الجزيرة السورية في المعادلات الأمريكية

تاريخ النشر: 30.05.2018 | 00:05 دمشق

تقع الجزيرة السورية في الجهة الشرقية من سورية، وهي محصورة بين نهري الفرات غرباً ودجلة شرقاً، وتضم بهذا المعنى ثلاث محافظات هي دير الزور، الرقة، الحسكة، وهي المحافظات المعروفة سورياً (بالمحافظات الشرقية) والتي تبلغ مساحتها 76,010 كم مربع ( 41% من مساحة سورية). في حين كان استخدام مصطلح (الجزيرة) سورياً حتى خمسينيات القرن المنصرم محصوراً للدلالة على محافظة الجزيرة، التي بدل اسمها الزعيم فوزي سلو إلى محافظة الحسكة، وكذلك بدّل اسم محافظة الفرات لتصبح باسم مركزها (محافظة دير الزور).

وتتميز محافظة الحسكة عن باقي المحافظات الشرقية، بتنوع التركيبة السكانية فيها من حيث الأديان والطوائف والقوميات، ويشكل العرب أغلبية سكانية تقدر بنحو 67-70% من عدد السكان، ثم يأتي الأكراد بالمرتبة الثانية من حيث الكثافة السكانية المقدرة بنحو 26-28% من عدد السكان، فيما تشكل الطوائف المسيحية وباقي الأقليات نحو 5-7% من عدد سكان المحافظة. وقد  ساهمت الظروف الدولية في المنطقة في فترة ما بين الحربين العالميتين بإيجاد هذا التنوع، عن طريق الهجرات الوافدة للجزيرة من تركيا والعراق نتيجة ما شهدته تلك المناطق من أحداث سياسية وعسكرية مختلفة، كالصدامات مع الأرمن، ثم السيطرة التركية على كيليكيا والشمال السوري بموجب اتفاق أنقرة الموقع مع فرنسا، وكذلك اندلاع الثورات الكردية والقمع التركي لها، وكان النسطوريون (الآشوريون) هم آخر المجموعات التي استقرت في الجزيرة بعد الصدامات بينهم وبين الجيش العراقي في الثلاثينات، حيث دفعت تلك الحوادث إلى استقرار نحو 9 آلاف آشوري في منطقة الخابور بين عامي 1934-1939م.

 

أهمية الجزيرة الجيوسياسية والاقتصادية

تعتبر منطقة الجزيرة من أهم المناطق السورية على الصعيدين الجيوسياسي و الاقتصادي، فهي تأخذ شكلاً مثلث الشكل محصوراً بين تركيا والعراق،  يشكل نهر الفرات قاعدته، وتشكل منطقة المالكية في المنطقة المعروفة بمنقار البطة و التي يمر فيها نهر دجلة قمته. هذا الأمر يجعل من منطقة الجزيرة مرتبطة بحدود طويلة مع كل من العراق جنوباً، وتركيا شمالاً، وصلة وصل أيضاً بين تركيا والعراق. ناهيك عن شبكة الأنابيب النفطية التي تربط العراق بسورية والذي يتيح للعراق في حال الاستقرار السياسي في سورية تصدير نفطه مروراً بالأراضي السورية دون الحاجة للمرور بالأراضي التركية.

كما أن منطقة الجزيرة التي تعاني من قصور في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، هي من أغنى المناطق في سورية بالثروات الطبيعية والزراعية، وبدون وجود منطقة الجزيرة في الخارطة السياسية السورية لا يمكن لسورية أن تستمر كدولة على أي صعيد كان، ويمكن أن نوضح أهمية الجزيرة الاقتصادية وفق الآتي:

