أعداء «الترند» وأنصاره

2022.06.06 | 07:00 دمشق

shutterstock_162877529-730x438.jpg
+A
حجم الخط
-A

هو خلاف يتكرر ويستعاد بأشكال متنوعة. يقع على إحدى ضفتيه كتّابٌ ومحللون وأكاديميون ومثقفون، وعلى الأخرى إعلاميون ومسوِّقو «سوشيال ميديا» ومنتجو مواد بصرية. ومحوره، على الدوام، دفاع الأولين عن دور مفترض لهم في صناعة الرأي العام وتنوير المجتمع المعني وتثقيفه، وتوجّه الفريق الثاني إلى تلمس ميل الجمهور والاستجابة لما يجذبه إلى متابعة هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك.

قبل عصر تزاحم الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي كان الخلاف بين الكتاب وبين التلفزيونات المحلية. وبين الكتاب «الجاد»، كما يوصف، وبين الروايات التجارية وكتب الطبخ والوعظ الذي يعتمد التهويل. غير أن هذه الشريحة الأخيرة قفزت سريعاً من مركب المطبوعات الشائخ في عصر الصورة. فتحول الجيل الأحدث من مؤلفي الروايات العاطفية والمثيرة إلى كتّاب سيناريوهات مسلسلات تلفزيونية، دون أن يشمل هذا جميع المشتغلين بكتابة السيناريو بالطبع. وانتقل الطبّاخون من وضع الأدلة الملونة للأطعمة، على طريقة «الشيف رمزي»، إلى برامج على الفضائيات وقنوات يوتيوب تدرّ دخلاً إضافياً. وكذلك فعل الوعّاظ الذين احتضنتهم منابر مرئية رائجة. وانسحب المثقفون من معركة كانوا قد أعلنوها يوماً ضد كرة القدم، بل انخرط بعضهم في متابعتها بحماسة بعد أن أصبحت شأناً عالمياً. وتراجع الكتّاب عن التذمر من تصدّر أخبار الفنانين واجهة المشهد بعد «عموم البلوى». وقنِع المحللون بالحيّز المحدد الذي تركته لهم وسائل الإعلام المرئية من تعليق على الأخبار أو تناولها في برامج سياسية حوارية خاصة.

بتركيز الرؤية على الحالة المحلية نتذكر زهد السوريين في متابعة السياسة الداخلية لبلدهم من التلفزيون الرسمي، طالما أنها كانت تقتصر على أخبار حافظ الأسد ومسؤوليه ووزرائه

عبر هذه النوافذ، في الحقيقة، عرف الجمهور أسماء «الأساتذة» و«الدكاترة» الذين قدّمهم المذيعون بتعريف مختصر لكنه معتبر ومهيب. وأراد الناس، الذين يستثقلون القراءة إجمالاً، أن يستقوا من هذه المجموعة من مرتدي البدلات الرسمية وربطات العنق والشوارب والنظارات الطبية، ما يعينهم على فهم ما يعيشونه من أحداث كبرى والتنبؤ بمستقبلها الذي سينعكس على الأوضاع العامة في بلدانهم وعلى حيواتهم الشخصية ضمناً.

بتركيز الرؤية على الحالة المحلية نتذكر زهد السوريين في متابعة السياسة الداخلية لبلدهم من التلفزيون الرسمي، طالما أنها كانت تقتصر على أخبار حافظ الأسد ومسؤوليه ووزرائه، بطريقة خشبية لا ينفع معها أي تحليل أو محاولة للاستشراف. وهنا كان لظهور قناة «الجزيرة» عام 1996 فعل السحر. فحين كانت تعالج شأناً سورياً في أحد برامجها الحوارية الساخنة كان يحظى بمشاهدة عالية. ثم لحقتها بقية الفضائيات.

غير أن النقلة من التلقي الساكن إلى التأثير في الواقع كانت مع انطلاق الثورة في 2011، وتحول السوريين إلى متابعين قلقين لأخبار بلدهم ومتلقفين شغوفين لما يمكن أن يقوله عنها المحللون من معارضي خارج كانت أسماؤهم تتداول للمرة الأولى على نطاق واسع، وثوار وناشطين في الداخل، وخبراء أجانب وعرب. وهنا ينبغي أن نشير مجدداً إلى أن هذا الاهتمام كان بدافع وجوديّ وحياتيّ هو حرص الناس على معرفة ما سيؤول إليه حال بلدهم، وأمرهم بالتالي.

