إيكونوميست: هل سيترشح دونالد ترامب من جديد؟

إيكونوميست: هل سيترشح دونالد ترامب من جديد؟

دونالد ترامب - المصدر: إيكونوميست
دونالد ترامب - المصدر: إيكونوميست

تاريخ النشر: 22.08.2022 | 19:04 دمشق

إيكونوميست - ترجمة: ربى خدام الجامع

من الأسئلة التي تحوم حول أميركا والغرب عامة: هل سيترشح الرجل الذي حاول أن يغير نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2020؟ والذي هدد بتمزيق أقوى تحالف عسكري في العالم؟ والذي أخذ يغازل فلاديمير بوتين عندما قرر الترشح للرئاسة مرة أخرى؟ إن حدث ذلك، فهل من سبيل لإيقافه؟ قد يبدو من المبكر جداً طرح تساؤلات كهذه، ولكن أول انتخابات تمهيدية لعام 2024 أصبحت على الأبواب وهي أقرب زمنياً من الانتخابات العامة الأخيرة التي أجريت قبل 94 أسبوعاً. إذ على الرغم من سجله السيء عندما تولى منصب الرئاسة، وسلوكه غير المقبول بعد إخراج الناخبين الأميركيين له من ذلك المنصب، إلا أن قبضة دونالد ترامب على الحزب الجمهوري باتت أقوى من قبل.

ثمة أهمية تتمثل بالهزيمة الساحقة التي منيت بها ليز تشيني في الانتخابات التمهيدية خلال هذا الأسبوع، لأن تلك الانتخابات حرمت الكونغرس من شخصية محافظة شجاعة وملتزمة، ولأن تلك الهزيمة تندرج ضمن نسق معين، وهي أن ليس كل مرشح يؤيده ترامب يجب أن يفوز بالانتخابات التمهيدية، إلا أن معظمهم نجحوا في تلك الانتخابات، ولعل المؤشر الأوضح على نفوذه هو أن غالبية المرشحين الخاسرين سعوا لتزكيته هم أيضاً. ما يعني بأن تلك السباقات لم تجر بين أنواع مختلفة من التوجهات المحافظة، بل لاكتشاف المنافس الأكثر التزاماً بمبدأ: لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى. ومن بين النواب الجمهوريين العشر الذين صوتوا لإقالة الرئيس من منصبه جزاء ما اقترفت يداه في 6 من كانون الثاني 2021، كان هنالك ثمانية إما على وشك التقاعد أو تقاعدوا بالفعل عند إجراء الانتخابات التمهيدية. وفي الوقت ذاته، كان مرشحو الحزب لشغل مناصب حساسة ومهمة لإدارة الانتخابات في بعض الولايات الأميركية أشخاصاً يدعمون مزاعم ترامب الخطيرة التي ترى بأن عملية التصويت في عام 2020 تعرضت للتزوير.

تزكية ترامب أساسية

تشير أوائل استطلاعات الرأي حول الشخصية التي يعتبرها الناخبون الجمهوريون مدافعة عنهم في عام 2024 إلى أن نحو 50% منهم يرون بأن ترامب يمثل تلك الشخصية. وفي ظل منظومة يمكن من خلالها للمرشح هزيمة منافسيه عبر حصد 30% من الدعم الصرف في أوائل الولايات، تصبح نقطة البداية تلك ضخمة وكبيرة. إذ قبل بضعة أشهر فكر الناخبون الجمهوريون بعدما تعبوا من ترامب بالانتقال لتأييد حاكم ولاية فلوريدا، رون ديسانتيز، أو أي شخص آخر يقدم مشروعاً يقوم على إعادة الأمجاد العظيمة لأميركا دون أي مبالغة. واليوم، يرجح لديسانتيز أن يدرك أخيراً بأن أقصى ما بوسعه أن يحصله في البيت الأبيض هو الترشح لمنصب نائب ترامب حال ترشح الأخير للانتخابات الرئاسية.

يمكن أن تتغير الكثير من الأمور ما بين اليوم وأول انتخابات تمهيدية للحزب الجمهوري، ولكن إن لم يقرر ترامب عدم الترشح، أو إن منعه شيء عن الترشح، فيبدو بأنه سيفوز بترشيحات الحزب الجمهوري، وهذا ما يقودنا إلى السؤال التالي: هل من سبيل لإيقافه؟

ثمة عقبة أولى وهي القانون، إذ تم الكشف عن أحدث التحقيقات الكثيرة التي أجريت حول ترامب وذلك عندما وصل مكتب التحقيقات الفيدرالي لمنتجع Mar-a-Lago الذي يمكله ترامب في فلوريدا مع بداية هذا الشهر، إلا أن الكثير من الأمور بقيت قيد الكتمان. أما المذكرة التي لم تختم بختم رسمي فقد جاء فيها بأن وزارة العدل الأميركية كانت تسعى وراء وثائق سرية أخذها ترامب من البيت الأبيض. وبمجرد الانتهاء من التحقيق، يمكن للمدعي العام ديريك غارلاند أن يقرر بأن تلك الوثائق بقيت في أيد أمينة، أما الدعوى التي ستقام بعد ذلك فيمكن أن تقوم على مدى حساسية تلك الوثائق.

