إيران خسرت الشرق الأوسط.. مظاهرات لبنان والعراق خير دليل على ذلك

تاريخ النشر: 25.10.2019 | 15:12 دمشق

تلفزيون سوريا - ترجمة وتحرير ربى خادم الجامع

خلال فترة لم تتعد الشهر الواحد؛ اندلعت مظاهرات ضد الفساد وغياب الإصلاحات الاقتصادية في كل من العراق ولبنان، حيث كشفت الاحتجاجات غير المسبوقة التي هزت المدن والقرى الشيعية في كلا البلدين بأن النظام الإيراني قد فشل في بسط نفوذه وممارسة قوته في المنطقة. إذ بالنسبة للمجتمعات الشيعية في العراق ولبنان، فشلت طهران ووكلاؤها في ترجمة الانتصارات العسكرية والسياسية إلى رؤية اجتماعية-اقتصادية، أي ببساطة، لم تعد رواية المقاومة التي تسردها إيران تسمن أو تغني من جوع.

ومنذ بداية الثورة الإسلامية، كان لدى الحكومة الإيرانية والحرس الثوري سياسة واضحة ومفصلة وبعيدة المدى حول الطريقة الواجب اتباعها لتصدير ثورتها إلى المنطقة، وعلى الأخص إلى البلدان التي تتمتع بغالبية شيعية كبيرة. ولقد تحلت إيران بالصبر والمرونة عند تنفيذها لهذه السياسة، فقبلت بهزائم صغيرة مع تركيزها على الهدف الأساسي، ألا وهو السيطرة على العراق ولبنان وسوريا واليمن.

واليوم تبدو إيران وكأنها قد كسبت اللعبة التي لعبتها لفترة طويلة، فوكيلها في لبنان اكتسح الانتخابات البرلمانية خلال العام المنصرم، أما في سوريا، فقد تمكنت إيران من إنقاذ حليفها الأسد. وخلال السنوات الماضية، حققت إيران نفوذاً أكبر في بغداد من خلال وكلائها ومنهم قوات الحشد الشعبي والميليشيات الشيعية التي تم تشكيلها لمحاربة تنظيم الدولة.

ولكن إيران تغاضت عن نقطة مهمة في خطتها التي امتدت لأربعة عقود، ألا وهي الرؤية الاجتماعية-الاقتصادية التي تكفل لها تكوين قاعدة تدعمها. وفي الوقت الذي لم توفر فيه أي فرصة لتنضم إلى نسيج مؤسسات الدولة في المنطقة، فشل النظام الإيراني في الانتباه إلى أن السلطة والنفوذ بحاجة لرؤية مستقبلية، ومع تطور الأحداث في المنطقة، أخذت إيران تفشل في الحكم والسيطرة، والعراق ولبنان خير الشواهد والأدلة على هذا.

حري بالذكر أن إيران خلقت وكلاء لها في كلا البلدين، ومنحتهم السلطة عبر تمويلهم وتزويدهم بالسلاح، وساعدتهم على الوصول إلى مؤسسات الدولة، واليوم أصبح الشغل الشاغل لمؤسسات الدولة في العراق ولبنان يتلخص بحماية المصالح الإيرانية وخدمتها، بدلاً من حماية الشعب وخدمته.

هذا وقد وصف مراقبون الاحتجاجات الحالية في لبنان بأنها غير مسبوقة لجملة من الأسباب، فلأول مرة منذ مدة طويلة يدرك اللبنانيون بأن العدو يتربص بهم في الداخل، ويتمثل بحكومتهم والقادة السياسيين لديهم، ولم يعد يتبدى لهم كمحتل خارجي أو بالجهات التي تتمتع بنفوذ إقليمي. وعلاوة على ذلك، لم يتمكن القادة السياسيون من السيطرة على مجرى الاحتجاجات التي اجتاحت سائر الطوائف في كامل المناطق، بدءاً من طرابلس في الشمال وحتى صور والنبطية في الجنوب، مروراً ببيروت وصيدا، الأمر الذي يعكس قدرة المتظاهرين على التوحد بعيداً عن انتماءاتهم المذهبية والسياسية، ثم إن ما وحدهم هو الأزمة الاقتصادية المستمرة التي أضرت بالناس من كل الطوائف والأديان، وهذا ما عبر عنه أحد المتظاهرين بقوله: الجوع لا دين له.

إلا أن الأهم من ذلك كله هو أن هذه الاحتجاجات تعتبر غير مسبوقة منذ أن احتل حزب الله مكانة غير عادية في البلاد، بعدما ظل يفتخر لعقود من الزمان بحمايته للفقراء، ومحاربته للظلم، غير أن زعيم حزب الله حسن نصرالله قرر الانحياز للسلطة ضد الشعب الذي نزل إلى الشوارع، وفي ذلك نكسة كبيرة لحزب الله في تعامله مع الاحتجاجات التي تحدث الآن، والتي تعتبر أكبر تحد وخطر داخلي يهدد وجوده حتى هذه اللحظة.

