فكان نصيب السويداء واحداً فقط، تشكّل من دمج النوادي السابقة، وأطلقوا عليه اسم (النادي العربي)، وضمّوه تحت سلطة الاتحاد الرياضي العام.

***

في بداياته، وصل فريق النادي العربي إلى نهائيات كأس سوريا، وكانت له مشاركات خارجية، وزاره دينامو كييف في ملعبه. صُنّف في السبعينات من أندية الدرجة الأولى. وانحدر بعدها إلى الدرجة الثانية. أصبح أقصى حلمٍ لشباب النادي العربي أن يصيروا أعضاء منتخب سوريا الوطنيّ. ولم تؤمن الإدارة لهم مدرّبين متفرّغين، فتطوّع مدرّسو الرياضة لتدريبهم من دون أجر. وفي التصفيات خارج المحافظة، أُعطي المدربون بدل طعام ونقل وإقامة في فنادق رخيصة، بالكاد تغطّيها الميزانية المخصّصة، الشحيحة. وتلقّى اللّاعب بدل طعام فقط، وفورما خاصة بالنادي يتناوب اللاعبون المشاركون والاحتياط على لبسها في التصفيات. وظلوا يتابعون دوريات الأندية العالمية. لم يبثها التلفزيون السوري (بسبب ارتفاع كلفتها)، فواظبوا على شراء مجلتي: (الأحد الرياضي)، و(جريدة الرياضيّ)، والمجلات الخليجيّة، وهذه الأخيرة تتأخر في الوصول بأخبار يريدونها طازجة ويصبرون على وصولها متأخرة، كما كل انفتاحٍ تشتهيه سوريا..  

يسير الزمن بالدول إلى أمام، وترفع أبناءها ليصبحوا نجوماً. ولم تسر سوريا إلى أمام ولم تصنع نجوماً. صدّرتْ نجومها قسراً إلى المنافي، وأنزلتِ الباقين فيها من أعاليها إلى طراد اللقمة، وطراد لعبة قدمٍ عبر شاشة، فيما الكهرباء مقطوعة، والحلم موصول، أن يأتي يومٌ يصبحون هم أنفسهم نجوم فريق وطنيّ يشارك في دورياتٍ عالمية. وإلى حينه: “اللي ما عنده كبير يتفرج على الفرق الكبيرة، ويتعلم منها”!