في السنوات الأولى للثورة كان يمكن لهؤلاء الضيوف التلفزيونيين أن يسيروا بقطاع من مشاهديهم درجة إلى الأمام باتجاه قراءة المقالات والأبحاث والكتب، لو أنهم نجحوا في مهمتهم الأساسية في تحليل ما يجري وتوقع ما قد ينبني عليه. لكن الثورة، التي فاجأت الجميع، زجّت بالكثيرين في أتون القول بعد كسل ذهني طويل وتقادم معلومات. فتناثرت «التحليلات» بالأمنيات، والتي انقلبت إلى «آراء» قانطة لاحقاً. وأخذ الجمهور يفقد ثقته بهؤلاء «الأساتذة»، لقاءً إثر مقابلة، بعد أن تبيّن خطل ما يقولونه بمرور الزمن عليه، وتكراره. حتى صار بإمكان المتابعين النابهين التنبؤ بما سيقوله الضيوف المشهورون سلفاً. وبتراكم السنوات عزف الجمهور عن المشاهدة، واستسهل قطاع واسع منه «الصنعة» فانطلق يحلل على هواه بعدما امتلك «صندوق العدّة» الذي سمعه مراراً: «تآمر الجميع على الثورة»؛ «أميركا لو بدها تغيّره كانت شالته»؛ «عفرين مقابل الغوطة»؛ «التكويع»؛ «تحت الطاولة»؛ «الإتلاف»؛ «الأصدقاء المزعومون للشعب السوري»؛ «إعادة تعويم الأسد»... إلخ.

خان المثقفون «مهنتهم» إذاً. وبدل البحث عن معلومة جديدة وتحليل متسق للأحداث ونصٍّ ممتع؛ اكتفوا باستنساخ ما سبق أن قالوه، أو كتبه سواهم، بألفاظ مختلفة. واستمرؤوا تدبيج المقالات وتعدد الظهور الإعلامي دون عناية. فكانوا أحد أسباب انصراف المتلقين إلى المنوعات والأخبار الخفيفة والتسلية، ورغم ذلك أصروا على موقعهم المفترض بوصفهم «نخبة» موجِّهة أو «طليعة».

من غير المعقول، في رأيهم، أن نحافظ على الجمهور في حالة الاستنفار الشامل لأكثر من عقد. ملّ الناس من أخبار القصف واستعراض المآسي ومواد «المزاودة الثورية» بحسبهم

في الظل كان يقبع المسوِّقون والترنديون وهواة الترفيه، بما أن «اليوم أمرٌ» والدماء تسيل والقضية راهنة ساخنة. فلما بردت و«بان كِلاها» أمسكوا بزمام المبادرة. فمن غير المعقول، في رأيهم، أن نحافظ على الجمهور في حالة الاستنفار الشامل لأكثر من عقد. ملّ الناس من أخبار القصف واستعراض المآسي ومواد «المزاودة الثورية» بحسبهم. ولمنع انفضاضهم عن المنابر المعارضة يجب أن نقدّم لهم طرفة من هنا وأخبار ممثلة من هناك. وإذا تطلب الأمر تجاهل الموقف «السياسي» المشبِّح للأسد لهذا أو لتلك لا بأس، فهؤلاء «نجوم» نصطاد بهم اللايكات والمشاركات والمشاهدات. في سعي محموم، قليل الاحترازات، إلى زيادة رصيد المنصة من الزيارات والصفحة من المتابعات بغض النظر عن جودة المحتوى وطبيعته. رغم أن الجمهور يتفاعل مع المضمون الهام إن امتلك الجِدة والواقعية.

لا شك أن في حجج الفريقين كثيراً من الوجاهة وأكثر من المبالغة. فلا المشاهدون ولا القرّاء مضطرون إلى تحمّل تحليلات فاشلة وكتابات نمطية، ولا يليق فتح الباب، أوسع من اللازم، لنزعة «الجمهور عايز كده» المعنيّة بالترويج وحده. ومثل كل التحديات المركّبة في الإعلام يحتاج الأمر إلى خلطة من الخفة غير المؤذية والمحافظة على بوصلة يقظة.