الإيقاع والإلقاء في الشعر الموزون ومزاجية التسطير في قصيدة النثر

تاريخ النشر: 04.02.2021 | 15:19 دمشق

محمود أبو حامد

يأخذ الشعر العمودي، شكل الشطرين، الصدر والعجز، ويكون مقفى وموزوناً على أوزان البحور التي وضعها الخليل بن أحمد الفراهيدي.

 ومع أن من هذه البحور ما جاء طويلاً وثقيلاً ومنها ما جاء مجزوءا وخفيفاً، ظل شكل القصيدة العمودية يمنحها رتابة واحدة، وإيقاعاً واحداً. وإذا ما اعتبرنا أن "الغناء" نوعاً من أنواع الإلقاء، فثمة من يرى أنها، أي القصائد العمودية، واحدة من أرقى أنواع القصائد الغنائية.

وقد نلحظ ذلك، مثلاً، في قصيدة قيس بن الملوح "تذكرت ليلى والسنين الخواليا"، التي لحن بعضاً من أبياتها للسيدة فيروز، الموسيقار السوري الراحل محمد أحمد الناشف، المعروف باسم محمد محسن.

ولعلّ الأمثلة الأوضح لمواكبة الشعر العمودي تطورات العصر مع المحافظة على خصوصيته، القصائد الاندلسية، كما في موشحات أبي بكر ابن زهر الأندلسي:

يا غصـن نقا مكللاً بالذهب

أفديك من الردى بأمي وأبي

إن كنتُ أسأت في هواكم أدبي

العصمة لا تكـون إلا لنبي.

ومع كل ذلك ثمة من كان، ومن لم يزل، يرى بأن الشكل التقليدي للقصيدة العربية العمودية هو العائق أمام تطوير المضمون الشعري وتعميق وإغناء رؤياه. وعليه تتابعت المحاولات للخروج على العمود الشعري، ويمكننا أن نرجع بعض المحاولات إلى العصر العباسي من أمثال أبي تمام وأبي نواس وأبي العتاهية وبشار بن برد. وثمة من يقول إن أبا تمام خرج عن العمود الشعري، في حين يقول آخرون إن هذا الخروج لم يشمل مستويات العمود الشعري كلها، بل هو تجديد لغوي وبلاغي ودلالي، وتعميق للمعاني والمضامين.

رواد الحداثة

ومع تطور الحياة بكل جوانبها، ومحاولات التجديد عبر حركة الإحياء الشعري التي أسس لها محمود سامي البارودي، وأغناها الرصافي والزهاوي وشوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران وغيرهم؛ ظل هناك من يدعو إلى الخروج عن الشكل الكلاسيكي التقليدي للقصيدة العمودية

ومع تطور الحياة بكل جوانبها، ومحاولات التجديد عبر حركة الإحياء الشعري التي أسس لها محمود سامي البارودي، وأغناها الرصافي والزهاوي وشوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران وغيرهم؛ ظل هناك من يدعو إلى الخروج عن الشكل الكلاسيكي التقليدي للقصيدة العمودية، وعدم الالتزام بوحدة البيت ورتابة القافية، والنظام العروضي. ومنهم من اتّكأ بخروجه على الموروث اللغوي والتجارب الشعرية السابقة الضاربة جذورها في أعماق التراث العربي، وعملوا على تطوير ثقافتهم وأدواتهم وأساليبهم، وأبدعوا قصيدة التفعيلة المتحررة من قوالب الأوزان ورتابة القافية، ونجد ذلك جلياً في أشعار رواد الحداثة، مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي ومحمد الفيتوري وصلاح عبد الصبور، وصولاً إلى نزار قباني وأمل دنقل ومحمود درويش وسميح القاسم وممدوح عدوان، وغيرهم.

ومنهم من خرج، كما يرى بعض النقاد، عن الموروث كلية وتمردوا على التراث الشعري، بل وارتموا في أحضان الحداثة الشعرية الغربية بكل ما فيها من صرعات التجديد، ما أدى إلى وجود الشعر المرسل الخالي من أي وزن أو قافية، أي هذا اللون الجديد من الكتابة الشعرية الذي أصبح يعرف بالشعر المنثور أو قصيدة النثر.

وفي الوقت الذي ظهرت فيه محاولات تجديد وتطوير لا ترتبط بالضرورة بالرقي والتجويد، بل أعلت من شأن النثر لأنه مرتبط بقيمة الحرية، مقابل الشعر العمودي الجامد وغير القادر على مواكبة قضايا المجتمع. جاءت بعض الأصوات تدعو إلى تجديد النثر القائم على موسيقا الشعر ليواكب زمن التقنية والسرعة؛ فأنتج ذلك ما يسمى بقصيدة النثر.

المرجعية العروضية

إذا كان ثمة مبدع، يمتلك موهبة لافتة، وقدرة فائقة على خلق المجازات والاستعارات في لغة رشيقة جزلة موحية، وخيال خصب ورؤية ورؤيا، وفي الوقت نفسه لايميل لكتابة الرواية أو القصة أو المسرح أو الشعر الموزون.. ألا يمكن أن تكون القصيدة النثرية شكله المناسب للبوح والتعبير؟؟

 يرى البعض أن كتّاب قصيدة النثر يسعون إلى خلق شكل شعري يوّلد إيقاعه وموسيقاه الداخلية، من المقاطع الصوتية، والرتابة اللغوية البلاغية الرشيقة، والتنغيم والنبر، بدلاً من القواعد العروضية الجامدة في الشعر العمودي.. ويرى آخرون أن الإيهام قد يحدث لتأخذ القصيدة النثرية شكل الشعر المقطعي، في حين يؤكد الدكتور رائد جميل عكاشة أن النثر قد يظهر بمظهر التعبير الشعري لكنه بذلك "يأخذ من الشعر شعريته لا معماره الفني والمقاربات النقدية التي تنفي الشعر عن قصيدة النثر تأتي انطلاقاً من مفهوم النوع الأدبي المستند إلى بنية عروضية ثابتة، فإذا حل مكان العروض  نسق إيقاعي مختلف انتفى اعتبار الكلام شعراً".

إذن القاسم المشترك في الفصل بين النثر والشعر، كتابة ونقداً، هي المرجعية العروضية، سواء أكانت في الشعر العمودي أم في شعر التفعيلة. وإذا كانت البحور والأوزان الشعرية تحدد الإيقاع والموسيقا في الغناء أو الإلقاء، فكيف يعتمل ذلك في القصيدة النثرية؟

تقطيع وتسطير

بالتأكيد نقر جميعاً استحالة "غناء" القصيدة النثرية، ولكن قد يبدو أحياناً، أو في كثير من الأحيان، أن لا أحد يمكنه إلقاء القصيدة النثرية غير صاحبها، فإضافة إلى ما فيها من إيقاع وموسيقا ونبرة وتنغيم ورشاقة لغوية بلاغية؛ كيف يتم تقطيع وتسطير هذه القصائد؟

ربما يمكننا القول أن ثمة "مزاجية" تبدو واضحة عند كثيرين من كتاب هذا اللون الأدبي الجديد المتجدد، لكن في تجارب مميزة ولافتة، قد يعود التسطير إلى نهاية جملة وبداية أخرى، أو نهاية معنى ومتابعة آخر، أو تبعاً للإعراب الذي يحدد الفعل والفاعل والمفعول به، أو الصفة والموصوف. أو قد تتدخل في ذلك علامات الترقيم غير المكتوبة، والأهم قد تكون هي الموسيقا الداخلية في القصيدة الخاصة بكل كاتب، والتي يمكن أن تظهر بوضوح أثناء إلقائه لسطور نصه الشعري.

الشاعر اللبناني وديع سعادة، الذي يعدّ من رواد قصيدة النثر، يقول لصحيفة الأخبار اللبنانية: لم أكن قد بلغت العشرين من عمري حين كتبتُ هذه الكلمات الثلاث "ليس للمساء إخوة"، ولا أعرف لماذا بعد ذلك حوّلتها إلى عنوان لمجموعتي الشعرية الأولى، التي خطّطتها باليد، وبعتها باليد في شوارع بيروت. قبل ذلك كتبت كلمات أخرى ومزّقتها، كتبتُ بضع قصائد عمودية، لكن ما لبثتُ أن مزّقتها. ومن هذا الديوان:

في هذه القرية

تُنسى أقحواناتُ المساء

مرتجفةً خلف الأبواب..

