أعنف موجة تصعيد تشهدها إدلب منذ عام 2021: إلى أين تمضي؟

2023.11.21 | 06:49 دمشق

آخر تحديث: 21.11.2023 | 06:49 دمشق

323
+A
حجم الخط
-A

تشهد إدلب شمال غربي سوريا منذ مطلع أكتوبر 2023 تصعيداً غير مسبوق يُنذر بانهيار أطول فترة تهدئة تمر بها البلاد منذ 3 سنوات ونصف، فيما يشبه نسبياً موجة القصف العنيف الذي تعرّضت له المنطقة بحدّة أقل خلال الربع الثاني من عام 2021. التصعيد جاء كردّ على الهجوم الذي تعرّضت له الكلية الحربية في حمص بالطيران المسيّر وأسفر عن مقتل وجرح عشرات الضباط، حيث اتّهم النظام السوري المعارضة بالوقوف خلفه.

ركّزت الضربات الجوية بشكل ملحوظ وكبير على المواقع العسكرية التابعة لهيئة تحرير الشام، فضلاً عن المواقع المدنية؛ حيث تسعى روسيا -على ما يبدو- لضرب القدرات العسكرية للمعارضة والضغط عليها بعدما تكرّر استخدامها للطائرات المسيّرة في تنفيذ الهجمات على مصالح النظام السوري وحلفائه، إضافة لتوسيع اعتماد الهيئة على تنفيذ عمليات خلف وعلى خطوط التماس والتي يؤدي استمراراها لاستنزاف قوات النظام وفتح مجال أمام قضم بطيء لبعض النقاط المتقدّمة لا سيما التلال الحاكمة.

لكنّ جبهات إدلب لم تشهد طول فترة التصعيد أي محاولات من قبل قوات النظام للتقدم أو تنفيذ هجمات برية كبيرة، مع غياب كامل للحشود والتعزيزات العسكرية الكبيرة باستثناء عمليات التبديل الدورية التي تجري عادة كل 25 يوماً، فضلاً عن عدم شنّ قوات النظام -سوى عدد محدود للغاية- هجمات عكسية لاستعادة السيطرة على النقاط المتقدّمة التي تمركزت بها الهيئة في محور الملاجة جنوب إدلب أواخر آب/ أغسطس.

إنّ عدم شنّ هجمات بريّة من قبل قوات النظام مع استمرار حملة القصف الجوي والصاروخي لا يعني أنّ التصعيد سيقف عند حدّ إلحاق أكبر ضرر بالبنية التحتية المدنية والعسكرية في إدلب، فهذا الشكل من الهجمات قد يؤدي فعلاً إلى انهيار نظام وقف إطلاق النار، وإلّا ما سارعت روسيا وتركيا للتواصل عبر القنوات العسكرية في تشرين الأول/ أكتوبر لاحتواء التصعيد، رغم تعثّر تلك المساعي.

الهيئة في إدلب إلى جانب فصائل المعارضة تمتلك جاهزية عسكرية كاملة تقريباً، لكنها غالباً ما تنتظر تنفيذ قوات النظام هجمات برية للقيام بعمليات معاكسة تقود إلى تحقيق اختراقات على خطوط التماس وخلفها

وسبق أن انزلقت جبهات إدلب من حالة التصعيد إلى المواجهة البرية عام 2018، عندما أخفقت تركيا وروسيا في إيجاد فهم مشترك لتطبيق مذكرة سوتشي، مما أدّى لتغيير خارطة السيطرة مع قوات النظام بشكل كلّي. نظرياً، تُشير الظروف الراهنة إلى عدم رغبة أيّ من ضامني أستانا بانهيار حالة الاستقرار الهش في إدلب؛ فروسيا -التي تسعى لضرب القدرات العسكرية للهيئة- قد لا تكون مستعدّة لإشغال مجهودها الحربي في عملية عسكرية واسعة في إدلب في ظل تركيزها على أوكرانيا التي تشهد تراجعاً في الدعم الغربي.

