icon
التغطية الحية

منع وصول وعراقيل.. كيف تعترض قبرص سبل اللاجئين السوريين إلى أراضيها؟

2024.04.28 | 06:00 دمشق

آخر تحديث: 28.04.2024 | 10:17 دمشق

5725
كيف تعاملت قبرص مع ملف اللجوء السوري منذ عام 2011؟
إسطنبول - خالد حمزة
+A
حجم الخط
-A

لم يكن لجوء السوريين إلى قبرص سهلاً منذ بداية انطلاق قواربهم الهائمة بحثا عن الأمان والاستقرار، فلطالما حاولت السلطات القبرصية عرقلة وصولهم وسعت لإبعادهم عن الجزيرة بمختلف الطرق فحجبت حق اللجوء الكامل عن معظمهم مكتفية بمنحهم حماية ثانوية لا تتيح لهم حق لم شمل عائلاتهم أو الحصول على وثيقة سفر.

واليوم، ورغم أن السلطات القبرصية أوقفت بشكل نهائي دراسة ملفات السوريين (وغيرهم من اللاجئين) الواصلين إلى الجزيرة، إلا أن التقارير الإعلامية تفيد باستمرار توافد مراكب لجوء السوريين. في وقت قال رئيس قبرص، نيكوس هريستودوليديس، إن 7 بالمئة من سكان جنوبي قبرص اليونانية هم لاجئون، وأن الجزيرة قد وصلت إلى حدها الأقصى في استقبال مزيد من اللاجئين.

وتبعد جزيرة قبرص الواقعة في البحر الأبيض المتوسط عن سوريا بنحو 185 كيلو مترا ومثل ذلك عن الشواطئ اللبنانية وهي أقرب دولة أوروبية يمكن للسوريين التوجه إليها. وتستغرق الرحلة البحرية من لبنان أو سوريا إلى قبرص نحو 10 ساعات.

في هذا التقرير نناقش كيف تعاملت قبرص مع ملف اللجوء السوري منذ عام 2011، مع التركيز على النقاط التالية:

أولاً، الأسباب وراء توجه السوريين نحو قبرص. ثانياً، الزيادة الملحوظة في عدد الواصلين إلى قبرص خلال الفترة الأخيرة. ثالثاً، كيف تعترض قبرص سبل اللاجئين السوريين إلى أراضيها؟

لماذا يتوجه السوريون إلى قبرص؟

تعتبر قبرص وجهة مفضلة للجوء بالنسبة للسوريين، وذلك لمجموعة متداخلة من العوامل أهمها الأحوال الاقتصادية المتردية في الداخل السوري والوضع المعيشي السيئ. كما أن القرب الجغرافي من سوريا يجعل قبرص وجهة ملائمة. وقبرص تمثل أول دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، مما يعني أن اللاجئين الذين يصلون إليها قد يستفيدون من حقوق وحماية أكبر من التي يمكن الحصول عليها في دول جوار سوريا.

وبالإضافة إلى ذلك، بعدما نجحت تركيا في كبح حركة الهجرة غير الشرعية عبر حدودها البرية والبحرية إلى دول الاتحاد الأوروبي، بدأ اللاجئون بالبحث عن بدائل، وقبرص كانت وجهة ملائمة خاصة بالنظر إلى سهولة الوصول إليها. فمن الممكن للمهاجرين الوصول إلى الجزيرة بدفع نحو 3500 يورو لمهربين، وهو رقم يعتبر قليلاً مقارنة بتكاليف الهجرة (غير الشرعية) إلى دول أوروبية أخرى مثل هولندا أو ألمانيا.

وفي ظل تفاقم الأوضاع في لبنان، حيث تتزايد المخاوف من الترحيل إلى سوريا وتصاعد الضغوط العنصرية، بات العديد من السوريين يفكرون بشكل أكبر في الهجرة، وهذا يجعل قبرص وجهة جاذبة أكثر بالنسبة لهم.

ووفقًا لتقارير إعلامية غربية، فإن الإقبال على الهجرة ازداد أيضا بعد الغارات الإسرائيلية على الأهداف الإيرانية في المنطقة، مما يجعل قبرص أقرب وجهة للباحثين عن الأمان والاستقرار.

وتحيل وزارة الداخلية القبرصية زيادة الهجرة إلى التصعيد العسكري على الحدود الجنوبية للبنان والتوتر العسكري هناك، مشيرة إلى أنّ السلطات ركزت بشكل أقل على وقف الهجرة في الأشهر الأخيرة.

وجهة قديمة متجددة للمهاجرين وطالبي اللجوء

وكانت الجزيرة وجهة للسوريين الباحثين عن عمل منذ التسعينيات، وتحولت إلى قبلة للاجئين السوريين بعد عام 2011، وسجلت دخول العديد من اللاجئين السوريين منذ بداية ذات العام وخاصة عن طريق الدعوات التي كان يرسلها أقارب اللاجئين وهم أشخاص دخلوا الجزيرة قبل سنوات بقصد العمل واستقروا فيها ومنهم من حصل على الجنسية القبرصية.
وسعت السلطات القبرصية منذ السنوات الأولى لجعل الجزيرة مكانا غير جاذب للاجئين، معتمدة سياسة المماطلة في معالجة ملفاتهم حتى عندما كانت أعداد الواصلين قليلة.

ففي عام 2012، حذرت منظمة هيومن رايتس ووتش من أنّ السوريين الراغبين في تقديم طلبات لجوء في قبرص يواجهون عقبات كبيرة إثر هذه الإجراءات.

ولفتت المنظمة إلى أنّ السلطات رغم إجرائها مقابلات مع اللاجئين لتقييم ملفاتهم إلا أنها لم تصدر قرارات البت في أوضاعهم لما يقرب من 12 شهرا.

ودائما ما تبرر السلطات هذا التأخير بوجود أعداد كبيرة من الملفات الواجب دراستها ونقص الموظفين. وكان مسؤول دولي قال أواخر 2023 لصحيفة لوموند الفرنسية بشرط عدم الكشف عن هويته إنه يعرف سوريين ينتظرون البت بوضعهم منذ خمس سنوات، مضيفا أنه لا يمكن إنكار نقص الموظفين"، ومشيرا إلى "نقص في الإرادة السياسية من جانب السلطات".

هذه التعقيدات، انعكست أيضاً على اللاجئين المقبولين في الجزيرة، فمعظمهم منحوا وضعية الحماية الفرعية بدلاً من الوضعية الكاملة للاجئ. وكثير من هؤلاء لم يحصل على الجنسية القبرصية رغم التزامهم بالشروط المؤهلة للتجنيس، مع أنه وفقا للمادة 34 من اتفاقية اللاجئين لعام 1951، يجب أن تسهل الدول المتعاقدة بقدر الإمكان استيعاب اللاجئين وتجنيسهم.

يذكر أن الحاصلين على وضعية "الحماية الفرعية / الحماية الثانوية" لا تمنحهم السلطات وثيقة سفر لتسهيل تحركاتهم، ولا يتمتعون بحق لم شمل أفراد عائلتهم.

انفجار في أعداد الواصلين

في أثناء ذروة ما أطلق عليه "أزمة اللاجئين" في عام 2015، لم تشهد قبرص ارتفاعا كبيرا في عدد طلبات اللجوء فكان عددها 1,373 طلب لجوء في عام 2014؛ و 1,730 في عام  2015 (بينهم 1600 سوري) و2,963 في عام 2016. 

وبحسب دراسة لمؤسسة فريدريش إيبرت فإن أرقام اللجوء بدأت بعد ذلك بالتزايد وارتفعت من 2,936 طلبا في عام 2016 إلى 4,582 في عام 2017 وأخيرا 7,761 في عام 2018. أما بالنسبة لعام 2019، فقد بلغ العدد 13,200

واستمر هذا التدفق حتى عام 2023، عندما شهدت أرقام اللاجئين وعلى رأسهم السوريين، قفزات ضخمة، حيث قالت صحيفة فيلينيوز إن واحدا من كل اثنين من المهاجرين غير الشرعيين الذين وصلوا إلى قبرص عبر البحر عام 2023 جاء من سوريا، مقارنة بواحد من كل أربعة في العام الماضي، مما يعني أن ثلث العدد هم من السوريين فيما كان ربعهم في العام السابق.

وهنا بدأت السلطات بالبحث عن طريقة لإيقاف التدفق، إذ حذر وزير الداخلية القبرصي كونستانتينوس يوانو من أن التدفق يجعل جمهورية قبرص غير قادرة على خدمة الأشخاص الذين هم في حاجة حقيقية، معلنا أن بلاده طلبت من المفوضية الأوروبية إعادة تقييم الوضع فيما يتعلق بالمستويات الأمنية في سوريا.

كما أعلن أن قبرص ستطلب أن تقوم وكالة فرونتكس بدور نشط في إدارة الحدود في محاولة لتقليل عدد الوافدين عن طريق البحر من كل من سوريا ولبنان.