لو استعرضنا قصائد هذا الشاعر المبدع، لوجدنا أن لها خصوصيتها الفنية والحسية والبلاغية، إضافة لعمق رؤياها وكثافة مدلولات معانيها، ورشاقة موسيقاها الداخلية، وجمالية ومنطقية تقطيعها أو تسطيرها.

 

وديع سعادة.jpg
وديع سعادة

 

في هذه القرية، جملة تفتح بوابة التساؤلات والتخيمنات، ماذا ومن، أو ما الذي يحدث في هذه القرية؟ تنسى أقحوانات المساء، والفعل المبني للمجهول "تُنسى" يمنح للمتلقي فضولاً موارباً، ويعمم حالة النسيان لتشمل الجميع، وكيف تنسى، السطر الثالث يجيب الشاعر: 

مرتجفةً خلف الأبواب.

وإن درجت عادة التسطير عند البعض بحرصهم على ألاّ تكون السطور طويلة، نلاحظ أن وديع سعادة لا يأبه لهذه الحسابات، بل يفتح حواراً مع القارئ، وحواراً للقارئ مع نفسه، ودائماً ثمة مقدمات وثمة نتائج واخزة، إذ يقول:

ستخرجون بقميصٍ صارخةٍ لتقابلوا اعتزالاتكم.

في الليل أو في النهار

ستخرجون

وعلى حدةٍ يقابل كلُّ واحد اعتزالاتِه

ينقّب طويلاً في مزارع الحقول

ولا يجد كنز حياته..

الشاعر السوري الراحل رياض الصالح الحسين تميّز بقدرته الفائقة على ترويض الكلمات، ومنحها في سياقاتها الشعرية معاني مغايرة، لكنها واضحة وسلسة، ومليئة بتناقض الحياة في آن

الشاعر السوري الراحل رياض الصالح الحسين تميّز بقدرته الفائقة على ترويض الكلمات، ومنحها في سياقاتها الشعرية معاني مغايرة، لكنها واضحة وسلسة، ومليئة بتناقض الحياة في آن. وفي قصيدته هذه يمتلك خصوصيته في التسطير والتقطيع، وغالباً ما يعتمد على اكتمال المعنى ليتبعه بآخر، إما مناقض أو مكمل، ليس للجملة وحسب، بل للمجاز الذي يصبو إليه. فـ "حار كجمرة" مفردتين لكنهما معبرتين تماماً عن المعنى، ليتبعهم بمعنى مناقض بدلالات الكلمة القاموسي والاصطلاحي، و"بسيط كالماء"، ويأتي الوضوح المغاير، إنه وضوح "طلقة مسدس" الذي يريد الحياة مخاطباً الأحجار التي لا تحب الموسيقا:

حارٌّ كجمرة

بسيط كالماء

واضح كطلقة مسدَّس

وأريد أن أحيا

ألا يكفي هذا

أيَّتُها الأحجار التي لا تحبُّ الموسيقى؟

الأمثلة كثيرة عن التقطيع أو التسطير المزاجي للقصيدة النثرية، وربما يكون ذلك كمقياس أو معيار للمقارنة بين شاعر وآخر، وقدرة كل منهما على امتلاك شكل قصيدته الخاص. وأيضاً بين مترجم وآخر للشعر إلى العربية، وقدرة هذا أو ذاك على تسطير القصيدة كما كانت في لغتها الأصلية.

 

رياض الصالح 12.jpg
رياض الصالح الحسين (رسم جمال الجراح)

 

وأخيراً يلح السؤال القديم الجديد: لماذا يطلق البعض على هذا اللون الأدبي كلمة "شعر" ولماذا لا نعتبره مجرد نص نثري؟ وهل التسطير يمنحه مواصفات القصيدة؟ وهل ثمة انتحال أو تقليد للبناء الفني الشكلي الخاص بالقصيدة النثرية؟ وهل يتملك نقّاد القصيدة النثرية أدواتهم النقدية لتقييم الشكل الفني للقصيدة أو للتفريق بين شكل وآخر أو بين تسطير وتسطير؟

وكيف لنا أن نقيّم، مثلاً، مستوى تسطير النص النثري التالي:

أنظرُ من النافذةِ

نحوَ النهر

الذي يلامس جذوع الأشجار

تظلله قناطر الجسر

أرقبُها مع حلول الليل

قربُها مصباحٌ

يضيءُ طريق المراكب الحزينة؟

كلمات مفتاحية