بدورها، إيران منشغلة -حالياً- بتعزيز انتشارها في جبهات شرق وجنوب سوريا استعداداً لأي مواجهة محتملة مع القوات الأمريكية والإسرائيلية على خلفية اندلاع الحرب في غزة؛ وبالتالي ليست بوارد تغيير طبيعة حضورها في جبهات إدلب حالياً والذي يقتصر على غرف العمليات المركزية خلف الخطوط وتقديم الخبراء في مجموعات المدفعية التابعة للنظام، فضلاً عن وجود مجموعات محدودة في المناطق الساخنة مثل جبهة الملاجة جنوب إدلب.

تركيا أيضاً تحرص على استمرار التهدئة وعدم انهيار وقف إطلاق النار إلّا أنّ استمرار التصعيد وما يُشكّله من تهديد بحدوث موجات نزوح جديدة واحتمال تعرّض مواقعها للاستهداف قد يدفعها لتخفيف التزامها بما يخص منع فصائل المعارضة والهيئة من الرد على الهجمات، لا سيما في حال تعثّرت القنوات الدبلوماسية بإعادة فرض التهدئة. وقد تدفع الظروف الراهنة الهيئة وبعض فصائل المعارضة لتنفيذ مزيد من الهجمات على مواقع النظام لاستنزافه وتحقيق مزيد من الاختراقات على خطوط التماس وخلفها تمهيداً لتغيير الوضع القائم.

والهيئة في إدلب إلى جانب فصائل المعارضة تمتلك جاهزية عسكرية كاملة تقريباً، لكنها غالباً ما تنتظر تنفيذ قوات النظام هجمات برية للقيام بعمليات معاكسة تقود إلى تحقيق اختراقات على خطوط التماس وخلفها، مثلما حصل خلال الأشهر الفائتة في جبهات جنوب إدلب وغرب حلب. بمعنى آخر، لا يبدو أنّ هدف الهيئة حالياً -ومعها بقية الفصائل- المبادرة لتنفيذ هجمات برية واسعة رغم أن الظروف الراهنة قد تكون مناسبة أكثر من أي وقت مضى؛ لكن حسابات الربح والخسارة من تكاليف عسكرية ومادية وجدوى سياسية قد تدفعها لاستبعاد هذا الخيار والتركيز أكثر على تغيير قواعد الاشتباك واستكمال بناء الدفاعات خلال الفترة المقبلة، فضلاً عن التركيز على تجميع القوة العسكرية والأمنية للوضع الداخلي.

وبالأصل، لدى الهيئة أولوية واضحة -حالياً- تتقدّم على خيار الدخول في مواجهات مفتوحة مع النظام بإدلب، وهي إحداث اختراق جديد في مناطق المعارضة شمال حلب والسيطرة على القرار العسكري للجيش الوطني عبر دعم بعض الفصائل للتفلّت من الهياكل الرسمية وبناء هياكل موازية تستطيع من خلالها النفاذ للمنطقة بشكل أكبر بعدما تعثّرت جهودها بالسيطرة العسكرية والأمنية المباشرة عليها.

بالمحصّلة، هناك حدود للتصعيد الكبير الذي تشهده منطقة إدلب وكذلك أهداف محدّدة للنظام وحلفائه، ولا يوجد ما يُشير إلى استعداد أي طرف للمضي قدماً فيه نتيجة الحسابات المعقّدة الراهنة داخل وخارج سورية، لكن الانزلاق إلى مواجهات عنيفة يبقى قائماً لأسباب تتعلّق بحجم الرد المتبادل على القصف ورغبة الأطراف في إلحاق أكبر ضرر ببعضهم، وتحيّن الفرصة لتغيير الوضع القائم؛ فالجميع ينظر لاتفاق التهدئة في المنطقة في حالة من عدم الرضا.