الشّراقـة.. ما قيلَ وما لمْ يُقلْ في برنامج يا حرية

تاريخ النشر: 18.06.2021 | 06:34 دمشق

خطوة ثم أخرى، تمضي الكاتبة والإعلامية الأستاذة سعاد قطناني في رفد قضية المعتقلين في سجون الأسد بحوامل جديدة من شأنها أن تعيد القضية إلى مسارها الصحيح، بعد أن أوشكت على الاندثار حيناً، والتمييع حيناً آخر، بفعل إلحاقها بعبثية السياسة والسياسيين، وكذلك بفعل جعلها مسألة قابلة للمقايضة والسمسرة في بورصات المسارات التفاوضية الزائفة.

تمثّلت الخطوة الأولى ببرنامج (يا حرية) الذي عُرضت حلقاته على شاشة تلفزيون سوريا ابتداءً من آذار 2018، والذي يُعد الأول من نوعه من حيث المنهج والإعداد، وفي خطوة تعد امتداداً للخطوة الأولى، أصدرت الأستاذة سعاد الجزء الأول من كتابها (الشرّاقة – ما قيلَ وما لم يُقل في برنامج يا حرية) عن دار موزاييك للنشر (366 صفحة)، ولعل أوّل ما يستوقف القارئ هو العنوان الذي اختارته الكاتبة، إذ يبدو للوهلة الأولى غريباً، أو مثيراً للسؤال، وخاصة لدى من لم يشرع في قراءة الكتاب، أو من لم يكن له إحاطة بتجارب المعتقلين، ذلك أن مصطلح (الشرّاقة) هو تدمري المنشأ، أعني أنه من المفردات التي يتداولها سجناء تدمر حصراً، علماً أن الذي ابتدع هذا المصطلح هم السجانون وليس السجناء.

 فالمعنى الأول للشراقة هو الفتحة الموجودة في منتصف سقف المهجع، وربما وُجد أكثر من فتحة في السقف إذا كان المهجع طويلاً، وللشراقة وظيفتان أساسيتان: الأولى أنها تتيح للسجان مراقبة السجناء على مدى أربع وعشرين ساعة، ومهمة المراقبة هذه يقوم بها الحرس الذي يتخطى على السطح، متنقلاً من مهجع إلى آخر، مراقباً أدق تفاصيل سلوك السجناء داخل المهاجع من خلال الشراقات المتعددة على السطح، وغالباً ما كانت الشراقة مصدر رعب كبير للسجناء، وخاصة أثناء الليل، إذ من خلالها يصدر الحرس (عنصر شرطة عسكرية) أوامره بالتعذيب، كأن يأمر أحد السجناء بصب الماء البارد شتاء على بقية السجناء النائمين، أو يأمر أحد السجناء بصفع سجين آخر على وجهه، أو يأمر أحيانا جميع السجناء في المهجع بالانبطاح على بطونهم في وقت الغداء أو العشاء، لتمتزج ثياب السجناء بطعامهم الذي يأكلون.

أضف إلى ذلك الأوامر التي تتضمن اختيار (مُعلَّمين) من السجناء، أي عقوبة مؤجلة للصباح، حين تُفتَح الأبواب لتوزيع الطعام، علماً أن مصطلح (مُعلَّم) بفتح اللام مع تشديدها، يعني الشخص المخصوص بالعقوبة. كما تجدر الإشارة إلى أن التعذيب الذي يمارسه الحرس على السجناء – عبر الشراقة - غالباً ما يكون بتكليف من إدارة السجن، وفقاً لبرنامج التعذيب الذي تقرّه الجهات الأمنية العليا في السلطة، وأحياناً أخرى يكون بمبادرة فردية من الحرس ذاته، حين يشعر بالملل، فيلجأ إلى تعذيب السجناء، كوسيلة لإمضاء الوقت، ريثما تنتهي نوبة حراسته التي تمتد إلى ساعتين متواصلتين.

