"الحل السياسي السوري" مسؤولية دولية أيضاً!

2024.02.22 | 07:51 دمشق

آخر تحديث: 22.02.2024 | 07:51 دمشق

"الحل السياسي السوري" مسؤولية دولية أيضاً!
+A
حجم الخط
-A

تصادف هذه الفترة الذكرى العاشرة لبدء المفاوضات غير المباشرة في جنيف، بين وفد المعارضة ووفد النظام، أو ما سمي بجنيف 2. جاءت مشاركة وفد المعارضة في هذه المفاوضات، بعد قرار تاريخي اتخذه الائتلاف الوطني السوري، الذي يعتبر على المستوى الدولي، الممثل الشرعي للشعب السوري. هذا القرار كان وما زال مثار جدل في الأوساط السورية بين مؤيد ومعارض. 

لم يكن لدى المعارضة عندما اتخذت قرارها بالمشاركة في المفاوضات في جنيف، أية أوهام بخصوص نوايا النظام وحلفائه، الذين شاركوا في الجرائم ضد الشعب السوري على امتداد سنوات. وكان لديها الكثير من التشكك في الوعود التي قدمت لها من قبل "أصدقاء الشعب السوري"، والتي ترافقت بضغوط ساهمت بالنتيجة بقبول المعارضة لمبدأ الحل السياسي.  

كان التصور ولا يزال، أن الحل السياسي بجهود المجتمع الدولي سيكون أفضل الوسائل من أجل الخلاص الأسرع والأقل تكلفة لأهلنا السوريين الذين كانوا يتعرضون لكافة أشكال القتل والتدمير والتهجير. كما أن الحل السياسي يمكن أن يضمن الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية، في حال سقط النظام أو حاول تخريب المؤسسات قبل إجباره على ترك السلطة. 

وكما يخوض السوريون معركتهم ضد النظام في كل الساحات، كان قبول المشاركة في المفاوضات في جنيف ساحة من ساحات الصراع مع نظام الأسد، على أمل أن تكون بدعم حقيقي من أصدقاء الشعب السوري، الذي يسعى وراء حقوقه الطبيعية لأي شعب، وهي الحرية والكرامة.

رغم تهرب النظام بالتعاون مع حلفائه من أية مشاركة جدية في المفاوضات، لكن مكسباً سياسياً مهماً جداً قد تحقق في عام 2015، وهو صدور القرار الدولي 2254

لكن المفاوضات ليست مجرد نقاشات وحوارات، إنما هي تعبير عن واقع على الأرض وعن امتلاك أوراق القوة والتأثير، وفي هذا المجال لم يقدم "أصدقاؤنا" لنا الدعم الكافي والمتوازن مقارنة بما كان حلفاء نظام الأسد يقدمونه، الأمر الذي جعل النظام السوري منذ البداية متعنتاً في المفاوضات، ويشارك فقط من أجل أن يكسب الوقت، بينما يستمر في جرائمه والفتك بالسوريين بكل الأساليب الوحشية.

ورغم تهرب النظام بالتعاون مع حلفائه من أية مشاركة جدية في المفاوضات، لكن مكسباً سياسياً مهماً جداً قد تحقق في عام 2015، وهو صدور القرار الدولي 2254، والذي ينص على إنشاء حكم انتقالي، يقضي بالتخلص من نظام الأسد، سواء كشرط لإنشاء هذا الحكم أو كنتيجة له، والبدء ببناء دولة ديمقراطية تحفظ لجميع المواطنين السوريين حريتهم وكرامتهم.

لكن الاستمرار في عدم تكافؤ الدعم الذي قدمه أصدقاء الشعب السوري للمعارضة، مقارنة بما قدمه حلفاء النظام له، جعل النظام يستمر في عدم إعارة أي اهتمام بـ "الحل السياسي"، وفي تجاهل القرارات الدولية، بل يحاول فرض سيطرته باستمرار حربه ضد الشعب السوري بقوة ميليشيات إيران وطائرات روسيا. 

المعارضة السورية وحدها لا يمكن أن تواجه تحالف نظام الأسد وإيران وروسيا معاً من دون دعم حقيقي وذي معنى من قبل الحلفاء والأصدقاء. هذا الدعم الضروري لمنحها القدرة على تحقيق تقدم على مستوى الحل السياسي، الذي يرضي السوريين ويؤمن فرصة حقيقية لهم للبدء بعملية سياسية حقيقية وإعادة بناء الدولة والوطن.