إحياء لاتفاقية 2004 بين قبرص ولبنان

في آب 2023، بدأت نيقوسيا بشكل جدي بمحاولة اعتراض سبل اللاجئين السوريين إلى أراضيها عبر الاستثمار في اتفاقية موقعة مع الجانب اللبناني عام 2004 تتيح إعادة اللاجئين مما دفع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة للتعبير عن "قلقها البالغ" إزاء إعادتهم من قبرص إلى لبنان دون فحصهم لتحديد ما إذا كانوا بحاجة إلى حماية قانونية ومن قد يتم ترحيلهم إلى وطنهم.

واعتبر مكتب المفوضية في قبرص أن عمليات الترحيل والنقل بين الدول "دون ضمانات قانونية وإجرائية للأشخاص الذين قد يحتاجون إلى حماية دولية" تتعارض مع القانون الدولي والأوروبي.

وينص الاتفاق الموقع بين الجانبين على أن لبنان ملزم بمنع ووقف المعابر الحدودية غير الشرعية والهجرة غير الشرعية للأفراد الذين يغادرون لبنان.

خطوات قبرصية للضغط على الاتحاد الأوروبي

وفي أيلول 2023، دعت قبرص الاتحاد الأوروبي إلى مراجعة تصنيف سوريا كدولة "غير آمنة"، وما إذا كان يجب على الدول الأوروبية استمرار منع إعادة طالبي اللجوء إليها.

وفي شباط، كشف وزير الداخلية القبرصي، كونستانتينوس يوانو، أن العديد من دول الاتحاد الأوروبي "استجابت بشكل إيجابي" لمبادرته الرامية إلى تصنيف أجزاء من سوريا على أنها "آمنة".

وقالت المتحدثة باسم وزارة الداخلية القبرصية، مارجريتا كيرياكو، إن الدول تشمل إسبانيا واليونان وجميع دول شرقي البحر الأبيض المتوسط والسويد، وفق ما نقلت صحيفة "ديلي قبرص".

وفي 5 نيسان، كشف وزير الشؤون الاجتماعية في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، هكتور حجار، أن "هناك أزمة واضحة بين لبنان وقبرص وأوروبا بسبب الهجرة غير الشرعية الحاصلة، خاصة أن فصل الربيع سيجعل من قوارب الهجرة تتدفق أكثر من السابق".

وفي 8 نيسان، توجه الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس في زيارة مستعجلة إلى لبنان لحث السلطات على منع حركة الهجرة، لكن رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبناني نجيب ميقاتي أكد أنه لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال عودة أولئك الذين يبحثون عن الأمان إلى المناطق الآمنة في سوريا أو تأمين إقامتهم في بلد ثالث"، وفقاً لما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية.

وفي 12 من شباط الجاري، قال الرئيس القبرصي، نيكوس خريستودوليدس، إن الإنفاق على الهجرة غير الشرعية لن يوقفها، وإن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى اتباع نهج شامل وإعادة التفكير في الحظر المفروض على عمليات الترحيل إلى سوريا.

ورفعت قبرص التحدي، في 14 نيسان، معلنة أنها بصدد تعليق دراسة ومعالجة جميع طلبات اللجوء المقدمة من السوريين، مشيرة إلى أن التعليق يرجع في جزء منه إلى الجهود المستمرة لدفع الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تصنيف بعض (المحافظات) سوريا كمناطق آمنة، ما يسمح بعمليات الإعادة إليها، وفق وكالة "أسوشيتد برس".

خطوات لجعل الجزيرة "غير جذابة للسوريين"

وبالتوازي مع ما سبق، فقد أعلن وزير الداخلية كونستانتينوس يوانو الإلغاء الفوري لوضع الحماية التكميلية أو رفض الطلبات المقدمة من الأشخاص الذين أثبتوا عودتهم إلى سوريا خلال الـ 12 شهرًا الماضية عبر قبرص الشمالية، مشيرا إلى أنّ هؤلاء الأشخاص لن يتمتعوا بأي حق مستمد من نظام الحماية المؤقتة وسيتم اتخاذ خطوات لإعادتهم إلى وطنهم إما عن طريق العودة الطوعية أو عن طريق الترحيل الإلزامي إذا أصبح ذلك ممكنا، لافتا إلى أنّ ذلك يجعل الجزيرة "غير جذابة للسوريين"

 ومن المتوقع أيضا أن تكثف  الشرطة القبرصية عمليات التفتيش، خاصة في أماكن العمل للكشف عن المهاجرين غير الشرعيين، بحسب ما نقله موقع "ريبورتر" القبرصي.

