الصحراء الإفريقية.. طريق موت يسلكه السوريون بحثاً عن حياة أفضل

تاريخ النشر: 03.07.2019 | 16:07 دمشق

آخر تحديث: 28.01.2020 | 18:42 دمشق

سناء محمد - مصر - تلفزيون سوريا

لجأ كثير من السوريين إلى دخول الأراضي المصرية بطرق "غير شرعية" عبر الصحراء الإفريقية (السودانية - المصرية)، بحثاً عن حياة أفضل رغم ما تحمله تلك الرحلة من مخاطر ربما تودي بحياتهم.

لم يكن قرار الدخول إلى مصر عبر طرق التهريب أمام السوريين اختيارياً، إنما إجباريٌّ وبدأ عندما فرضت السلطات المصرية في الشهر السابع من العام 2013 تأشيرة دخول على السوريين، الذين ضاقت دائرة الخيارات أمامهم أكثر فأكثر، وباتت البلدان التي تستقبلهم دون تأشيرة تحصى على أصابع اليد.

 

السودان محطة الانتظار الأولى.. والمهربون لا يقبضون سوى بالدولار

تبدأ خطوات الرحلة الأولى عندما يحط السوري رحاله في مطار الخرطوم الدولي، وهناك يكون أمام خيارين، إما التنسيق المسبق مع "المهرب" الذي يُرسل أشخاصاً لاستقباله بالمطار ونقله فورا إلى مدينة "بورت سودان" مكان تجمع السوريين، الذين يريدون دخول مصر عبر طرق التهريب، أو أن يستقبله أحد معارفه في الخرطوم وينتقل جواً منها إلى "بورت سودان" على حسابه الخاص.

تقول "أماني" (شابة سورية 28 عاماً خاضت رحلة التهريب): "اختار زوجي المبيت عند أحد معارفه، لأتمكن أنا وطفلي من أخذ قسط من الراحة قبل التوجه إلى بورت سودان، وكذلك فضل السفر جوا إليها لأن الرحلة بالطائرة تستغرق نحو ساعة، أما في البر نحتاج إلى 12 ساعة، وطبعا كل ذلك على حسابنا الخاص".

أما "أم وائل" (سيدة تبلغ من العمر 49 عاماً) قالت إنها طلبت مِن المهرب إرسال أشخاص لاستقبالها من مطار الخرطوم، ونقلها مع ابنتها إلى "بورت سودان" برّا وعلى حسابه (المهرب)، فلا معارف لديها في السودان وتريد أن تنتهي الرحلة بأسرع ما يمكن.

المهربون ينقسمون إلى قسمين (سوري الجنسية، أو من أبناء السودان)، ويتعاملون جميعاً بالدولار الأميركي، وتختلف المبالغ المالية التي يطلبونها مِن شخص إلى آخر، وفقا لمزاجهم، والتي تبدأ مِن 200 دولار أميركي وتصل إلى ألف.

ولربما أكبر كذبة يسمعها السوريون من المهربين، ادفع مبلغاً جيدا وسأجعلك تركب إلى جانب السائق في سيارة التهريب (سيارة نوع بيك آب تتسع لثلاثة أشخاص في الأمام، ومفتوحة من الخلف) ولن تسير على الأقدام أبدا، وغالبا عند الوصول إلى جانب السيارة في الصحراء تختفي كل تلك الوعود "فالمهرب لا يهمه سوى المال".

 

المحطة الثانية.. أيامها تمر وكأنها سنوات

يصل السوريون إلى مدينة "بورت سودان"، وهناك يقيمون ربما ليوم أو أيام في أماكن لا يمكن تشبيهها بمنازل "بحسب أماني"، فتلك الأماكن تكون في شوارع ضيقة وبعضها قيد الإنشاء والنفايات أمام كثير منها، وغير مخدمة، وعلى السوري المبيت فيها دون الدخول أو الخروج أو إعطاء أية إشارة بأن هناك أحدا في المكان.

وخلال فترة إقامة السوريين في "بورت سودان"، يحضرون الطعام على حسابهم الخاص، ويبقى كثير منهم حبيس تلك الأماكن، التي يستمر توافد السوريين إليها، وغالبا ما تسمع الصراخ بين بعض الأشخاص والمهرب وإلقاء اللوم عليه بعدم تنسيق المواعيد "ولكن ليس باليد حيلة فالأمر كله بيده".

تقول "أماني" عندما وصلت إلى المكان الذي سنقيم فيه أنا وزوجي "بدأت بالبكاء، فما زال قيد الإنشاء وكان من الواضح أن عشرات الأشخاص باتوا به، فمنظر المطبخ لا يوصف، النفايات متراكمة فوق بعضها، ورائحة الحمام الكريهة تملأ المكان، والأغطية الموجودة به أتى بها المهرب من العصر الحجري".

وتتابع "بدأ زوجي بالتكلم معي وأن الأمر سيمضي سريعا وسنسافر بعد منتصف الليل، وكان أكثر ما هدأني مجموعة السيدات مع أطفالهن اللواتي كن ينتظرن لنسافر سويا"، ولكن مضت الليلة الأولى والثانية والثالثة وفي كل مرة تجهز "أماني" نفسها مع بقية المجموعة المؤلفة من 15 شخصاً قبل منتصف الليل للانطلاق وتبدأ القلوب تدق بسرعة، ليأتي المهرب في كل مرة ويقول إن الطريق غير آمن، وأخيرا في الليلة الخامسة صدق الوعد وبدأت الرحلة.

