icon
التغطية الحية

اجتماع بغداد.. كيف لجم قاآني وكلاء إيران لوقف الهجمات على القواعد الأميركية؟

2024.02.27 | 15:46 دمشق

آخر تحديث: 27.02.2024 | 15:46 دمشق

قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاني
قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاني
The New York Times- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

كشف مسؤولين أميركيين وإيرانيين لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية تفاصيل الاجتماع السري الذي جمع قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني بقادة الميليشيات العراقية، لوقف الهجمات على القواعد الأميركية بعد مقل 3 جنود أميركيين في الأردن الشهر الفائت.

في البداية، ظهرت مخاوف في المنطقة من أن يؤدي العنف القائم على مبدأ العين بالعين لتصعيد النزاع في الشرق الأوسط، ولكن منذ الغارات التي أطلقتها الولايات المتحدة في الثاني من شباط لم تشن أي ميليشيا مدعومة إيرانياً أي هجمة على أي قاعدة أميركية في العراق، لكن ذلك لم يمنع من شن هجمتين طفيفتين في سوريا، وذلك بحسب ما ذكره مسؤولون أميركيون.

ولكن قبل ذلك سجل الجيش الأميركي ما لا يقل عن 170 هجمة استهدفت القوات الأميركية خلال الأشهر الأربعة الماضية بحسب ما ذكره مسؤولون في البنتاغون.

أثر الرد الأميركي

ويعبر الهدوء النسبي عن قرار اتخذه كلا الجانبين كما يوحي بأن إيران تسيطر إلى حد كبير على تلك الميليشيات.

أوضحت إدارة بايدن بأن طهران قد تحاسب على سوء تقدير القوات الوكيلة التابعة لها وعلى العمليات التي تنفذها، لكنها تجنبت أي هجوم مباشر على إيران، ولهذا قد يكون الرد الأميركي قد خلف أثراً برأي الجنرال المتقاعد كينيث ماكينزي جونيور الذي شغل منصب قائد القيادة الوسطى الأميركية، ويضيف: "إن المسألة تتلخص بهجوم الميليشيات أو عدمه، لكن الميليشيات لم تعد تهاجم في الوقت الحالي على الأقل".

يمثل هذا الهدوء أيضاً تحولاً كبيراً بالنسبة لإيران، إذ بقيت طهران طوال أشهر توجه قواتها الوكيلة في العراق وسوريا للهجوم على القواعد الأميركية في الشرق الأوسط وذلك ضمن الحرب الإسرائيلية الأوسع على قطاع غزة.

لأغراض هذه المقالة، أجريت مقابلات مع مسؤولين أميركيين وإيرانيين، بيد أنهم تحدثوا بشرط عدم ذكر أسمائهم وذلك لأنهم ناقشوا مسائل استخبارية.

 

مع اشتداد هجمات وكلاء إيران، ووصولها إلى الذروة التي أسفرت عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين، أعرب قادة إيرانيون عن قلقهم حيال حجم الاستقلالية التي تتمتع بها تلك الميليشيات والتي من المحتمل أن تقلب السحر على الساحر عندما تقود إيران إلى حرب أخرى، وذلك بحسب ما أورده مسؤولون إيرانيون وأميركيون.

يعلق على ذلك سينا آزودي وهو محاضر بجامعة جورج واشنطن وخبير بالأمن القومي لإيران، فيقول: "إنهم يخشون المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، لأنهم يعرفون بأنه في حال مقتل أي أميركي من جديد فهذا لن يقود إلا لشيء واحد وهو الحرب، ولهذا عليهم أن يكبحوا جماح الميليشيات وأن يقنعوها بأن الحرب مع الولايات المتحدة قد تضر طهران بالمقام الأول ثم محورها بأسره حال اتساع الحرب".

نسب متفاوتة من الاستقلالية

في الوقت الذي توجه فيه إيران كامل استراتيجيتها لـ "محور المقاومة"، أضحى مستوى السيطرة والتنسيق اليومي محل تمحيص، إذ تركز طهران جل نفوذها وتأثيرها على حزب الله، في حين تتلقى الميليشيات السورية والعراقية نسبة متوسطة من هذا النفوذ والتأثير، أما الحوثيون فهم الأشد استقلالية.

بدأت جهود إيران الساعية لكبح جماح تلك القوات مباشرة عقب مقتل ثلاثة جنود أميركيين في هجوم نفذته مسيرة في الأردن بتاريخ 28 كانون الثاني، بما أن واشنطن توعدت برد شديد.