قبرص ترسل قوارب لمحاصرة سواحل لبنان؟

ومع عجز جميع الحلول عن تحقيق مطالب نيقوسيا، بدأت السلطات القبرصية، يوم 17 نيسان، بمنع تدفق اللاجئين السوريين من لبنان منتصف نيسان الجاري بإرسال سفن تابعة لشرطة البحر القبرصية إلى مسافة 25-30 ميلاً بحرياً من سواحل بيروت.

وفي خبر بعنوان "عملية للجيش الوطني والشرطة في المياه اللبنانية" قالت جريدة Fileleftheros إن سفينتين تابعتين للجيش الوطني والشرطة انتشرتا في المياه الدولية قبالة سواحل بيروت مع أمر قطعي بمنع "تدفق اللاجئين".

وقال المتحدث باسم الشرطة القبرصية هريستوس أندرو: "في هذه المرحلة، يمكننا أن نقول إن القرارات تنفذ فيما يتعلق باللاجئين، لا يمكنني قول المزيد".

بينما أوردت جريدة بوليتيس في خبر على صفحتها الأولى عنوان يقول "أنزلنا أسطولنا إلى البحر" وداخل الصفحة عنونت: "دوريات بحرية قبالة سواحل لبنان... تدابير جديدة بشأن اللاجئين" لافتة إلى أن هذه الإجراءات التي ينفذها الجيش الوطني القبرصي وشرطة المرفأ والبحرية ستستمر لمدة 10 أيام قبل اتخاذ إجراءات إضافية إذا لم تؤتِ ثمارها المرجوة.

الإجراء الأخير هذا، دفع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للتصريح بأن السلطات القبرصية تستخدم العنف لمنع وصول قوارب اللاجئين السوريين مطالبة بعدم إعادة اللاجئين إلى بلادهم حيث يتعرضون للخطر.

اقرأ أيضا: قوارب قبرصية قبالة سواحل بيروت لمنع تدفق اللاجئين السوريين من لبنان

حركة قوارب اللجوء إلى قبرص 

  • منذ بداية 2023 حتى حزيران: نحو 396 مهاجراً وصلوا بقوارب من سوريا، بينهم 41 امرأة و89 طفلاً، وقد وصلوا على متن 19 قارباً (تسعة خلال شهر أيار وحده).
  • حزيران 2023: تمكنت دورية لخفر الحدود من تحديد موقع قارب خشبي يحمل 37 شخصاً، بينهم ست نساء وثلاثة أطفال.
  • تشرين الأول 2023: وصلت سبعة قوارب إلى جزيرة قبرص اليونانية انطلاقاً من سواحل لبنان، كان على متنها أكثر من 450 شخصاً، جميعهم من السوريين، وفق ما أعلنت الحكومة القبرصية.
  • كانون الأول 2023: سجلت السلطات القبرصية وصول 252 لاجئاً على ثلاثة قوارب مختلفة قبالة ساحل الجزيرة الواقعة في شرق البحر الأبيض المتوسط، يعتقد أنها انطلقت من ليبيا وسوريا ولبنان.
  • 24 كانون الثاني 2024: أنقذت السلطات القبرصية 60 مهاجراً سورياً كانوا يستقلون قارباً خشبياً متهالكاً كان تائهاً في البحر المتوسط ستة أيام.
  • 13 آذار: أعلنت السلطات القبرصية عن وصول ما مجموعه 458 مهاجراً، في يوم واحد، كانوا على متن ستة قوارب، انطلقت من لبنان ورست قبالة ساحل كيب غريكو شرقي الجزيرة.
  • 1 نيسان 2024: وصل في غضون يوم واحد 272 طالب لجوء معظمهم سوريون، إلى شواطئ قبرص، على متن خمسة قوارب عبرت البحر الأبيض المتوسط  قادمة من الشواطئ اللبنانية.
  • 17 نيسان: احتجز خفر السواحل القبرصي ثلاثة قوارب تقل طالبي لجوء، معظمهم سوريون، انطلقوا من لبنان، على بعد 80 كيلومتراً من الجزيرة.
  • ومنذ بداية العام حتى الرابع من نيسان/أبريل، يكون قد وصل أكثر من 40 قاربًا على متنها نحو 2500 شخص إلى قبرص هذا العام، حسبما قالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لوكالة فرانس برس دون أن تحدد أيًا منهم انطلق من لبنان وأيا منهم انطلق من سوريا.