ثم إن زعيم حزب الله لم يكن له الخيار في دعم حكومة رئيس الوزراء سعد الحريري عن عبث، فلقد أثارت مشاهد انضمام المتظاهرين الشيعة لإخوانهم اللبنانيين في الشوارع حالة من الهلع لدى قيادة الحزب، إذ لطالما كان الشيعة في لبنان عصب سلطة حزب الله داخلياً وإقليمياً، إذ كانوا يصوتون للحزب ولحزب أمل الحليف له في الانتخابات، كما حاربوا إلى صفه في لبنان وسوريا واليمن، وبالمقابل يتقاضى كثيرون منهم رواتب ويحصلون على خدمات تقدم لهم بسخاء من قبل إيران وحزب الله.

ولكن ولأول مرة منذ نشوء حزب الله في ثمانينيات القرن الماضي؛ ينقلب الشيعة اللبنانيون عليه، ففي النبطية، التي تعتبر معقل الحزب في الجنوب اللبناني، قام المتظاهرون الشيعة بإضرام النار بمكاتب قيادات الحزب.

وهنا ثمة عوامل ثلاثة أساسية تدخل ضمن هذه المعادلة، أولها تورط حزب الله الذي كلفه الكثير في الحرب السورية، والضغط الذي تمارسه العقوبات الأميركية على إيران والذي أجبر الحزب على قطع الرواتب والخدمات، الأمر الذي وسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء ضمن قاعدته الشعبية. وفي الوقت ذاته، أخذ حزب الله يسحب الشيعة من الأحياء الفقيرة ويزجهم في القتال بسوريا، بينما أخذ المسؤولون فيه يستفيدون من الثروات التي اغتنموها في تلك الحرب، الأمر الذي أثار حالة من النقمة والاستياء.

ثانياً: تم إجبار جمهور ناخبي حزب الله على تقبل حليفه نبيه بري كرئيس للبرلمان على أنه أهون الشرور وذلك للمحافظة على سلامة التحالف الشيعي، وبالرغم من أن فساد بري المعروف لدى الجميع يناقض رواية حزب الله حول الشفافية والاستقامة، تغاضى المجتمع الشيعي عن هذه الحقيقة لعقود من الزمن، ولكن عندما بدأ الاقتصاد اللبناني بالتدهور في الوقت الذي استهدفت فيه أموال حزب الله، لم يعد أكثر الشيعة قادرين على دفع فواتيرهم، ولم يعد أي منهم يطيق صبراً تجاه فساد بري وثرائه الفاحش.

ثالثاً: عمل حزب الله على التركيز بشكل كبير على قوته العسكرية، ومما عزز روايته تلك انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000 ومن ثم عقب حرب تموز مع إسرائيل عام 2006. كما ادعى الحزب أنه انتصر في سوريا على العدو الجديد المتمثل بالتطرف السني، غير أن كل هذه الانتصارات فشلت في التحول إلى حالة رفاه عامة، إذ لعل إيران استفادت من ذلك، غير أن الشيعة في لبنان أصبحوا معزولين أكثر من ذي قبل، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن انضمام المجتمع الشيعي للمظاهرات الآن يعتبر محاولة لإسباغ هوية لبنانية عليه بدلاً من الهوية الدينية التي لم تحمل له حتى الآن سوى الفشل.

وتتكرر القصة ذاتها في العراق، إذ خلال هذا الشهر، خرج مئات الآلاف من العراقيين في بغداد وفي المناطق الأخرى التي تتمتع بغالبية شيعية في جنوب العراق احتجاجاً على فشل الطبقة السياسية العراقية في تأمين الخدمات الأساسية والحد من معدل البطالة والفساد. فأتى القمع سريعاً وعدوانياً، ما أدى إلى مقتل أكثر من مئة متظاهر، حيث نشرت رويترز مقالة بعد مرور أكثر من أسبوع على الاحتجاجات تؤكد بأن الميليشيات التي تدعمها إيران قامت بنشر قناصة على أسطح الأبنية في بغداد بهدف قتل المتظاهرين بشكل متعمد.

هذا ويعتبر دور إيران في الرد على المظاهرات التي خرجت في العراق وفشل الحكومة في حماية مواطنيها خير دليل على النفوذ الذي تتمتع به طهران في البلاد، فالعديد من قادة الميليشيات السابقين المدعومين من قبل إيران أصبحوا الآن أعضاء في البرلمان والحكومة، وشرعوا بطرح أجندة طهران وتكوين اقتصاد بديل لإيران التي تعاني تحت وطأة العقوبات الأميركية.