قاآني وسياسة رفع اليد

يذكر أن الجنرال قاسم سليماني الذي يعتبر أرفع شخصية لدى الحرس الثوري الإيراني والذي قتل بغارة جوية أميركية عام 2020، هو من كان يكبح جماح الميليشيات الشيعية في العراق وسوريا، ويعود السبب الأهم لذلك في أنه خلال معظم فترة ترؤسه للحرس الثوري، كانت الحرب محتدمة في كلا البلدين، ولهذا أمر الميليشيات بمحاربة الأميركيين ثم تنظيم الدولة، ولكن عندما خلفه اللواء إسماعيل قاآني، كانت معظم تلك النزاعات قد خمدت، ولذلك قامت قيادة الجنرال قاآني على عدم التدخل مع تقديم الخطوط العريضة من التوجيهات، بحسب ما يراه محللون.

بيد أن الجنرال قاآني القائد الأعلى لفيلق القدس التابع للحرس الثوري المكلف بإدارة وكلاء إيران في الخارج، تورط في عمليات تنسيق الاستراتيجيات المضادة لإسرائيل والولايات المتحدة والتي نفذتها عدد من الميليشيات خلال الحرب الحالية على غزة.

ترأس هذا الرجل سلسلة من الاجتماعات الطارئة في طهران وبغداد أواخر شهر كانون الثاني، جمعته بمخططين استراتيجيين وكبار القادة العسكريين لدى الحرس الثوري وكبار قادة الميليشيات وذلك لإعادة رسم المخططات وتجنب الدخول بحرب مع الولايات المتحدة، وذلك بحسب ما ذكره عنصران إيرانيان من الحرس الثوري، أحدهما مخطط استراتيجي عسكري. وكانت وكالة رويترز أول من نقل خبر زيارة الجنرال لبغداد.

وفي بغداد، عقد الجنرال قاآني لقاء مطولاً مع ممثلي الجماعات المقاتلة الشيعية التي تعمل تحت مظلة تجمع يعرف باسم "المقاومة الإسلامية في العراق"، وقد نفذ هذا التجمع عشرات الهجمات على المقار الأميركية وأعلن مسؤوليته عنها، ولقد أنحت واشنطن باللائمة على هذا التجمع فيما يخص الهجوم الذي نفذته مسيرة والذي أسفر عن مقتل أميركيين.

أخبرهم الجنرال قاني خلال ذلك الاجتماع بأن إيران وعدداً من الميليشيات قد حققوا ما يكفي من المكاسب للضغط على الولايات المتحدة لأن الرئيس بايدن يتعرض لانتقادات شرسة بسبب دعمه الكبير لإسرائيل، ولكن ظهرت شقاقات بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وذلك بحسب ما ذكرته الشخصيتان الإيرانيتان المرتبطتان بالحرس الثوري. ثم إن حرباً بين طهران وواشنطن قد تهدد الهدف طويل الأمد المتمثل باجتثاث الولايات المتحدة من المنطقة بحسب ما ذكره الجنرال لأعضاء التجمع.

في بداية الأمر، رفضت أهم جماعتين مقاتلتين عراقيتين، وهما كتائب حزب الله وحركة النجباء، ما طلبه الجنرال قاآني والمتمثل بوقف الهجمات التي تستهدف الأميركيين، وتذرعوا بأن محاربة القوات الأميركية جزء لا يتجزأ من أيديولوجيتهم وهويتهم وذلك بحسب ما أوردته الشخصيتان الإيرانيتان.

 

بيد أن شخصيات سياسية نافذة في العراق بينها كبار رجال الدين الذين يعرفون باسم المرجعية في مدينة النجف الشيعية المقدسة، قد انضموا إلى الجهود الساعية لإقناع الميليشيات بوقف هجماتها، كما لعب دوراً في ذلك رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني الذي قال لقادة الميليشيات العراقية وللجنرال قاآني إن استمرار الهجمات على القوات الأميركية قد عرقل المفاوضات بين بغداد وواشنطن بشأن الانسحاب الأميركي من العراق وذلك بحسب ما ذكره مسؤولون إيرانيون وعراقيون.

وهكذا وافق القادة على مضض، إذ أعلنت كتائب حزب الله بأنها ستوقف هجماتها على القواعد الأميركية وبأن قرارها مستقل تماماً عن إيران.

استراتيجية إيرانية جديدة

هذا ولقد خرجت مشاورات الجنرال قاآني باستراتيجية جديدة تطالب الميليشيات العراقية بوقف كامل الهجمات على القواعد الأميركية في العراق، ويشمل ذلك منطقة كردستان العراق في الشمال، والسفارة الأميركية في بغداد. أما في سوريا، فقد طلب من الميليشيات هناك تخفيف شدة الهجمات التي تستهدف القواعد الأميركية بهدف تجنب إيقاع ضحايا وذلك بحسب ما ذكره مسؤولون إيرانيون وكشفته معلومات استخبارية أميركية. في حين يواصل اليمن هجماته بالوتيرة نفسها بحسب ما ذكره إيرانيون اطلعوا على تلك الاستراتيجية.