الحل السياسي لا يمكن أن يحصل إذا لم يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته، وإذا لم يتم تفعيل الآليات لإيجاد وسائل لتطبيق القرارات الدولية الخاصة بسوريا، وبدون ذلك فإن نظام الأسد سيستمر في رفض الحل السياسي مع استناده إلى الدعم الكامل من حلفائه، بمن فيهم روسيا والصين، الدولتان دائمتا العضوية في مجلس الأمن، والمستعدون لدعمه بكافة الطرق، بما في ذلك استخدام الفيتو.

هناك خيبة أمل كبيرة لدى الشعب السوري من الدول الصديقة للشعب السوري، وهم الذين ضغطوا ووعدوا بالدعم ثم لم تعد للقضية السورية أولوية بالنسبة لهم. ورغم كل المشتركات التي يمكن أن تجمعنا مع دول فاعلة على المستوى الدولي، ولكن المشكلة في نظرتهم أنها اختزلت القضية السورية إلى مشاكل "الإرهاب" و"اللاجئين"، وباتت سوريا ساحة مواجهة مع الإيرانيين. لا وجود لرغبة في رؤية جوهر القضية السورية، وهي أن الشعب السوري ثار على الأسد منذ عام 2011، ودفع ثمناً باهظاً، ولا يزال، وهو مصمم على السير في نفس الطريق حتى الوصول لدولة تمنحه حياة كريمة.

خيبة الأمل تزايدت مع التراجع التدريجي للدعم العربي، الذي انتهى إلى ما سمي "التطبيع العربي مع نظام الأسد"، في تحول كبير لمواقف دول عربية مؤثرة، كانت وعدت فيما سبق بالسعي للتغيير في سوريا، ولكن مع مرور الوقت، ومع التدخلات الإيرانية والروسية، وغياب إرادة غربية للمواجهة، تراجع الدعم العربي، حتى انقلب موقف أغلبية الدول العربية لصالح نظام الأسد، رغم كل الأثمان التي يتوقع أن يتم دفعها، فالنظام السوري لا يملك قراره، وليس متوقعاً أن يقدم التقارب معه حلاً لمشاكل المنطقة، بل ما نراه هو بوادر عكسية مع استمرار تهريب المخدرات من سوريا جنوباً، والمخاطر المحدقة خاصة بالأردن.

"الحل السياسي" الذي يتم تأجيله وتجميده في سوريا، قد يؤدي، لو كانت هناك إرادة دولية وراءه، إلى التخفيف من وطأة الكثير من التحديات والمشاكل في المنطقة

ورغم أن الشعب السوري قادر على التعاون مع القوى الفاعلة الغربية من أجل التعامل مع كل الأزمات التي تشكل قلقاً لهم في سوريا، ولكن لا وجود لإرادة حقيقية للدعم بما يناسب حجم المواجهة مع النظام الأسدي وحلفائه. بل نلمح دائماً تراجعاً في المواقف الغربية، وعدم الجدية في إيجاد "الحل السياسي" الذي ينتظره السوريون، وفي المقابل الاستعداد للتعامل مع كل النتائج السلبية لغياب "الحل السياسي"، مثل الإرهاب، والمخدرات، واللاجئين، والنفوذ الإيراني والروسي.

"الحل السياسي" الذي يتم تأجيله وتجميده في سوريا، قد يؤدي، لو كانت هناك إرادة دولية وراءه، إلى التخفيف من وطأة الكثير من التحديات والمشاكل في المنطقة، على اعتبار أن سوريا دولة ذات أهمية كبرى في المنطقة. لكن السياسات الغربية اعتادت أن تتعامل بشكل جزئي وتكتيكي، وأن تجعل أولوياتها القضايا الساخنة المباشرة. ما سيجعلها تدفع ثمن عدم سعيها الجاد وعدم بذلها الجهد المطلوب لتحقيق الانتقال السياسي في سوريا نحو بلد ديمقراطي يحكمه أبناؤه، بعيداً عن هيمنة الإيرانيين والروس ومافيا المخدرات بقيادة الأسد.

تطبيق القرارات الدولية الخاصة بسوريا يحتاج إلى إيجاد آلية جديدة بهدف إحداث الانتقال السياسي بأسرع وقت. وفي النهاية لا يمكن أن تكون هناك "مفاوضات عبثية بلا نهاية"، الأمر الذي سيفقد الشعب السوري الثقة بالعملية السياسية، وهذا بدوره سيؤدي إلى تفاقم الأزمات التي يواجهها السوريون، كذلك سيفاقم التحديات والأزمات التي ستواجهها الدول الغربية نفسها في المنطقة ككل!.