"الجريمة والعقاب" لـ دوستويفسكي.. رواية محكمة الضمير المتجددة

تاريخ النشر: 06.02.2021 | 14:56 دمشق

آخر تحديث: 06.02.2021 | 17:10 دمشق

سهير أومري

تحفل المكتبة العالمية بالنتاج الفكري والثقافي والأدبي، ولكن بعض نتاجات العقول غير العادية تبقى أيقونات خالدة في ذاكرة الشعوب، من هذه الأيقونات رواية نفسية فلسفية اجتماعية اعتبرها المتخصصون في المجال النفسي مؤسِّسَةً لعلم نفس الجريمة، رواية "الجريمة والعقاب" واحدةٌ من روايات الأدب العالمي وكلاسيكيات الأدب الروسي، للكاتب فيودور دوستويفسكي، أحد أشهر الكتاب حول العالم وأحد مؤسسي المذهب الوجودي.

 نُشرت الرواية لأول مرة عام 1866م كسلسلة من الأجزاء في المجلة الأدبية الروسية "الرسول الروسي"، وبعد عام نُشرت بشكلها المعروف، ثم تُرجمت فيما بعد إلى أكثر من عشر لغات.

مبررات الجريمة

روسيا في القرن التاسع عشر، وتحديداً سانت بطرسبورغ، حيث يعيش راسكولينكوف الطالب الجامعي ذو الــ 23 عاماً الذي لم يتخرج بعد في الجامعة، ويعاني من الفقر والحاجة ويعيش على مساعدات أمه وأخته اللتين تعيشان في مدينة أخرى.

شاب مثقف ليس لديه أية سابقة جرمية، يعيش حالة من التخبط والعدمية، والصراعات المتشابكة بسبب واقعه الصعب وقلقه على أخته التي عرف أنها ستتزوج من رجل ثري لتنقذ أمها وأخاها من شبح الفقر.

يفكر راسكولينكوف في قتل مرابية عجوز جشعة وبخيلة لا لشخصها، بل لثلاثة مبررات:

الأول: لهدف نبيل يجده كافياً لجريمته، وهو إعانة المحتاجين.

الثاني: لأنه يريد أن يقتل المبدأ والضعف والخجل في نفسه.

الثالث: اقتداء بالعظماء الذين استحقوا أن تُنصب لهم التماثيل، في حين أنهم في الحقيقة سفاحون، وقد عبر عن هذه المبررات بمقال كتبه قبل ستة أشهر من جريمته بعنوان "عن الجريمة"، هذا المقال الذي حظي بشهرة واسعة، وانطلق منه المحقق فيما بعد في مناورات التحقيق معه، وتوقف فيه راسكولينكوف مع صنفين من الناس، وهم العاديون وغير العاديين، ووضح فيه أن الصنف الثاني هم الذين يسمحون لضميرهم بتخطي حدود معينة، فيتمكنون من ارتكاب الجرائم دون أن يطرف لهم رمش، بل يكونون في نظر الناس عظماء كنابليون، يقول راسكولينكوف: "إن السيد الحقيقي الذي يُسمح له بكل شيء يضرب طولون بالمدافع، وينظم مذبحة في باريس، وينسى جيشاً كاملاً في مصر، وينفق نصف مليون رجل في معركة موسكو، ثم ينسحب من الميدان، إن هذا عند موته تقام له التماثيل وكل شيء إذاً مسموح له".

إنسانية لا تمنع من الإجرام

يرصد الكاتب جوانب مهمة من البواعث النفسية للقتل من خلال حوار راسكولينكوف مع نفسه ومونولوجه الداخلي الطويل الذي يمتد على مدى صفحات الرواية الــ 800

يرصد الكاتب جوانب مهمة من البواعث النفسية للقتل من خلال حوار راسكولينكوف مع نفسه ومونولوجه الداخلي الطويل الذي يمتد على مدى صفحات الرواية الــ 800 بجزأيها الأول والثاني، إذ يخطط راسكولينكوف لجريمته بدقة، فيقتل المرابية العجوز وأختها التي يصادف أن تكون حاضرة في مسرح الجريمة، لكنه لاضطرابه وخوفه لا يتمكن من سرقة مالها كله، بل يحظى ببعض ما تصل إليه يده من مقتنيات صغيرة وبعض المال، ثم يغادر دون أن يترك وراءه أي أثر، ثم يدفن ما حصل عليه تحت صخرة دون أن يعاين أو يعدَّ ما سرق، أو يرجع إلى هذه الصخرة مرة أخرى، وهكذا ليكون كل ما حققه راسكولينكوف هو أنه أصبح مجرماً.

