"الإحباط السنّي" في لبنان يتحول إلى كسر للزعائمية

2022.05.29 | 05:56 دمشق

fplulckxsay_ow8.jpg
+A
حجم الخط
-A

في ظل توقف مجريات الاتفاق النووي الإيراني في فيينا والمحادثات السعودية-الإيرانية، والتعطيل الحاصل إثر مطالبات إيرانية برفع الحرس الثوري من قائمة الإرهاب، والقلق الأميركي من حصول إيران على مواد انشطارية لازمة لصنع قنبلة نووية واحدة التي تزداد إمكانيتها منذ عام بحسب جين ساكي، المتحدثة باسم البيت الأبيض، تكثّفت الجهود السعودية في عدة دول، بدءًا من اليمن حيث المجلس الرئاسي الجديد المدعوم سعودياً وإماراتياً، وإصلاح العلاقات التركية-السعودية الذي يشكّل قلقاً لإيران إذ من الممكن تحوله إلى تعاون عسكري بين البلدين. إلى العراق إذ يمكن للتقارب التركي السعودي أن يوطّد نفوذ كلا الطرفين في البلاد حيث أوجس السفير الإيراني في بغداد إيرج مسجدي قلقا فيما قبل من النفوذ التركي في العراق، كما دعا القوات التركية للانسحاب من الأراضي العراقية. إلى سوريا حيث الكلام عن إعادة دعم المعارضة، وتزايد الحشود التركية شمال سوريا. وصولاً إلى لبنان حيث الدعم السعودي قبيل المعركة الانتخابية للقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، كما للائحة تواجه بيروت التي يرأسها بشكل غير مباشر فؤاد السنيورة، والتي لاقت دعما من المفتي عبد اللطيف دريان الذي التقى بدوره سفراء السعودية وقطر والكويت، وكان صريحاً في خطبة عيد الفطر حيث دعا للمشاركة والاقتراع الكثيف بحضور رؤساء حكومة ووزراء ونواب سنة، وكما وجّه خطباء المنابر للحث على المشاركة في الانتخابات وعدم المقاطعة.

وعلى ضفة أخرى، رفض سعد الحريري قبيل الانتخابات طلباً سعودياً له بالرجوع إلى بيروت وحث مناصري التيار على عدم المقاطعة، يأتي هذا مع مقال في جريدة عكاظ السعودية لكاتب يقال إنه قريب من الديوان الملكي بعنوان "سعد الحريري... أنا أو لا أحد" يطالب به الحريري باستغلال فرصته الأخيرة في التراجع عن قراره، إذ إن هذا الطلب أتى قلقاً من امتداد النفوذ الإيراني والسوري الذي تخدمه المقاطعة.

ولا شكّ، بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي، أن إيران أصبحت تدرك التفوق السعودي، فالإخفاق الذي مني به الثنائي الشيعي عبر انتزاع الأكثرية البرلمانية، وخرق مقعدين في الجنوب الثالثة التي أسقطت أسعد حردان-مرشح الحزب القومي السوري- ورمز الأوليغارشية المصرفية مروان خير الدين في لائحة الثنائي، كما ظفرت المعارضة في دوائر أخرى في مواجهة الثنائي، كبيروت الثانية التي كان القلق يعتري السعودية بشأنها، وهو نابع من قرار المقاطعة من أنصار تيار المستقبل، والذي يخدم في الأساس الثنائي الشيعي وحلفاءهما. كما الوتيرة المنخفضة التي تحدث بها الأمين العامل لحزب الله في خطابه الأخير، كلها من تجليات التراجع الذي واجهه الثنائي والنظام السوري وحلفاؤهم.

المفاجأة الانتخابية و"بيروت التغيير"

إذا ما نظرنا إلى نتائج الاستحقاق الانتخابي، في مناطق تمركز الحريري سابقًا، وجدنا في بيروت الثانية عكس المتوقع من المقاطعة، إذ تسجل هذه الدائرة تقدماً في نسبة الاقتراع عن 2018 بنسبة (+8%)، بينما نجد تراجعاً في كل من صيدا (-16%)، المنية والضنية (-15%)، وطرابلس (-10%). في حين كانت الأعين على بيروت الثانية التي تدور فيها المناورات الانتخابية والهمس في المقاطعة، وهذا يبرهن تراجع العاطفة الحريرية وخروج هذه المنطقة من عباءة أحادية التمثيل.