 

المحطة الثالثة.. صحراء شاسعة ولحظات قريبة من الموت

تخرج مجموعة السوريين التي تريد عبور الصحراء من مكان إقامتها في "بورت سودان" بسيارة مغلقة مغطاة بستائر ويطلب إليهم السائق عدم التكلم أو إصدار أي صوت، خوفا من الأمن السوداني، وبعد ساعة وربما أكثر من المسير يصلون الصحراء وهناك تكون السيارة في انتظارهم.

سيارات مكشوفة من الخلف ويبدؤون برصف الحقائب والجلوس فوقها، سواء كان عدد تلك المجموعة صغيرا أو كبيرا فعلى الجميع أن يتدبر أمرهم. والمنظر المعتاد هو جلوس الشبان على أطراف السيارة وأرجلهم للخارج والنساء والأطفال على الحقائب في الوسط.

يلتحف السوريون الصحراء ليلاً، وظل الشجيرات نهارا للاحتماء من حر الشمس التي تسلب ما في أجسادهم من مخزون المياه

وهنا يلعب الحظ دوره الرئيسي إما أن تكون الرحلة سريعة وغالبا تستغرق نحو ثلاثين ساعة، أو بطيئة وتستمر لأيام، وفي تلك الأيام يلتحف السوريون الصحراء ليلاً، وظل الشجيرات نهارا للاحتماء من حر الشمس، التي تسلب ما في أجسادهم من مخزون المياه، ويعيشون معاناة لم يخطر على بالهم أنهم سيعشونها للحظة أو أنهم سيركبون سيارات تسرع بهم بهذه الطريقة الجنونية.

"أم حسن" (اسم مستعار لأسباب شخصية) سيدة تبلغ من العمر 40 عاماً، لم تتخيل للحظة أن يفقد ابنها يده خلال رحلة "التهريب"، فعندما كان المهرب في الأراضي المصرية يقود السيارة التي تقلهم بسرعة جنونية خوفاً من رؤيتهم من قبل حرس الحدود المصرية، جاءت سيارة مسرعة ومرت بمحاذاتهم وانفجر إطارها، لتتطاير بقاياه عليهم، وتقطع يد ابنها البالغ مِن العمر 20 عاما، وكف شاب آخر كان بجانبه.

تقول "أم حسن"، "لا أستطيع أن أصف مشاعري عندما رأيت يد ابني مقطوعة بدأت بالصراخ أنا وأخواه، بقي ينزف أربع ساعات، ودفعت مبلغ 100 دولار أميركي و600 جنيه مصري للمهرب لكي يتصل بسيارة لتقلنا إلى المشفى، (..) صدقا لم أتخيل أن يحصل معي هذا، بقايا يد ابني تطايرت على جسدي أغمي عليه بين يدي وفقد ذراعه لحظات ليست للنسيان".

أما "نورا الزيات" (17 عاما)، سلكت طريق التهريب وحدها، والداها في مصر ولم يستطيعا "لم شملها"، تركها "المهرب" مع مجموعتها وسط الصحراء، فاختارت المتابعة سيرا على الأقدام مع شابين آخرين، ولكن كلما ظنوا أنهم وصلوا للنهاية لا يرون أمامهم سوى السراب.

تقول "لم أصدق أننا نجونا من حر الصحراء، كنا نشرب المياه بغطاء العبوة الصغيرة التي بقيت معي، ظننت أننا سنموت عطشا، شمس الصحراء لا ترحم، (..) لو لم تجدنا سيارة حفظ سائقها الصحراء جيدا لتحولنا إلى هياكل عظمية فيها".

بقيت "نور" أربعة أيام في الصحراء، تارة تنتقل من سيارة لأخرى مع مجموعتها بحسب طلب المهربين، وتارة يتركونهم بالصحراء مع قليل من المياه ليلاقوا مصيرهم ويسيرون ساعات طويلة على الأقدام بحثا عن أية آثار.

 

المحطة الرابعة والأخيرة

بعد تلك الرحلة الشاقة، تنتهي معاناة بعض السوريين بإيصالهم من قبل المهربين إلى أماكن قريبة من محطات قطار رئيسية ويطلبون إليهم تغيير ملابسهم وتنظيفها لكي لا يشك الأمن المصري بأمرهم.

أما البعض الآخر فربما تبدأ معاناته من جديد، عندما يتم إلقاء القبض عليهم ويزجون في السجون المصرية للنظر بأوراقهم، وغالبا ما يسمح للعائلات بالدخول إلى الأراضي المصرية بعد الحصول على ختم رسمي على جوازات سفرهم، وترحيل الشبان والأشخاص الذين ليس لديهم أي أقرباء من الدرجة الأولى، ويكون لهم الخيار بانتقاء دولة تسمح بدخول السوريين لاختيارها والتوجه إليها على حسابهم الخاص.

وتفيد إحصائيات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أن عدد السوريين المقيمين في مصر والمسجلين لديها يبلغ (130 ألفا)، بينما تتحدث التقارير الحكومية المصرية إلى أن عددهم يتراوح بين (250 ألفا إلى 300 ألف سوري).

رغم مخاطر دخول مصر بطريقة "غير شرعية"، ما يزال السوريون يتوافدون إليها، ولكن بأعداد أقل مِن السنوات الماضية والتي كان التهريب في إحدى فتراتها قد بلغ ذروته، وكان الدخول حينها بشكل شبه يومي بأعداد تتجاوز أكثر من 50 شخصاً، حسب شهادات أشخاص سلكوا طرق الصحراء.

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
ما تأثير الصيام على مناعة الجسم ضد فيروس كورونا؟
الدنمارك أول دولة أوروبية تتخلى عن استخدام لقاح "أسترازينيكا"
المعلمون في تركيا.. الفئة المقبلة لتلقي لقاح كورونا