وبمجرد أن تراجعت الهجمات التي تستهدف الأميركيين، أحجمت الولايات المتحدة عن استهداف قائد ميليشيا واحد على الأقل بعد الثاني من شباط وذلك حتى تبقي فترة الهدنة قائمة وحتى لا تثير مزيداً من الأعمال العدائية بحسب ما ذكره مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية.

في حين ذكر مسؤول أميركي آخر بأن البنتاغون كان يتجهز لضرب مزيد من الأهداف التابعة للميليشيات إن اقتضى الأمر، لكنه ارتأى بأن تنفيذ مزيد من الغارات الآن قد يحمل نتائج عكسية.

أما المخطط الاستراتيجي العسكري التابع للحرس الثوري فقد ذكر بأن إيران اعتقدت بأن فكرة الحرب المباشرة مع الولايات المتحدة قد تفيد إسرائيل في وقت انقلب الرأي العالمي ضدها بسبب قتلها لعدد كبير من المدنيين وما تسببته من معاناة في غزة. إذ بعد مرور أكثر من عقد، أصبحت إيران تعتقد بأنها باتت تتمتع بشعبية كاسحة بين العرب الغاضبين على حكام بلادهم لعدم تقديمهم ما يكفي من الدعم للشعب الفلسطيني.

تعليقاً على ذلك قالت سابرينا سينغ الناطقة الرسمية باسم البيت الأبيض خلال الأسبوع الماضي: "وجدنا من خلال تقييمنا بأن إيران لا تسعى لقيام نزاع إقليمي أوسع، لكنها تدعم تلك الميليشيات التي تهاجم قواتنا".

تعتمد سياسة إيران على الإبقاء على عدد من الجبهات المفتوحة ضد إسرائيل وذلك من خلال وكلائها، طالما بقيت الحرب في غزة مشتعلة، وحتى لو تجنبت الميليشيات التي تشترك مع طهران في العقلية نفسها الإغارة على القواعد الأميركية.

إذ يتبادل حزب الله في لبنان إطلاق النار بصورة يومية مع الجيش الإسرائيلي، أما الحوثيون في اليمن فيهاجمون السفن التي تبحر في البحر الأحمر ويحاولون قطع الطريق على السفن التجارية وحرمانها من الوصول إلى الموانئ الإسرائيلية.

بيد أن هجمات حزب الله والحوثيين ستصبح أشد في حال اجتياح إسرائيل لرفح الواقعة جنوبي غزة والتي يقطنها أكثر من مليون مدني وذلك بحسب ما ذكره عنصران من الحرس الثوري اطلعا على استراتيجية إيران الجديدة.

في حين ذكر أسامة حمدان وهو قائد كبير لدى حماس، في مؤتمر صحفي عقد بإيران خلال الأسبوع الفائت بأن أي هجوم على رفح سترد عليه المقاومة بقسوة.

ولقد اعترف المسؤولون الأميركيون بأن الحوثيين يمثلون مصدر خطر كبير بالنسبة لهم، بيد أن الاستراتيجية الأميركية تجاههم تقوم على منع تحرك الترسانة الهائلة التي تملكها هذه الجماعة ومنع وصول شحنات الأسلحة إليها من إيران، مع الضغط للتوصل إلى وقف إطلاق نار في غزة.

 

وبما أن جزء كبيراً من المواجهة بين واشنطن وطهران في حالة توقف، ما تزال ديناميات زعزعة الاستقرار في المنطقة فاعلة وغير متوقعة، إذ دخلت إيران وإسرائيل في حرب ظل مستمرة، تخللها الهجوم الصريح الذي شنته إسرائيل على أهم خطين من خطوط الغاز في إيران وغارات استهدفت مباني سكنية مرتبطة بإيران في العاصمة السورية دمشق. بيد أن إيران لم تنتقم من إسرائيل بشكل صريح إثر تلك الهجمات.

يعلق على ذلك كولين بي كلارك وهو مدير قسم السياسات والأبحاث لدى مركز صوفان الاستشاري المتخصص بشؤون الاستخبارات والأمن، فيقول: "تتميز إيران بقدرتها العجيبة على المضي مباشرة نحو الخط من دون أن تتجاوزه... بيد أن هذا الوضع لا يبدو مستقراً، ولا يبدو أننا وصلنا إلى ذروته، لأن الأمور قد تتغير في أية لحظة".

المصدر: The New York Times