احتفاء بظهور كاتب اسمه عماد كركص

تاريخ النشر: 28.05.2021 | 08:30 دمشق

آخر تحديث: 29.05.2021 | 09:45 دمشق

احتفاء بظهور كاتب سوري اسمه عماد كركص

"جزء من النص مفقود"، عنوان مجموعة قصصية صادرة عن دار موزاييك بتركيا، للكاتب عماد كركص، وهي باكورة إنتاجه الأدبي، تقع في 172 صفحة.

بينما أنا أطالع قصص هذه المجموعة، إذ حضرتني أفكار عديدة؛ أولها أننا يجب أن نفرح، ونحتفي بظهور هذا الكاتب الذي يمتلك ناصية النثر الأدبي، ويتسلح بموهبة قوية، ضمن هذه الظروف الكارثية التي تمر بها بلادنا.

يكتب عماد كركص بطلاقة استثنائية، يدل عليها تحركُه ضمن فضاء نصه القصصي جيئة وذهاباً، وتشريقاً وتغريباً، دون أن تفلت منه خيوط الحبكة، أو يتخلى عن رسم شخصيات القصة وزخارفها وتلاوينها.. ولعل الأمر الأكثر إدهاشاً أن عماد لا تظهر لديه ارتباكات الكاتب المبتدئ الذي يتملكه هاجس البحث عن أفضل شكل (لوك) يظهر به أمام القراء الذين يجهلونه، ولا يجد نفسه مضطراً للفذلكة، أو التملُّح، أو ما يسميه أهل إدلب: طق الحنك.

تذكرني بدايات عماد كركص ببدايات الصديق الراحل القاص تاج الدين الموسى الذي، وبكل بساطة، أرخ للقرية السورية الشمالية، البعيدة، المهملة، إذ وجد فيها أشياء كثيرة تستحق الاهتمام والتأرخة الأدبية، فحكى عن مشاكلها وتناقضاتها التي تبدو صغيرة، ولكنها، في الواقع، تروي قصة الجهل، والتخلف، والاستبداد العضال.. ومما تجدر ملاحظته أن "تاج" أطلق على قريته الأدبية اسم "المركونة"، وأما عماد فسماها "الضَحّيكة" وكلا التسميتين معبرتان عن واقع الحال، المركونة هي البعيدة المهملة، والضحيكة كثيرة الضحك والإضحاك مما يجري على أرضها من مهازل.

الضحيكة عند عماد كركص هي القاسم المشترك في القصص الـ 14 التي تتألف منها المجموعة، وفيها شخصيات ثابتة توجد في معظم القصص، وأخرى تظهر مرة وتختفي، ما يوحي لنا، عندما ننتهي من القراءة بأننا كنا نقرأ رواية واقعية ساخرة، وظريفة، مقسمة إلى فصول متعددة.

على الرغم من الجانب المأساوي المرتسم على خلفية النصوص القصصية، إلا أن أحداثها كاريكاتورية، تجعل القارئ يضحك على نحو عفوي، وتلقائي

على الرغم من الجانب المأساوي المرتسم على خلفية النصوص القصصية، إلا أن أحداثها كاريكاتورية، تجعل القارئ يضحك على نحو عفوي، وتلقائي، فالسيدة الثرثارة الفضولية حفيظة تعلقت بالوافدة الجديدة إلى قرية الضحيكة "شهلا" واستلمها بالأسئلة، على طريقة "عشرة بلدي"، حتى عرفت منها (بعد أن حلفت لها بأغلى الغوالي أن ذلك سيبقى سراً) أن زوجها عدنان، قد نبقت له "قيلة مائية"، وهذا ما أدى إلى حرمانهما من الخلفة.. فأشفقت عليها، وقررت كتم السر، وكانت صادقة في نيتها هذه، ولكنها عرفت أن عدنان يعمل في التمديدات الصحية، فاستبشرت خيراً، وطلبت منها أن يأتي زوجها ويساعدها في إعادة تركيب المجلى، لأنه مرتفع، ويُتعبها أثناء الجلي، وهذا ما حصل، ولكن عدنان، وهو يحمل المجلى الجديد، أفلت من يده، ووقع على الأرض وانكسر، فانفتحت عليه حفيظة وراحت تعيره بأنه "مقيول"، مستفيدة من العرف الشعبي بأن المقيول لا يستطيع حمل شيء ثقيل!

الجانب الكاريكاتوري، في قصة "أبو قيلة"، بسيط، يقوم على فكرة واحدة، وحركة واحدة، وأما قصة "جائزة أفضل مدرب" فتبدو وكأنها فيلم كارتون، يتألف من مشاهد متتالية، يسلط فيها الكاتب الضوء على خيبات أهل الضحيكة في مشاريعهم الحياتية التي يمكن اعتبارها سلسلة غير متناهية من الإخفاق، والإصرار، مع ذلك، على المتابعة بعناد أسطوري، فـ سمعو وصبحي لم يتمكنا من تحقيق حلميهما في أن يصبحا لاعبي كرة قدم مشهورين، فذهبا باتجاه التدريب، وراح كل منهما ينتقي فريقه من شباب الضحيكة، واحتدمت المنافسة بينهما حتى وصلت إلى حد أن يتقاسما إحدى المباريات، فيدرب أحدهما الشوط الأول من المباراة، ويدرب الآخر الشوط الثاني، ويذهبان باتجاه دفع الرشاوى لمدرب الفريق الخصم، لكي يسمح لفريقهما بإحراز الأهداف في مرمى فريقه، خلال الشوط الخاص به، وهذا ما يمر بسلام في الشوط الأول، ولكن الأمور تخرج من يد المدرب المرتشي في الشوط الثاني، ويلعب فريقه بشكل رائع، ويلحق بفريق سمعو وصبحي خسارة مهينة.