ترامب.. باق

غالبية الجمهوريين، ومنهم ديسانتيز، وقفوا خلف ترامب، وطالب أعلاهم صوتاً برفع دعوى ضد غارلاند ومطالبته بتعويض لصالح مكتب التحقيقات الفيدرالي، وهنا تكمن حالة الكيل بمكيالين، لأنهم سبق وأن طالبوا بحبس هيلاري كلينتون وذلك لاستخدامها مخدم الإنترنت لقراءة بريدها الشخصي. ولكن يجب على الديمقراطيين أن يتذكروا بأن لتلك السابقة حسنات ومساوئ، إذ في عام 2016 رفضت وزارة العدل محاكمة السيدة كلينتون.

أما التحقيقات الثلاثة الأخرى والتي تتصل بكذب ترامب حول إقراراته الضريبية، وعن خرقه للقانون في السادس من كانون الثاني، وعن مشاركته في مؤامرة إجرامية لتغيير نتيجة الانتخابات في جورجيا، في تشرين الثاني من عام 2020، فليست مؤكدة كالتحقيق الأول. وهنا يستحق ترامب أن نفترض بأنه بريء كما نفعل مع غيره، وينبغي على خصومه أن يحذروا من تكرار الأخطاء القديمة، إذ مع كل نكسة (أي تحقيق مولر، والمحاكمة الأولى والثانية من أجل عزله) تمنى هؤلاء استبعاده من المشهد، لكنه بقي هناك، ومايزال.  

إن تلك المشكلات القانونية تهيج دافع ترامب للترشح في حقيقة الأمر، إذ بعيداً عن السياسة، نجده مجرد مواطن عادي يتعرض لبعض القضايا والدعاوى. وطالما بقي مرشحاً لمنصب الرئاسة، فهو يرأس حركة فازت بـ 74 مليون صوت خلال الجولة الأخيرة. وهنا يصبح غارلاند وغيره ممن يجرون تلك التحقيقات أمام خيار لا يحسدون عليه، وهو إما محاكمة المرشح للرئاسة أو التخلي عن مبدأ سيادة القانون. إلا أن إخضاع ترامب لأي محاكمة، ومن ثم إدانته لابد وأن يذكي رغبته بالعودة. إذ من خلال جولة انتقامية، يسعى من خلالها للترويج لفكرة الانتقام من فكرة رفع دعوى ضده على يد النظام القانوني، يمكن أن تنطلق أسوأ الغرائز داخل ترامب وهذا ما سيزيد من استنزاف المؤسسات الأميركية.

خلال حقبة مختلفة، يمكن القول إن نفوذ الشركات ساعد أميركا على تهميش ترامب، بيد أن النفوذ السياسي للشركات الكبرى بدأ يأفل، مع تحول الحزب الجمهوري لحركة مخصصة للبيض من أبناء الطبقة العاملة، ومع زيادة عدد المحافظين من ذوي الأصول اللاتينية، إذ لم تحتج تلك الحركة على الصراعات الخارجية والهجرة غير الشرعية فحسب، ولم تقم فقط بتخفيض مخصصات الرعاية الطبية والضمان الاجتماعي، بل احتجت أيضاً على السياسات التجارية والهوية اليسارية التي طرحتها النخبة التي تحتل وظائف إدارية في مختلف بقاع العالم. ولهذا يرى غالبية الجمهوريين بأن الحزب قدم مصالح مؤشر ستاندارد آند بورز 500 على مصالح العمال الأميركيين، وواظب على ذلك على مدار فترة طويلة. لذا لا عجب أن تراقب الشركات الكبرى اليوم احتمال فوز الجمهوريين في تشرين الثاني المقبل بعين الخوف والريبة. أما ما تبقى من مؤسسات الجمهوريين فقد أضحت أشبه بحكومة المنفى، إذ أصبحوا يعربون عن انتقادهم لاستيلاء ترامب على السلطة، إلا أنهم يفتقرون إلى الوسائل التي تعيقه عن تحقيق ذلك.

خطأ أكثر من صح

إن لم يوقف ترامب حزبُه ولا القانون، فمن سيفعل ذلك إذن؟ تقترح العدالة الشاعرية على السيدة تشيني الترشح للمكتب البيضاوي ولو كان ذلك آخر عمل في حياتها، في محاولة لاستبعاد الناخبين الجمهوريين الذين لا يتحملون فكرة وضع إشارة خطأ بجانب اسم أحد الديمقراطيين. وفي حال تحول عدد كاف منهم في الولايات التي ينتخب غالبية سكانها الحزب الجمهوري خلال السباق الذي بات قريباً، فإن ذلك قد يحرم ترامب من الانتصار في المجمع الانتخابي.

من الأفضل أن نعتمد على حكمة الشعب الأميركي وذكائه، إذ من السهل نسيان أن ترامب خسر في الانتخابات. فخلال السنوات الأربع التي قضاها في الرئاسة خسر حزبه في كل من الكونغرس والبيت الأبيض. ثم إن أغلب الناخبين باتوا يدركون بأنه رجل خطر وليس بديمقراطي، ومعظمهم لا يرغب بعودته لشغل ذلك المنصب، أي أن السبب الذي جعل ترامب يشن حملة قاسية على مصداقية صناديق الاقتراع هو أنه يعلم تماماً بأن تلك الصناديق قادرة على إلحاق الهزيمة به.

 

 المصدر: إيكونوميست

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار