icon
التغطية الحية

إيكونوميست: إسرائيل تسخر من خطة السلام الأميركية

2024.02.08 | 15:19 دمشق

بلينكين في مكتب نتنياهو - المصدر: الإنترنت
بلينكين في مكتب نتنياهو - المصدر: الإنترنت
The Economist - ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

قوبلت مزاعم إسرائيل بالانتصار في حرب النكسة عام 1967 بقمة عربية في الخرطوم رفعت خلالها "اللاءات" الثلاث وهي: لا للسلام مع إسرائيل، لا للاعتراف بإسرائيل، لا للمفاوضات مع إسرائيل، بيد أن الحرب في غزة يبدو أنها خلفت أثراً معاكساً بحسب رأي المسؤولين الأميركيين، إذ إن السعودية التي تعتبر أهم دولة عربية أصبحت تقول نعم للسلام وللمفاوضات وللاعتراف بالدولة اليهودية، هذا في حال وافقت إسرائيل على إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة اللتين احتلتهما إسرائيل في عام 1967. ويحتمل عرض مزيد من "النَعَمات" إن جاز القول، ومنها نعم للضمانات الأمنية العربية لإسرائيل، ومزيد من العلاقات الدبلوماسية السلمية بل ما هو أكثر منها، ونعم للمساعدة التي ستقدمها الدول العربية في سبيل إصلاح السلطة الفلسطينية التي تتمتع بحكم ذاتي حتى تصبح قادرة على حكم غزة.

"لا" إسرائيلية كبيرة

تلك هي الرسالة التي حملها وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن لإسرائيل خلال هذا الأسبوع، عقب جولاته في شبه الجزيرة العربية، إذ تعتبر جولته هذه الخامسة من نوعها منذ السابع من تشرين الأول عندما هاجم مقاتلو حماس مستوطنات إسرائيلية أقيمت حول غزة، فقتلوا نحو 1150 شخصاً وأسروا 250 آخرين. ولكن إذا حكمنا من خلال رد فعل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فسنكتشف بأن إسرائيل هي من يرفض ويقول لا اليوم.

 

يبدو المشهد قاتماً في الشرق الأوسط، إذ يتبادل حلفاء إيران في لبنان إطلاق النار بشكل دوري مع إسرائيل، أما حلفاؤها في سوريا والعراق واليمن فيهاجمون القوات الأميركية. وقبل يومين من وصول الوزير بلينكن، استهدفت الغارات الأميركية الموجهة ضد القوات التابعة لإيران 85 موقعاً في المنطقة، وقتل أكثر من 27 ألف فلسطيني في غزة بعد مرور أربعة أشهر على الحرب، كما نزح معظم سكان غزة، وأصبحوا عرضة للأمراض والجوع. وتقف إسرائيل في قفص الاتهام بسبب ارتكابها لجريمة الإبادة أمام محكمة العدل الدولية. أما سمعة أميركا فقد تلطخت في عيون كثير من الناس بسبب الدعم العسكري والسياسي الذي يقدمه الرئيس جو بايدن لإسرائيل في سعيها لتدمير حماس.

فرصة للسلام

على الرغم من جولاته المكوكية بين القصور العربية الفخمة ومكاتب السياسيين الإسرائيليين الرتيبة، يحاول بلينكن تحويل المصيبة التي حلت بغزة إلى فرصة للسلام، إذ بدا المسؤولون الأميركيون مبتهجين بمحادثاتهم مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أي إن السعودية التي عوملت كدولة منبوذة في خطابات سابقة للرئيس بايدن أصبحت اليوم شريكة أساسية للاستراتيجية الدبلوماسية الأميركية التي تطمح لتحقيق الكثير، وتشتمل على تأمين فترة هدنة طويلة من القتال في غزة، مع صفقة لتبادل الأسرى والرهائن، بما يساعد على تحويل الهدنة إلى وقف إطلاق نار دائم، وقبول إسرائيل بقيام دولة فلسطينية، واعتراف السعودية بإسرائيل، مع ظهور التزامات أمنية أميركية جديدة. ويبدو أن الوزير بلينكن على قناعة بأن هذه الفترة في إسرائيل تشبه إلى حد بعيد الفترة التي أعقبت الحرب بين العرب وإسرائيل عام 1973، وفترة ما بعد الانتفاضة الفلسطينية التي قامت خلال عامي 1987-1991، أي إنها لا تشبه فترة حرب 1967 في شيء. إذ خلال تلك الفترات السابقة، تسبب الألم المترتب على قيام نزاع بعقد معاهدة سلام مع مصر في عام 1979، وتوقيع اتفاقيات أوسلو في عام 1993 مع إنشاء السلطة الفلسطينية.