لعلّ تعدّد الحقول الدلالية لمصطلح (الشرّاقة) هو ما جعل الأستاذة سعاد قطناني تتّخذ منه عنواناً مركزياً للكتاب، إذ لا تنحصر دلالات المصطلح المذكور في جانبها الحسّي أو المادي فحسب، بل اكتسى دلالات نفسية بالغة الأثر

أمّا الوظيفة الثانية لـ (الشرّاقة) فهي إحداث منْفسٍ هوائي، نظراً لعدم وجود نوافذ كافية، ذلك أن البناء الذي يتكوّن منه سجن تدمر العسكري، كان في الأصل عبارة عن مرابط خيل وإصطبلات أنشأها الاستعمار الفرنسي حين كان يحتل سوريا، ثم تحوّل المبنى في منتصف الستينيات إلى سجن، وفي مطلع الثمانينيات جعل منه حافظ الأسد معتقلاً من أقذر المعتقلات وأبشعها سمعة في الشرق الأوسط.

تجدر الإشارة إلى أن قلّة الهواء النقي داخل المهاجع بسبب اكتظاظ أعداد السجناء، غالباً ما كانت سبباً في انتشار كثير من الأمراض التي أودت بحياة العديد من السجناء، كأمراض الربو والسلّ واليرقان والكوليرا وسواها.

لعلّ تعدّد الحقول الدلالية لمصطلح (الشرّاقة) هو ما جعل الأستاذة سعاد قطناني تتّخذ منه عنواناً مركزياً للكتاب، إذ لا تنحصر دلالات المصطلح المذكور في جانبها الحسّي أو المادي فحسب، بل اكتسى دلالات نفسية بالغة الأثر، وخاصة في نفوس السجناء، إذ ليس بمقدور اللغة أن تجسّد لحظات الخوف التي تهبط على النفوس حين تسمع خبطة قدم الشرطي الموجود على السطح وهو يصيح: (رئيس مهجع ولاه، أو حارس ليلي ولاه)، عندها يتكوّر الجميع وأعناقهم مُنَكّسة إلى الأسفل، وعيونهم شاخصة إلى الأرض، وترجف القلوب متسائلةً بذعر: ما نوع العقاب الذي سيحلّ علينا. ولعلّها من المفارقات العجيبة أنه بقدر ما كان هذا المصطلح مذموماً ومنفّراً لدى السجناء، فإنه كان محبّبا وجاذباً للاستعمال لدى السجانين، إذ باتوا يطلقون هذه التسمية على أشياء أخرى: (كيس النايلون – أوعية الطعام البلاستيكية).

تضمّن الكتاب بين دفّتيه، في جزئه الأول، (اثنتي عشرة شهادة) لمعتقلات ومعتقلين سياسيين سوريين سابقين، ينتمون إلى مشارب فكرية وسياسية مختلفة، أمضى معظمهم سنوات طويلة في سجون الأسد

لقد تضمّن الكتاب بين دفّتيه، في جزئه الأول، (اثنتي عشرة شهادة) لمعتقلات ومعتقلين سياسيين سوريين سابقين، ينتمون إلى مشارب فكرية وسياسية مختلفة، أمضى معظمهم سنوات طويلة في سجون الأسد، وكانت مؤلفة الكتاب قد أعدّتْ هذه الشهادات ليتمّ إخراجها في حلقات تلفزيونية متسلسلة عبر برنامج وثائقي (يا حرية)، ولكن يبدو أن الضرورات الفنية للعمل التلفزيوني حالت دون أن تظهر تلك الشهادات بكامل تجلياتها وتفصيلاتها بالصوت والصورة، فكان هذا الكتاب هو المجلى الآخر لتوثيق ما لم يُقل من شهادات المعتقلين والمعتقلات في برنامج يا حرية.

ومما لا شك فيه أن حرص الأستاذة سعاد قطناني على توثيق الشهادات كاملةً إنما يأتي انسجاماً مع ما يقتضيه الجانب المهني من عملية التوثيق أولاً، ثم إن إيراد تلك الشهادات كاملةً بكل جزئياتها، من شأنه إعطاء صورة متكاملة عن مشهد السجون ومعاناة المعتقلين في سوريا، ولعلّ الأهم من ذلك كله، هو أن حرص المؤلفة على عدم التفريط بأيّ حرف أو آهة يبوح بها معتقل أو معتقلة، إنما يؤكّد على أن حكايات السجون السورية لا يمكن اختزالها بما يُسمّى سرديات المظلومية فحسب، بل هي صوت الضمير الحيّ، ذلك الصوت الذي ظل مخنوقاً عقوداً من الزمن، وظلت محبوسةً في حشرجاته معاناة عظيمة وفواجع كبيرة، حفر لها وأسّسها، ثم راكمها، نظام التوحّش الأسدي، فجاءت الثورة السورية وحرّرت تلك الأصوات، لا لتبوح وتشكو فحسب، بل لتكشف وتفضح ممارسات سلطة إجرامية نكّلت بالسوريين طوال نصف قرن، وما تزال مستمرة في التنكيل بهم، بل لعلّ هذه الأصوات المعجونة بالوجع والقهر أن تكون النداء الأبلغ والأكثر مصداقية، لمناشدة العالم أجمع: آنَ أن تنقذوا السوريين من آلة الإجرام الأسدي، وتحاكموا القتلة والمجرمين.

في كتاب (الشراقة) اثنتا عشرة حكاية تصلح كل واحدة أن تكون مادّة لعمل روائي، بل يمكن – أيضاً – أن تتكامل الحكايات جميعها لتكون عملاً روائياً يجسّد معاناة السوريين طوال حقبة زمنية هي الأشدّ سواداً وإيلاماً في تاريخ سوريا الحديث، ولكن بالرغم من ذلك، فلا أعتقد أن الكتاب يطمح أن يكون رواية – بالمعنى الحديث لجنس الرواية – بالرغم من احتوائه على العديد من مقوّماتها، وهذا ما أشارت إليه المؤلفة في مقدمة الكتاب، إلّا أنه بالتأكيد يجسّد نوعاً آخر من أنواع أدب السجون الذي يشهد ازدهاراً يوماً بعد يوم.

ولئن كان  ظهور تلك الحكايات من عالم الكتمان إلى فضاء البوح، واندياحها في مساحات كبيرة من أحاديث الناس، قد استدعى جهداً كبيراً من الأستاذة سعاد وكل العاملين معها، ذلك أن هذا الجهد لا يدرك دقائقه إلّا من أحسّ بمدى الصبر والمكابدة على استلال الألم من عمق النفوس، ليتدفّق كلمات تفوح بدخان القهر، ومرارة الخذلان، وحين يدرك قارئ الكتاب أن معاشرة الفواجع بغية ترويضها وتحويلها إلى مادة معرفية هي ضرب من التماهي مع تلك الفواجع بآن معاً، يدرك عندئذ أن معدّة برنامج (يا حرية) ومن ثم مؤلفة كتاب (الشراقة) لم تكن موثّقة لتجارب معتقلات ومعتقلين فحسب، بل غالباً ما كانت شريكة لهم في تلك المعاناة أيضاً.

الصحة العالمية تحذّر: أوميكرون أسرع انتشاراً من جميع سلالات كورونا السابقة
توقعات باجتياح متحور "أوميكرون" العالم خلال 6 أشهر
عبر سيدة قادمة من جنوب أفريقيا.. الإمارات تسجّل أول إصابة بـ "أوميكرون"
"فورين بوليسي": بشار الأسد سمح بعودة عمه رفعت إلى سوريا استرضاء للعلويين
فيصل المقداد: لولا علاقتنا مع إيران لكانت الأوضاع ملتهبة في الوطن العربي
بين عالَمين