وكما هي الحال في لبنان، ساعدت رواية إيران المناهضة لتنظيم الدولة في تشكيل قادة ميليشيات تابعة لها داخل البرلمان العراقي والذين تسربوا رويداً رويداً إلى مؤسسات الدولة في العراق. وكما هي حال نموذج حزب الله في لبنان، لابد وأن يكتسب وكلاء إيران من العراقيين -في حال ظلوا هكذا بلا رقيب أو حسيب- قوة شيئاً فشيئاً إلى أن يصبحوا أقوى حتى من الجيش العراقي، وبذلك سيصبح قرار الحرب والسلم بيد الإيرانيين.

غير أنها ليست صدفة أن يخرج الشيعة وحدهم إلى الشوارع في العراق، بعدما تعرض السنة للقمع لمدة طويلة من قبل الزعماء الشيعة وبقية المذاهب الأخرى، كما لم يقم الشيعة حتى تلك اللحظة بتوسيع هويتهم لتصبح هوية وطنية بدلاً من الاتكاء على هويتهم المذهبية. ولكن ثمة إحساس لديهم أنه في حال تواصل الاحتجاجات، فإنها لابد وأن تعم البلاد. فلقد عبر بعض السنة والأكراد في العراق عن دعمهم للمتظاهرين الشيعة، لكنهم ترددوا في الانضمام إليهم وذلك لئلا يوصم المتظاهرون بأنهم دواعش، وهي حجة اعتمدت عليها إيران في كل من العراق وسوريا للانقضاض على الانتفاضة في كلا البلدين.

ومهما ترتب على تلك الاحتجاجات في كل من العراق ولبنان، لن تسمح إيران بانهيار هياكل السلطة والنفوذ لديها دون قتال.

وفي كلتا الحالتين، ستبذل إيران قصارى جهدها، ففي لبنان، وبدلاً من التنحي والبدء بتنفيذ الإصلاحات من قبل الحكومة الجديدة عبر وزراء أكفاء، من المحتمل أن يقوم حزب الله والميليشيات التي تدعمها إيران بالاعتماد على القوة، وهذا ما أعلنه نصرالله بكل صراحة عندما ذكر أن حكومته لن تسقط.

ولابد وأن يحاول حزب الله أن يكرر الخطأ الذي وقعت به الحكومة العراقية وذلك عبر الرد بالعنف، إذ لهذا السبب قامت وحداته العسكرية بتدريب عناصر لا تنتمي لحزب الله وذلك لتقوم بالانضمام لما سماه كتائب المقاومة اللبنانية، والتي يتلخص دورها في التعامل مع التحديات المحلية بشكل دقيق، بما يسمح لحزب الله بالتبرؤ من مسؤوليته تجاهها. ففي محاولة سابقة لخلق ثورة مضادة، قام مئات من الشبان يحملون أعلام حركة أمل وحزب الله بالهجوم على المتظاهرين في عدد من المدن، إلا أن الجيش اللبناني منعهم حتى الآن من الاقتراب من المتظاهرين، غير أنهم تمكنوا من إلحاق الأذى الجسدي بهم، وإرهاب الناس وذلك خارج مدينة بيروت، لاسيما في المدن والبلدات الشيعية.

أما في العراق، فعلى الأرجح أن تلجأ الميليشيات المدعومة من قبل إيران إلى العنف مجدداً لقمع جولة جديدة من الاحتجاجات التي من المقرر لها أن تنزل إلى الشوارع في الخامس والعشرين من شهر تشرين الأول/أكتوبر. ودون الضغط الدولي لحل البرلمان وإجبار رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي على التنحي، يمكن للكثير من الناس أن يلقوا حتفهم، ولكن أياً كانت الحال، لابد وأن تهتز الصورة التي رسمتها إيران لنفسها كثيراً.

ثم إن القصة ذاتها تتكرر في عموم هذه المنطقة، إذ في كل مكان حققت فيه إيران مكسباً لابد للفوضى أن تعم، بدءاً من العراق وحتى لبنان، حيث بات من الواضح أن السلطة الإيرانية أصبحت لا تطاق، وعندما تصبح القاعدة الداعمة في البلد نفسه غير قادرة على تقبل إيران وحكمها، عندئذ لابد للمجتمع الدولي أن يأخذ ذلك بعين الاعتبار.

ولقد أثبتت الاحتجاجات الأخيرة بأن قوة إيران أكثر هشاشة مما يعرفه عنها العالم بأسره، والأهم من ذلك يتعين على دول العالم أن تذكر الشيعة بأنهم لا ينتمون لإيران وبأنه حان الوقت للبدء بالتعامل مع المجتمعات الشيعية بشكل مباشر.

فورين بوليسي - حنين غدار

للاطلاع على المقال من المصدر اضغط هنا

 

كلمات مفتاحية