السنوار عقبة في طريق السلام

ولكن يبقى الطريق لعقد اتفاق إقليمي غير مؤكد، وأحد أسباب ذلك يعود إلى أن الاتفاق بشأن الأسرى الذي يعتبر خطوة أساسية أولى في الخطة الأميركية يعتمد على رجل عقدت إسرائيل العزم على اغتياله، ألا وهو يحيى السنوار، قائد حماس في غزة، والذي يعتقد أنه يختبئ مع الأسرى ضمن متاهة من الأنفاق التي أقامتها حماس تحت الأرض في غزة.

يقال بأن بلينكن حمل معه ما اعتقد أنها أخبار مفعمة بالأمل على تلك الجبهة، إذ في السادس من شباط أخبره أمير قطر الشيخ تميم بن حمد بأنه تلقى جواباً من حماس بشأن صيغة اتفاقية الأسرى التي وضعتها إسرائيل وأميركا ومصر وقطر، وبأن قطر اعتبرت الجواب إيجابياً، فيما اعتبره الأميركيون معيباً وناقصاً ولكن يمكن الاشتغال عليه، بيد أن نتنياهو رفضه ووصفه بالوهمي.

إن تحققت تلك الصفقة، ستقوم مساومات كبيرة حول من سيتم إطلاق سراحه وكيف سيجري ذلك بالترتيب، أما النقطة الشائكة الكبرى فستبقى حول السؤال: هل سيستمر القتال بعد الهدنة كما قالت إسرائيل؟ إذ تصر حماس على وقف إطلاق نار دائم، وعلى انسحاب إسرائيل من غزة، بيد أن التسوية المرجح لها أن تتم يمكن أن تتمثل في صفقة تأتي على مراحل، وتأمل أميركا أنه حتى في حال التوصل إلى هدنة مؤقتة، قبل بدء شهر رمضان في مطلع شهر آذار في أحسن الأحوال، فإن ذلك لا بد أن يسهم في تغيير عقلية كلا الطرفين ويتيح لهما التفكير بما سيحدث بعد ذلك.

نتنياهو عقبة أخرى

بيد أن كل تلك الأمور سلطت الأضواء على نتنياهو الذي أعلن عن عزمه المضي في القتال حتى تحقيق نصر مبين على حد وصفه، إلى جانب معارضته لإقامة أي شكل من أشكال الدولة الفلسطينية. وهنا يعرب القادة العرب عن رغبتهم بممارسة الضغط عليه، ولكن حالياً، وعلى الرغم من تزايد خلاف الشارع، تفكر إدارة بايدن بأن قطع تدفق السلاح إلى إسرائيل سيجعل حماس تجترئ هي وغيرها من الجهات التابعة لمحور المقاومة الذي تديره إيران. وهذا ما دفع بلينكن ليؤكد على أهمية اتخاذ كل الإجراءات الممكنة لحماية المدنيين في غزة إلى جانب إدخال مزيد من المساعدات الإنسانية. ولذلك فرضت أميركا في الأول من شباط عقوبات على أربعة مستوطنين إسرائيليين متهمين بالعنف ضد الفلسطينيين، وقد انتقد نتنياهو هذا الإجراء ووصفه بأنه إشكالي جداً.

 

يعتقد بلينكن بأن المنطقة باتت على مفترق طرق، وبأن أحد الطرق يفضي إلى النجاة في ظل مستقبل يتسم بإيجابية وقوة كبيرة ويتم ذلك عبر دمج إسرائيل في المنطقة وتأمين أهم احتياجاتها الأمنية إلى جانب تحقيق طموحات الشعب الفلسطيني، في حين يفضي الطريق الثاني إلى الجحيم، ويتمثل باستمرار القتال في غزة وتصعيد الحرب مع حلفاء إيران. وعلى الرغم من أن بلينكن لم يقل ذلك صراحة، إلا أنه يبدو قلقاً على مستقبل القوات الإسرائيلية التي وصلت إلى رفح في الزاوية الجنوبية لقطاع غزة، وذلك لاحتشاد أعداد كبيرة من الفلسطينيين هناك، مما يهدد بدفعهم لقطع الحدود وصولاً إلى سيناء. وسعياً من بلينكن لتطمين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أعرب هذا الرجل عن الرفض الأميركي لأي حالة تهجير قسري للفلسطينيين من غزة.

تطالب أميركا إسرائيل بالموافقة على مسار عملي محدود بأجل ولا رجعة عنه من أجل إقامة دولة فلسطينية وذلك ضمن الاتفاقية التي ستوقع عليها أربعة أطراف هي أميركا وإسرائيل والسلطة الفلسطينية والسعودية، ومن الممكن للولايات المتحدة أن تعرض توقيع معاهدة دفاع مع السعودية إلى جانب السماح لها بتطوير تقنياتها النووية لأغراض مدنية، كما ستوافق من خلالها السلطة الفلسطينية الضعيفة على القيام بإصلاحات.

تنازلات عربية كرمى لعيون إسرائيل

وحتى تزيد هذه الاتفاقية جمالاً تفكر بعض الدول العربية بتقديم عروض إضافية تشمل تطمينات أمنية لإسرائيل، إلا أن الأمور لم تحسم بعد في هذا الاتجاه، على الرغم من أنه لا أحد يرجح بهذه الاتفاقية أن تشتمل على معاهدة دفاع رسمية، فدول الخليج ليس لديها جيوش جرارة، ولا ترغب بأن تظهر على أي جبهة في أي مواجهة أميركية-إسرائيلية مع إيران. ولكن قد تظهر أمور فضفاضة بشكل أكبر في المستقبل القريب، وتشمل الخيارات مزيداً من المشاركة على المستوى الاستخباراتي، ومنطقة دفاع جوي مشتركة ومحصنة بشكل كبير. وهنالك من يتحدث عن تدريبات عسكرية مشتركة، والتي قد تكون أمراً مستهجناً، إلا أن الوزير بلينكن يقول بأن هذه الدول العربية مستعدة لفعل أمور لم تكن مستعدة لفعلها في السابق مع إسرائيل ومن أجلها.

كما تبدو الدول العربية على استعداد لمساعدة السلطة الفلسطينية على إجراء إصلاحات، فمن المزمع أن يجتمع وزراء الخارجية لكل من السعودية والإمارات وقطر ومصر والأردن بمسؤولين من السلطة الفلسطينية في الرياض في الثامن والعشرين من شباط الجاري لمناقشة أمور الحكم. وقد ألمحت بعض المصادر العربية إلى أن الأردن قد يساعد في تدريب قوات الأمن الفلسطينية، في حين يمكن للإمارات أن تسهم في تحسين إدارة السلطة الفلسطينية.

لقد أوضحت الدول العربية بأنها لن ترسل قوات حفظ سلام إلى غزة في حال انسحاب إسرائيل منها، كما أنها لن تدفع من أجل إعادة الإعمار ما لم تلتزم إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. ومع ذلك تبدو تلك الدول متفهمة لحاجتها إلى إجراء تغيير أكبر من أجل تسوية القضية الفلسطينية التي طال أمدها، وإلا ستتعرض لخطر استغلال إيران وغيرها من الأطراف المتطرفة لهذه القضية وتجييرها لمصلحتها.

يقال بأن نتنياهو يبدي مرونة بالسر أكبر مما يبدو عليه في العلن، إذاً فهل سيرغم هذا الرجل نفسه على أن يقول نعم للسعودية؟ وفي حال قال لا، فهل سيكون من يأتي بعده على استعداد لقول نعم أكثر منه؟ هذا ما  لا يعلمه الوزير بلينكن ولا غيره على وجه التحديد.    

 

 المصدر: The Economist