1968492_1652716890.jpg

 

كما نرى حصول اللائحة التغييرية على 3 مقاعد نيابية، في حين حصلت "هيدي بيروت" على مقعدين نيابيين وهي التي تضم الجماعة الإسلامية وقدامى تيار المستقبل، بينما تحصل بيروت تواجه، اللائحة المدعومة سعوديا والمدارة من فؤاد السنيورة، على مقعد واحد فقط، وحصلت لائحة الثنائي الشيعي على 3 مقاعد، مع مقعد واحد لجمعية المشاريع الحليفة لهم، كما حصلت لائحة فؤاد المخزومي، بييروت بدها قلب، على مقعد واحد فقط.

تعكس هذه النتائج تغيّراً مهماً في بيروت الثانية، فالحصول على 5 مقاعد بين هيدي بيروت وبيروت التغيير في مواجهة 4 مقاعد بين المشاريع والثنائي، بينما تخرج لائحة السنيورة بإخفاق ملحوظ وبنائب واحد، كما تؤول المساعدات المالية والحملات الانتخابية للمخزومي إلى الحصول على نائب واحد، يعني سقوط الزعائمية في هذه المنطقة التي كانت تشهد أحادية تمثيلية على الرغم من ضعف الممثل "تيار المستقبل" تدريجياً، فالذي كان يعطي التيار سابقًا زهر الظفر هو ضعف الأطراف السنية الثانية، فتشكلت بهذا قوة التيار -على ضعفه- بضعف الأطراف السنية الأخرى.

دار الفتوى وشماعة "الزواج المدني والمثلية الجنسية"

قبيل الانتخابات كانت خطب "المشايخ" ودار الفتوى تتمركز حول نبذ قرار المقاطعة والحث على الانتخاب وبعض الهمسات بذم المرشحين التغييريين لتأييدهم إقرار الزواج المدني، ولربما علت وتيرة الذم فيما بعد الاستحقاق، حتى بلغ الأمر إلى تبرؤ بعض المشايخ المقربين من دار الفتوى من المرشحين، لم يكن الاعتراض على دار الفتوى في صوابية الزواج المدني أو خطئه، إنما هو في التوقيت الذي يتم به طرح هذا الأمر، علماً أن سعد الحريري قال صريحاً فيما قبل بأهمية إقرار هذا الأمر، لكن هذا الإقرار لو تم طرحه، سيتم رفضه من أفرقاء آخرين، مما يعني أنه لا يمكن أن يكون أولوية في رفض اللائحة التغييرية.

في ظلال هذه المعارضة القيمية للائحة التي ألقت دعماً شعبياً سنياً، في مقابل الرفض من المرجعية السنية، ينتظرنا بحسب المادة 8 من قانون انتخاب المفتي مشاركة النواب السنة الحاليين في هذه العملية، مما قد يشكل نقطة توتّر عند دار الفتوى، والذي يجعلنا ننتظر القادم في العلاقة بين النواب التغييرين والمرجعية السنّية.

ما بعد الانتخابات والانهيار المستمر

ينتظر النواب العقبة الأولى في المجلس النيابي، حيث انتخاب رئيس المجلس، فالمقاعد التي تمتلكها القوات اللبنانية، مع المعارضة والمستقلين، أنهت الأكثرية التي كان يشكلها حزب الله وحلفائه في البرلمان اللبناني، مما يعني عدم انتخاب هؤلاء لنبيه بري، رئيس حركة أمل، وعلى هذا تنقسم هذه القوى بين رمي كرة النار في ملعب الخصم، حيث يتم طرح انتخاب عناية عز الدين نائب الثنائي، وبين الورقة البيضاء، لعدم خرق مقعد شيعي للمعارضة أو القوات. والعقبة الثانية في تكليف رئيس الحكومة، حيث الكلام عن ابتعاد السعودية عن تكليف الميقاتي مرة أخرى، والأسماء التي قد تطرح من قوى التغيير، ومع هذا يبقى حزب الله مصراً على تسمية نجيب ميقاتي بعد خسارة حلفائه السنة. أما العقبة الثالثة فهي انتخاب رئيس الجمهورية، حيث أبرز المرشحين لهذا المنصب: سمير جعجع باعتبار حصوله على أكبر كتلة مسيحية، وسليمان فرنجية حليف حزب الله وسوريا (مع استبعاد جبران باسيل بسبب العقوبات الأميركية عليه)، وبين هذين الخيارين قد يحصل الفراغ الرئاسي كما في 2016، وبين العقبات الثلاث، يلوح الدولار بارتفاع جنوني فوق 30 ألف ليرة لبنانية...