الشاب الطيب الذي لا يتوانى عن مساعدة الفتاة المشردة التي لحقها بعض السكارى في الشارع، ويتعرف إلى "مارميلادوف" الرجل الفقير الذي يحكي له عن ابنته سونيا، وكيف اضطرتها ظروف الحياة القاسية إلى أن تعمل عاهرة لتعيل العائلة، ويبادر لمساعدته عندما داسته العربة في الشارع، ويبقى معه حتى يفارق الحياة، ثم يقدم لزوجته العشرين روبلاً التي يملكها، ويصبح الملاذ الآمن لسونيا والحبيب المخلص لها، ويبدو أمامها رقيقاً حساساً ليقول لها ذات مرة: "أنا لا أسجد أمامكِ أنتِ، بل أمام معاناة الإنسانية كلها"، هذه الصفات تجتمع في إنسان واحد دون أن تمنعه أن يكون مجرماً.

السؤال الجوهري هنا إذاً أين العقاب؟

يمضي بنا الكاتب ليصور لنا شكلاً مريراً للعقاب يتمثل في صراع شديد يعيشه راسكولينكوف مع نفسه، يبدأ من إصابته بالحمى بعد ارتكابه الجريمة، ويستمر بحالة الهذيان التي تصيبه مع تكرار نوبات الحمى، وفقدانه القدرة على العيش بسلام، إذ يصبح مضطرباً قلقاً يفسِّر كل ما يحدث على أنه محاولات للإيقاع به، فنراه يعود إلى مسرح الجريمة بقدميه ليعاين المكان، فيثير حوله الشكوك والشبهات، ويفقد القدرة على التواصل مع الناس بمن فيهم صديقه المقرب (رازوميخين)، وأعز شخصين على قلبه أمه وأخته اللتين تأتيان إلى بطرسبرغ لتتزوج أخته من رجل ثري إعانةً لعائلتها.

ويستجمع راسكولينكوف كل قوته ليحول بينها وبين هذا الزواج، وتتشابك خيوط الصراع الذي يعيشه مع نفسه من جهة، ومع الشخصيات من جهة أخرى، كصراعه مع أمه وأخته، ومع صديقه (رازوميخين)، ومع (بيوتر بيتروفيتش) الرجل الثري الذي يريد الزواج من أخته، وأخيراً ليبلغ الصراع ذروته مع تعرفه إلى المحقق (بيرفير بيتروفيتش) الذي يشكّ براسكولينكوف دون أن يملك أي دليل، ويخوض معه عدة مناورات بأساليب متعددة تتنوع بين الذكاء والغضب، وبين الهدوء المبالغ فيه واللامبالاة، حتى تصل لأن يخبره أنهم وجدوا المجرم، ثم يأتي به ليعترف أمام راسكولينكوف فيراه ويسمعه، دون أن يجعله ذلك يهدأ أو يطمئن، بل يزداد قلقاً واضطراباً إذ لا يدري إن كانت تمثيلية من المحقق أو أن المجرم مغلوب على أمره ويعترف بما لم يفعل، فلا يشعر بسكينة أو راحة.

حتى عندما يعترف لحبيبته (سونيا) لا يهدأ له بال أبداً، وخاصة أن (سونيا) صارت تحثه على الذهاب إلى الشرطة والاعتراف بجريمته ليحظى بتخفيف العقوبة، وليكفِّر عن ذنبه، لكنه لم يفعل.

يستمر الصراع ويتأزم عندما يسمع الرجلُ العجوز (إيفانوفيتش) اعتراف راسكولينكوف لسونيا، فيشرع بتهديده بأن يبلغ عنه الشرطة، وتحت وطأة إقناع سونيا وتهديد (إيفانوفيتش) يبدأ ميزان الثبات يتأرجح في نفس راسكولينكوف فنراه يتوجه ذات صباح إلى بيت (سونيا) ويودعها، ثم يذهب إلى قسم الشرطة، ويدخل على المحقق ليجده هادئاً يسلم عليه وكأن شيئاً لم يكن، وعندما يهم بالاعتراف يعلم أن الشاهد الوحيد على جريمته وهو (إيفانوفيتش) قد انتحر، إذاً لم يعد هناك مَن يشهد عليه، فيعود أدراجه ويخرج من قسم الشرطة.

