icon
التغطية الحية

الأدب بين النصّ والشاشة.. رواية "كل الضوء الذي لا يمكننا رؤيته" نموذجاً

2023.12.19 | 07:13 دمشق

يبلثل
+A
حجم الخط
-A

تبدأ أحداث رواية "كل الضوء الذي لا يمكننا رؤيته" لـ أنتوني دوير، في الـ7 من آب 1944، أواخر الحرب العالمية الثانية، بمشاهد إلقاء مناشير على أهالي مدينة سان مالو الفرنسية التي كانت تحت الاحتلال الألماني، مكتوب فيها: "ارحلوا في الحال إلى أرض عراء"، وفي منتصف الليل تبدأ الطائرات الأميركية بقصف المدينة الساحلية.

في هذه الأثناء، وفي أحد البيوت، تُجري فتاة عمياء بثّاً إذاعياً ويستمع إليها جندي ألماني يقيم بالقرب منها في فندق حوّله الألمان إلى ثكنة عسكرية. هي لا تعلم بوجوده، ولكنه يعرف أشياء كثيرة عنها من خلال بثها الإذاعي.

بداية هذه الرواية، الحاصلة على جائزة "بوليتزر"، وهي تقريباً ذاتها بداية مسلسل عُرض مؤخراً على منصة نتفليكس يحمل نفس العنوان.

وهذا يذكرنا بالسؤال المكرر: هل تتضرر الرواية الناجحة من الأعمال الدرامية التي تُقتبس منها أم تستفيد؟ ولماذا يتنصل بعض الروائيين من الأعمال الدرامية التي اقتبست من رواياتهم؟

المتن الحكائي للرواية والمسلسل

قد لا تكون هناك فروق كبيرة في المتن الحكائي بين المسلسل والرواية، فكلاهما يتحدث عن "ماري"، فتاة فرنسية عمياء تعيش مع والدها "دانييل لوبلان" في باريس. يفران وبحوزتهما حجر كريم "بحر اللهب"، الذي تفترض الأسطورة بأنه "حجر الحياة الأبدية"، ليلاحقهما أحد ضباط شرطة هتلر "فون رومبل" المكلف بجمع الأحجار الكريمة الثمينة.

تصل ماري مع أبيها إلى مدينة سان مالو ويقيمان عند عمها "إيتيان" المضطرب نفسيا والمنعزل عن الناس، والذي يبث برنامجا إذاعيا من عزلته، يتحدث فيه عن الفلسفة والعلوم والحياة بخطاب إنساني موجه للشباب، متجاهلا ضجيج الحرب، ويسرب بين ثنايا هذا الحديث الماتِع معلومات عن الاحتلال الألماني يحصل عليها من شبكة كبيرة من النساء اللواتي يلعبن دورًا داعمًا للمقاومة.

كانت ماري خلال حياتها في باريس مولعة بالاستماع إلى بث إذاعي لشخص يدعى "البروفيسور" على الموجة "13.10"، الذي يكرر مقولة "أهم الأضواء هو الضوء الذي لا يمكنك رؤيته". ولأنها عمياء، أصبحت هذه العبارة مصدر إلهام يضيء عتمتها الدائمة.

في المقابل، وبحياة منفصلة كليا عن حياة ماري، يعيش الفتى "فيرنر" في ألمانيا في دار للأيتام مع أخته، وهو مهووس أيضا بالبرنامج الإذاعي الذي يبثه البروفيسور. وبسبب تميزه في تركيب وإصلاح أجهزة الراديو، يُنتدب لمعسكر تدريب قاس ليخدم في الجيش الألماني.

لاحقا، تكتشف ماري أن عمها "إيتيان" هو نفسه البروفيسور، وتساهم في فك عزلته وخروجه من المنزل لتحتل مكانه في البث الإذاعي على نفس الموجة. يخفي "فيرنر" استماعه لها، ولكن الضباط الألمان يكتشفون تستره فيجبرونه على اقتفاء إشارة البث للعثور عليها.

لكن العديد من المفارقات اللطيفة تجعل لقاءهما المحفوف بالمخاطر ينتهي بمعجزة، فيحميها من الضابط الألماني "فون رومبل"، لتبدأ بينهما لحظات مفعمة بالحب والأمل والإيمان بأن الإنسانية قيمة تتجاوز كل الحدود.

الروايات التي تكون تحت دائرة الضوء غالبا ما تتحول إلى أفلام لاستغلال الضجيج المُثار حولها في التسويق للفيلم، أي أن العملية تسويقية بحتة، وتحيز القارئ للرواية على حساب الفيلم قد يكون بسبب رداءة الإنتاج

لا تقتصر الاختلافات بين السرد الدرامي والروائي على طريقة عرض الأحداث، بل يتعداها أحيانا إلى تغيير جذري لبعض الأحداث. ومن الأمثلة على ذلك، في الرواية، تعلم ماري بأن أباها سجين عند الألمان إذ يراسلها من سجنه، بينما في المسلسل، تختفي أثار الأب وتبحث ماري عنه حتى تكتشف في نهاية المسلسل أن "فون رومبل" قتله.