يضحك أهل الضحيكة على أنفسهم، وعلى بعضهم بعضاً، وعلى الآخرين، وتتوفر لديهم، دائماً، نية لصنع المقالب التي تكون، في بعض الحالات، خشنة، وذات كلفة فادحة. فأبو شاهين، البعثي المخضرم، الذي أصبح إدارياً في شعبة الحزب، أصبح يشعر بأن معظم الشعارات التي يطلقها الحزب أصبحت جوفاء، حتى امتلك قدراً لا يستهان به من اللامبالاة.. وبعد اغتيال شخصية مهمة في دولة مجاورة (يقصد رفيق الحريري بالطبع)، وُجهت اتهامات لسلطة البلد التي يعيش فيها أبو شاهين (سورية)، فقررت السلطة الحاكمة عندنا إلصاق تهمة الاغتيال بـ العدو الغاصب (إسرائيل)، وراحت تشيع بين الناس رواية ساذجة، ملخصها أن الكيان الغاصب زرع جواسيس له في كل مكان من بلادنا، بقصد زعزعة الأمن والاستقرار.. في المقهى، حيث يجتمع الرفاق البعثيون الصغار الذين يعتبرون أنفسهم "نخبة أهل الضحيكة"، قال أبو شاهين بمنتهى الجدية إن وفداً من الصهاينة زاره في بيته ليلاً، وكان أعضاء الوفد واضحين معه، إذ طلبوا منه إعطاءهم أسماء مَن يثق بهم لأجل تشكيل "خلية تجسسية صهيونية" هنا، في الضحيكة.. وأثناء حديثه كان الرفاق يقاطعونه، ويسبونه، ويحشكون له، وأحدهم بصق في وجهه، لأنه، وبكل صفاقة يفتح بيته لأعداء الوطن المتآمرين، وأما هو، فكان يستمهلهم، ويطلب منهم سماع حكايته للآخر، حيث زبدة الكلام، وهي أن الجماعة (يعني الصهاينة) سيدفعون لكل متطوع يقبل بالعمل معهم عشرة آلاف دولار شهرياً.. ثم تركهم ومضى، وفي الليل، كانوا يأتون إليه، واحداً واحداً، وهم ملثمون، ويطلبون منه تسجيل أسمائهم ضمن الخلية التجسسية.

أسلوب عماد كركص القصصي يقوم على ركنين أساسيين، الأول هو الفكرة، أو الحكاية الطريفة، والثاني هو النسج الهادئ حولها، أو على منوالها

يجدر بنا أن نشير إلى أن أسلوب عماد كركص القصصي يقوم على ركنين أساسيين، الأول هو الفكرة، أو الحكاية الطريفة، والثاني هو النسج الهادئ حولها، أو على منوالها.. وأحياناً تكون الفكرة عادية، وهي رسم صورة كاريكاتيرية لمطرب ذي صوت قبيح.. فكما تعلمون أن شاعرنا الهجاء الكبير ابن الرومي لم يترك مطربة أو مطرباً في عصره إلا وهجاهم كاريكاتيرياً، مثال ذلك ما قاله في أحدهم: 

فكأن جرذان المحلة كلها

في حلقه يقرضنَ خبزاً يابسا

الرجل الذي يرسمه عماد كركص ذو صوت قميء، وثقافة موسيقية ضحلة، ومع ذلك مصاب بهوس الغناء، وإحياء الحفلات، يتحول إلى مسخرة بين أهل الضحيكة والقرى المجاورة، ويستمر الكاتب بالنسج على حكايته حتى يصل إلى أن أحد أصدقائه يتدبر له أمر إحياء حفلة عرس (من بابها)، ولكن الجرة تنكسر برأسه عندما قرر أن يفتتح الحفلة بموال صغير يقول فيه:

ضليت أعدّ النجمْ

طلعوا تلات نجماتْ

وحدة لسيادة الرئيسْ

وتنتين للوحداتْ

فانهال عليه أهل العرس، وبضمنهم العريس، ضرباً، بعدما شحطوه عن المنصة، إذ تبين أن العريس معارض يساري، بقي معتقلاً في سجون النظام عشرين عاماً، وعندما أطلق سراحه أراد أهله أن يزوجوه.. وأما مطربنا المحترم فيبوح لأصحابه بأن هذا "السيد الرئيس" مكوش على كل الدنيا، ولاحقني على شقفة حفلة بدي أغني فيها!