ومع تبدد ملامح الاعتراف أمام القارئ، وبلوغه أعلى مراتب الحيرة وهو يتساءل: إذاً كيف ستنكشف خيوط هذه الجريمة الكاملة؟ نفاجأ بحبل الجريمة يسقط مرة واحدة بعودة راسكولينكوف إلى غرفة المحقق، ووقوفه أمامه ليقول له بصوت منخفض: "أنا من قتل بفأسٍ المرابية العجوز وشقيقتها إليزابيث بدافع السرقة"، وهكذا استطاع دوستويفسكي أن يصور لنا كيف أن أكثر السياط تعذيباً صوت الضمير، وهو ما أورده على لسان البطل عندما قال: "محاكمة النفس أصعب وأبغض من المحاكمة الأرضية باسم القانون، فالقانون هنا ينطلق من الضمير"، أما النهاية فتأتي على نحو كلاسيكي يراعي فيه الكاتب مشاعر القارئ الذي يعيش صراع المجرم مع نفسه، ويلتمس له عذر الاضطراب والتخبط، ويشفق عليه لما ناله من جلد الضمير وتعذيبه، فنرى المحكمة تمنحه الأسباب المخففة بسبب حالته النفسية ذاتها ولأنه اعترف، فتحكم عليه بالأشغال الشاقة ثماني سنوات يقضيها في سبيريا، وتتبعه سونيا التي تقضي هذه السنوات بقربه وهي تنتظره، وتزوره، ليجمعهما الحب في النهاية ويعيشا قصة ولادة جديدة لحياة تؤلف بين قلبيهما.

سرد طويل وحوارات كثيفة

من ناحية الأسلوب، تعدّ مشاهد الرواية قليلة بالنسبة لحواراتها التي جاءت كثيفة وكثيرة، سواء ما كان بين الشخصيات أو مونولوجاً داخلياً، أما أسلوب السرد فكان طويلاً على نحو مرهق يخوض في تفاصيل الزمان والمكان والمشاعر، الأمر الذي يجعل القارئ لا يحسن الربط بين التفاصيل، ويفوته الكثير من علاقة الشخصيات ببعضها إن ترك مدة زمنية بين جزأي الرواية، ولذا فالأفضل قراءة الجزأين بشكل متتال دون فاصل زمني طويل.

تُرجمت الرواية إلى اللغة العربية أكثر من مرة، ومن المؤكد أن قراءتها باللغة الأم سيكون أمتع.

الجريمة والعقاب مادة لإنتاجات عالمية

الكاتب الروسي دانييل جرانين: "دوستوفسكي يساعدنا على إدراك استحالة معرفة الإنسان، ويطلعنا على لا محدوديته وعلى فوضى مشاعره، ويرينا أي تناقضات وأي أعماق لا يمكن بلوغها تكمن في نفس الإنسان"

لم تبق الرواية حبيسة الورق، بل أبصرت النور بأكثر من شكل فني، فقُدمت بعرض مسرحي في باريس عام 1888 ثم في روسيا عام 1899، ثم كانت ضيفة على السينما العالمية عام 1998 من خلال الفيلم السينمائي الفنلندي الذي يحمل الاسم نفسه (الجريمة والعقاب)، ثم أُنتجت تلفزيونياً عام 2012 من خلال مسلسل ياباني يحمل أيضاً الاسم نفسه، ولم تقف عند السينما والتلفزيون، بل وصلت إلى الأوبرا عام 2016 إذ عُرض عمل عنها على أوبرا الروك بالعاصمة الروسية موسكو.

وتبقى أعمال دوستوفسكي صوتاً حياً للواعج النفس وخباياها، يقول الكاتب الروسي دانييل جرانين: "دوستوفسكي يساعدنا على إدراك استحالة معرفة الإنسان، ويطلعنا على لا محدوديته وعلى فوضى مشاعره، ويرينا أي تناقضات وأي أعماق لا يمكن بلوغها تكمن في نفس الإنسان".