رواية "كل الضوء الذي لا يمكننا رؤيته" وليمة للحواس

الرواية ملحمية، كُتِبَتْ بالحس والحواس، وبروح شاعرية وعين سينمائية، وتناولت الأسطورة "حجر الحياة الأبدية"، وأهمية التكنولوجيا المستحدثة في الحروب من خلال "الراديو". كما اعتمدت في شكلها الفني على فصول قصيرة، يتضمن كل فصل مشهد واحد مع مشاهد فرعية مستدعاة بتقنية الاسترجاع الزمني "الفلاش باك". أحيانًا، يكون كل فصل عبارة عن قصة قصيرة منفصلة ومستقلة بذاتها.

المسلسل.. لغة مصطنعة وإيقاع بطيء

تبلغ مدة الحلقات الأربعة للمسلسل ثلاث ساعات و48 دقيقة، ولذلك يمكن اعتباره فيلما روائيا طويلا. جاء إيقاع الحركة في الحلقة الأولى بطيئا، واستخدمت اللغة الإنكليزية في المسلسل، مع العلم أن شخصياته وشخصيات الرواية فرنسية وألمانية، وكان من الأفضل أن تتحدث تلك الشخصيات بلغتها. هناك أيضًا إفراط في استخدام تقنية "الفلاش باك"، بالرغم من أن الرواية اعتمدت على هذه التقنية بطريقة أكثر سلاسة مما ظهر في المسلسل، فتسببت هذه التقنية في ضياع المُشاهد بين الماضي والحاضر.

النظريات تحكم العلاقة بين السينما والرواية

يُشير الدكتور حسن النعمي في كتابه "العلاقة بين النص والشاشة"، والذي اقتبسنا منه عنوان المقال، إلى وجود ثلاث نظريات تحكم العلاقة بين السينما والرواية؛ أولها تركز على النقل الأمين للأحداث وتفاصيل العالم الروائي إلى الشاشة. والنظرية الثانية تسمح للمخرج والكاتب بالتصرف بالنص وفقًا لرؤيتهم، والثالثة ترى أن العلاقة بين النص والصورة هي علاقة تناص باعتبار الفيلم عملاً فنيًا مستقلاً عن الرواية التي سبقته ولكنه متأثر بها.

بمحاولة إسقاط هذه النظريات على مسلسل ورواية "كل الضوء الذي لا يمكن رؤيته"، نجد أن المخرج والمؤلف حافظا على الهيكل الرئيسي للرواية، لكنهما غيرا كثيرا من الأحداث وأهملا بعض الشخصيات، وحذفا أخرى، وغيرا تفاصيل بعض الأماكن؛ فمنزل "إيتان" الذي يتكون من ستة طوابق في الرواية أصبح منزلًا ذو طابقين في المسلسل، لذلك لا يمكن أن يُنسب هذا العمل إلى النظرية الأولى، بل هو أقرب للنظرية الثانية، فهناك تصرف بالنص والأحداث وفقا لرؤية كاتب السيناريو "ستيفن نايت"، ومخرج العمل "شون ليفي" اللذان استطاعا معا تحويل مقاطع النص الروائي الممتلئة بالتفاصيل إلى حوارات بدت ثقيلة في بعض الأحيان، لكن كنتيجة نهائية نجح العمل بإمتاع المشاهد بقدر يوازي متعة القارئ لهذا السفر الروائي العظيم.

طبيعة التلقي بين الرواية والفيلم

الروايات التي تكون تحت دائرة الضوء غالبا ما تتحول إلى أفلام، وذلك لاستغلال الضجيج المُثار حولها في التسويق للفيلم، أي أن العملية تسويقية بحتة، وتحيز القارئ للرواية على حساب الفيلم قد يكون بسبب رداءة الإنتاج، أو قد يعود لاختلاف طبيعة التلقي عند البشر.

كما أن أدوات الاستقبال مختلفة بين الرواية والفيلم، فالكلمة المقروءة التي تحمل المعنى في الرواية، يعيد تجسيدها القارئ بمشاهد بصرية متخيلة ثم يؤولها، أما في الفيلم فالصورة هي حاملة المعنى، وبالتالي يقوم المشاهد بالتأويل مباشرة. أي أن قارئ الرواية يتخيل ثم يؤول، بينما مشاهد الفيلم، يشاهد دون عناء التخييل ثم يؤول، والمخرج في نهاية الأمر هو قارئ يمتلك إمكانات فنية وإنتاجية لتحويل ما قرأه ثم تخيله إلى صور ومشاهد، لذلك فاختلاف تجسيده لتخييله من خلال مشاهد الفيلم قد يختلف عن الصورة التي تخيلها القارئ أو حتى الروائي نفسه. وهذا من أهم الأسباب التي تجعل الكثير من الروائيين يتبرؤون من الأعمال المقتبسة من رواياتهم.

رسائل إنسانية

ختاماً لا بد من الإشارة إلى أنه في ظل جرائم الحرب التي يعيشها العالم اليوم في غزة وسوريا، وأمام مشاهد الدمار الهائل للمدن فوق رؤوس قاطنيها، يأتي مسلسل "كل الضوء الذي لا يمكننا رؤيته" ليقدم رسالة إنسانية أقرب للمثالية، متجاوزا خطاب الكراهية الذي يسود على هوامش الحروب، ومحاولا إعادة التوازن للإنسان والعالم، فالفن "وسيلة تمنح الإنسان توازنا في العالم الذي يحيط به" وفق أرنست فيشر.