  1. إقليم الجزيرة هو أغنى الأقاليم السورية بالثروة المائية، لا سيما السطحية منها، إذ تقدر ثروته السنوية بنحو 64% من مجموع مياه سورية، بكمية تزيد على 13,93 مليون متر/مكعب. ومصدرها نهر الفرات وحصة سورية من دجلة، كما كان الخابور أيضاً يسهم عبر مجموعة ينابيعه في بلدة رأس العين التاريخية بالثروة المائية بغزارة متوسطة تصل إلى 40 متراً مكعباً بالثانية، قبل أن يصادق محافظ الحسكة مصطفى ميرو المعروف بشبكة فساده ولقبه بصاحب اليد البيضاء تهكماً على عدم نزاهته، على مشروع مشبوه بإقامة سد على نهر الخابور، كانت نتيجته أن غارت الينابيع وجفت بسبب ارتفاع الضغط أمامها، حتى بات الخابور من حكايات الماضي في الجزيرة.
  2. أتاحت السهول الشاسعة في الجزيرة ومناخها الجوي المناسب، لازدهار زراعة الحبوب فيها، وبشكل خاص القمح والشعير، إضافة إلى زراعة القطن. فعلى سبيل المثال بلغ انتاج منطقة الجزيرة سنة 2011 من القمح 2,147,826 طناً من القمح ( 55% من مجموع الإنتاج السوري)، في حين مثل إنتاجها من القطن 522,966 طناً ( 78% من إجمالي إنتاج سورية ذلك العام)، وقد أنتجت محافظة الحسكة لوحدها 35% من إجمالي إنتاج سورية من القطن.
  3. جميع إنتاج سورية من النفط هو من  منطقة الجزيرة (المحافظات الشرقية)، وقد بلغ الإنتاج ذورته سنة 2002 حين وصل إلى 32.96 مليون طن ( معدل 625 ألف برميل يومياً)، وبدأ بعدها الإنتاج يتراجع جراء التخريب الذي أصاب الطبقات المنتجة للنفط، نتيجة الإنتاج العشوائي في سياسة الدولة التي اعتمدت على محاولة استخراج أكبر كمية ممكنة من النفط السوري بأقصر مدة ممكنة، دون الأخذ بعين الاعتبار مسائل ترشيد عمليات الإنتاج بهدف تنمية المخزون البترولي وإطالة عمر الحقول النفطية لأطول مدة ممكنة لتمكين الأجيال القادمة من الاستفادة من الثروة، فكانت العملية أشبه بنهب ممنهج للثروة، الأمر الذي سيحرم السوريين من الاستفادة من باقي الاحتياط الذي ستكون كلفة إعادة إنتاجه مرتفعة.
  4. يقدر احتياطي الغاز في سورية بنحو 241 مليار متر مكعب، يقع 57.65% منها في المحافظات الشرقية، والباقي 42.35% في منطقة تدمر.
  5.  الملح الصخري من أهم المكامن والثروات الطبيعية في إقليم الجزيرة ، وهو ذو جودة ونقاوة عالية كما يشير د.عادل عبد السلام، وتنتشر توضعات الملح الصخري في تشكيلة تعرف بتشكيلة الديبانة، ممتدة على مساحات شاسعة من الإقليم بين دير الزور والبوكمال، تقدر بنحو 8000 كم مربع، والاحتياطي غير معروف لكنه كبير جداً وبكر ولم يستثمر بعد إلا في منجم متواضع الإنتاج.

 

أمريكا وقواعدها في المحافظات الشرقية

كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أعلنت عن إرسالها 50 جنيداً أمريكياً من القوات الخاصة الأمريكية في تشرين الأول / أكتوبر 2015 في دور استشاري غير قتالي، وقد مثل ذلك أول إعلان أمريكي رسمي عن الدخول إلى سورية في عهد باراك أوباما. وفي نيسان أبريل 2016، تم الإعلان عن وصول  150 جنديا أمريكيا بينهم ضباط إلى مطار "رميلان" الزراعي في محافظة الحسكة الذي بات قاعدة أمريكية، وهي دفعة من 250 جنديا وعد الرئيس باراك أوباما بإرسالهم إلى سوريا لتدريب ومساعدة ما أسماه "القوات المحلية" (يقصد القوات الكردية) في حربها ضد تنظيم داعش. وقد استمر دخول القوات الأمريكية، حتى بلغ نحو 2000 جندي أمريكي سنة 2018، متوزعين على 14 قاعدة عسكرية في سورية، تقوم بتقديم الدعم العسكري واللوجستي للقوات الكردية التابعة للعمال الكردستاني، والعاملة تحت مسمى قوات سورية الديمقراطي ( قسد)، وفق التوزع والمهام التالية:

  1. القاعدة العسكرية الأمريكية في ديريك (المالكية) — عبارة عن  قاعدتين عسكريتين إحداهما في منطقة رميلان. مسؤولة عن نشر أفواج قوات الإنزال الجوي الأمريكية، مساعدة قوات سوريا الديمقراطية، هبوط طائرات النقل العسكرية.
  2. القاعدة العسكرية الأمريكية في قرية صباح الخير (جنوب غرب الحسكة وشمال شرق دير الزور)، وفيها صوامع حبوب كبيرة، وتسخدم لهبوط المروحيات الحربية.
  3. القاعدة العسكرية الأمريكية في ناحية عين عيسى التابعة للرقة، تقوم بإيصال الذخيرة إلى مواقع الوحدات الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي.
  4. القاعدة العسكرية الأمريكية في تل سمن (30 كم شمال الرقة)، مهمتها التنصت وتوفير الاتصال مع المقر المركزي للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.
  5. القاعدة العسكرية الأمريكية في الطبقة، يخطط استخدامها لإقلاع وهبوط الطائرات الأمريكية.
  6. القاعدة العسكرية الأمريكية في الجلبية — وحدة عسكرية، وهي منطقة منفصلة مغلقة تحتوي على 40 طائرة نقل عسكري حديثة ومدرج للطائرات وقاذفات مجهزة بأسلحة ثقيلة حديثة..
  7. القاعدة العسكرية الأمريكية في خراب عشق (عين العرب) — موقع تواجد وحدات عسكرية أمريكية.
  8. القاعدة العسكرية الأمريكية في جبل مشتنور (شمال شرق منبج)،  يوجد برج راديو تابع للقوات الخاصة الأمريكية والفرنسية.
  9. القاعدة العسكرية الأمريكية في صرين (تابعة لعين العرب سكانها من العشائر العربية) — موقع نشر وحدات الإنزل الأمريكية.
  10. القاعدة العسكرية الأمريكية في التنف (تابعة لتدمر على الحدود العراقية السورية وقريبة من الأردنية)، وتشكل موقع تواجد وحدات الولايات المتحدة وبريطانيا.
  11. القاعدة العسكرية الأمريكية في تل تمر (ناحية تابعة للحسكة) — يتواجد فيها 200 جندي أمريكي وعدد من الجنود الفرنسيين.
  12. القاعدة العسكرية الأمريكية في منبج — لها أهمية استراتيجية.

 

الأمريكان و ورقة الـ PKK

حظيت القوات الكردية التابعة لمنظومة العمال الكردستاني في سورية بدعم واستثمار النظام السوري لها منذ الشهور الأولى من الثورة سنة 2011م، كما حظيت في فترة توتر العلاقات التركية – الروسية بدعم من الروس كان يهدف للضغط على تركيا بشكل خاص. قبل أن تتبناها الإدارة الأمريكية ، وتبدأ بدعم غير معلن في بادئ الأمر، قبل أن تعلن الإدارة الأمريكية في أيار 2017 عن دعم معلن للقوات الكردية بالأسلحة والمعدات بعد أن قامت بتغيير اسمها إلى قوات سورية الديمقراطية ( قسد)، في إطار ما قيل إنه حرب على داعش في الرقة كان نتيجته تدمير 80% من الرقة ، دون بقاء أي أثر لداعش.

لا شك أن التدخل الأمريكي في سورية هو جزء من تدخل أطراف دولية عديدة، تدرك مدى أهمية البعد الجيوسياسي لسورية في المنطقة، ولا يرتبط فقط بأهمية المنطقة الاقتصادية. كما أن الاستثمار أيضاً في ورقة العمال الكردستاني هو جزء لا ينفصل عن الضغوط التي تمارسها الدول الغربية ضدّ تركيا، وبشكل خاص بعد فشل محاولة الانقلاب، ونبرة الخطاب الإسلامي في الحكومة التركية التي تطور اقتصادها بشكل كبير خلال العقدين الماضيين حتى باتت ضمن مجموعة العشرين وتهدد بلعب دور أكبر ترى فيه الدول الأوربية تهديداً لمصالحها على المدى المنظور. وبالتالي تسعى الدول الغربية بهذا الشكل أو ذاك لجعل ورقة العمال الكردستاني المتستر بغطاء وعناوين ( سورية) إحدى أهم أدوات الضغط، وأيضاً جيب تنظيمي يستوعب مزيداً من المقاتلين من أجل المال من أبناء المنطقة التي تعاني من ظروف اقتصادية صعبة، الأمر الذي يجنب الدول الغربية إرسال أعداد كبيرة من جنودها، مكتفية بالقواعد والأسلحة الحديثة والدعم الجوي التي تقدمه لهذه القوات الارتزاقية على الأرض.

 

تكالب المصالح الدولية ضدّ السوريين

لم تقدم الدول الغربية منذ بداية الثورة السورية أي دعم للشعب السوري، ولم تساهم بأي خطوة جدية من شأنها إيقاف حمام الدم السوري والمجازر التي قام النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون وكذلك ميليشياته الطائفية وميليشيات العمال الكردستاني بارتكابها بحق الشعب السوري. وتُرك السوريون لمصيرهم ، وبقيت الذراع العسكرية للنظام وحلفائه متغولة وتستهدف بشكل طائفي الشعب السوري وتسعى لإعادة الهندسة الديموغرافية للشعب السوري بتهجيره وفق المعايير الطائفية التي تخدم النظام وإيران، وكذلك المشروع الغربي الذي يسعى أيضاً لتعزيز الظروف الملائمة لإعادة التجربة الاثنية الفرنسية خلال فترة انتدابها لسورية، بتقسيم سورية إلى أقاليم وفق منظور طائفي يجعل من سورية المستقبل دويلات طائفية إلى جانب دويلة إسرائيل الطائفية "الدينية" أيضاً.

كل هذه التحديات موجبة لأن يدرك أبناء الشعب السوري أكثر من أي وقت مضى مدى خطورة المشروع الغربي بشكل خاص على المنطقة، ومدى ارتباطه واعتماده على النظام وأدواته وميليشياته لتحقيق هذه الغاية. وتوجب أيضاً على أبناء الشعب السوري التكاتف وإعادة إنتاج قياداته على أساس الكفاءة لا على أسس المحاصصات الطائفية، وأيضاً عدم الاستسلام لهذا القدر الذي تسعى لفرضه الدول الغربية بأدواتها المختلفة في سورية. والإبقاء على استمرار الحراك والنضال الثوري الذي لا ينبغي ابداً ربطه بالجانب العسكري فقط والذي بالأساس تم فرضه على السوريين واستثمرت به أيضاً الكثير من الدول لتصفية صراعاتها.