icon
التغطية الحية

كسر عظم بين أصحاب النفس الطويل.. ما مستقبل العمليات العسكرية في سوريا؟

2024.05.03 | 06:26 دمشق

6
مستقبل العمليات العسكرية في سوريا - تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا - ثائر المحمد
+A
حجم الخط
-A

يخمد فتيل المواجهة على جبهات مختلفة في سوريا، ويخفت صوت المدافع وتغيب عن أجواء البلاد مشاهد الازدحام بالطائرات الحربية والمروحية كما كان عليه الحال حتى مطلع عام 2020، لكن ذلك لا يعني أن الحرب وضعت أوزارها، فما زال الجمر يتوهج تحت الرماد، قابلاً للاشتعال عندما تتهيأ الأسباب والدوافع.

لم تتغير خريطة السيطرة في سوريا منذ شهر آذار عام 2020، ولم تشهد البلاد معركة برّية منذ ذلك الحين، في وقت باتت سوريا الممزقة من شمالها إلى جنوبها، ومن غربها إلى شرقها، صندوق بريد تضع فيه الدول والأطراف الإقليمية رسائل بلغة النار والدم.

برز التصعيد خلال السنوات الأربع الماضية على الأقل من أطراف دولية، مع تراجع بارز في تأثير الفاعلين المحليين، لتتبادر أسئلة كثيرة إلى أذهان السوريين، هل أصبحت المعارك العسكرية الواسعة من الماضي؟ هل انتهى زمن الكر والفر بين فصائل المعارضة وقوات النظام ورضي كل طرف بالأمر الواقع؟

4 سنوات وخريطة السيطرة لم تتغير

بلغت المعارك بين فصائل المعارضة، وقوات النظام السوري المدعوم من روسيا وإيران ذروتها في مراحل مختلفة منذ أن انطلقت الثورة السورية عام 2011، لكن عام 2018 كان فارقاً في المواجهة من الطرفين، بعد أن سيطر النظام على الغوطة الشرقية بريف دمشق، ودرعا جنوبي البلاد، وريف حمص الشمالي، وهجّر فصائل تلك المناطق مع مئات آلاف السكان إلى شمال غربي سوريا، حيث المعقل الأخير للمعارضة.

بالتزامن مع تلك المعارك، كانت تركيا منهمكة بمعركة مع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، تهدف للسيطرة على مدينة عفرين بريف حلب الشمالي الغربي، ونجحت - إلى جانب الجيش الوطني السوري - بذلك في الربع الأول من عام 2018، لينتج عن المعركة ربط مناطق سيطرة المعارضة في إدلب وريف حلب الشمالي جغرافياً.

وكذلك بدأت تركيا إلى جانب الجيش الوطني السوري في تشرين الأول 2019، عملية عسكرية حملت اسم "نبع السلام"، ضد قوات "قسد" في شمال شرقي سوريا، ما أدى لسيطرة الجيش التركي وفصائل المعارضة على مدينتي تل أبيض ورأس العين بريفي الرقة والحسكة، وعشرات البلدات والقرى في ريفيهما.

في غضون ذلك، كانت قوات النظام السوري قد بدأت معركة بدعم روسي وإيراني في عام 2019، استهدفت مناطق خاضعة لسيطرة "هيئة تحرير الشام" وفصائل المعارضة، استمرت حتى شهر آذار عام 2020، وانتهت بسيطرة قوات النظام على مساحات واسعة في أرياف حماة الشمالي والغربي، وإدلب الجنوبي والشرقي، وحلب الغربي، شملت مدناً استراتيجية، مثل مورك وخان شيخون ومعرة النعمان وسراقب.

في 5 آذار 2020، توصل الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان، والروسي فلاديمير بوتين لاتفاق يقضي بوقف إطلاق النار في إدلب، ومنذ ذلك الوقت، لم تشهد المنطقة معارك عسكرية بريّة واسعة من شأنها تغيير الحدود المرسومة في خريطة السيطرة الثابتة حتى الآن.

ورغم هدوء وتيرة المعارك الواسعة، بقيت عدة بؤر توتر في سوريا، سواء التصعيد المتكرر بين فصائل المعارضة والنظام شمال غربي سوريا، أو بين الجيش الوطني السوري وقوات "قسد"، أو تركيا و"قسد"، شمال شرقي البلاد، أو "تنظيم الدولة" (داعش) وبقية الأطراف، سواء النظام أو "قسد"، وخاصة في منطقة البادية.

واقع السيطرة والنفوذ في سوريا

مع نهاية عام 2023 بقيت خريطة السيطرة العسكرية في سوريا دون أي تغيير في حدود وخطوط التماس بين القوى المحلية على الأرض، حيث حافظت الأطراف على نِسَب السيطرة ثابتة كلياً، والتي تم تسجيلها نهاية شباط 2020، بحسب مركز "جسور" للدراسات، الذي قال إن خريطة السيطرة العسكرية شهدت أطول فترة تهدئة منذ اندلاع الثورة عام 2011، وذلك بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين تركيا وروسيا في 23 تشرين الأول 2019، وفي 5 آذار  2020، حيث بقيت مناطق السيطرة ثابتة بين فصائل المعارضة "وقسد"، وكذلك بين فصائل المعارضة وقوات النظام السوري.

وحافظ النظام السوري على نسبة سيطرته وهي: (63.38%) من الجغرافيا السورية؛ حيث يُسيطر بشكل شبه تام على محافظات الساحل والوسط وجنوبي سوريا، وعلى أجزاء من المحافظات الشرقية ومحافظة حلب، كما حافظ النظام على انتشار قواته ضمن مناطق سيطرة "قسد" شمال شرقي سوريا بموجب التفاهم الثنائي الموقع بين الطرفين في تشرين الأول 2019 برعاية روسيا، على خلفية شن تركيا وفصائل المعارضة عملية "نبع السلام".

وحافظت فصائل المعارضة على نسبة سيطرتها وهي (10.98%) من الجغرافيا السورية، وتتوزع مناطق سيطرة المعارضة في إدلب وشمالي حلب، وفي منطقة تل أبيض ورأس العين في الرقة والحسكة، وفي منطقة التنف المنطقة (55) جنوب شرقي سوريا.

كذلك حافظت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) على نسبة سيطرتها وهي (25.64%) من الجغرافيا، وهي ذات النسبة المسجلة منذ تشرين الثاني 2019، وتشمل أجزاء واسعة من محافظات دير الزور والرقة والحسكة، وأجزاء من محافظة حلب.

8

وعزا المركز عدم التغير في نِسَب السيطرة إلى التزام النظام وفصائل المعارضة بعدم تعريض اتفاق وقف إطلاق النار للانهيار رغم الخروقات الواسعة وغير المسبوقة التي شهدتها خطوط التماس في إدلب، متوقعا ألا تشهد خريطة السيطرة العسكرية في النصف الأول من عام 2024 أي تغيّر في نسب السيطرة بين الأطراف، بسبب غياب المؤشرات الكافية لتنفيذ عملية عسكرية ضد قسد، أو قدرة النظام السوري على شنّ هجوم جديد ضدّ مناطق المعارضة.

ومع ذلك، إن أي انهيار عسكري محتمل قد يطرأ على الخريطة قد يكون نتيجة استمرار العمليات، وعلى خطوط التماس التي ستزيد من رغبة أطراف النزاع بتغيير قواعد الاشتباك عام 2024، وتؤدي إلى تغيير الوضع القائم الهش في حال انخراط الضامنين في المواجهات بشكل يؤول إلى تآكل التهدئة تباعاً.

كسر عظم بين أصحاب النفس الطويل

تغيرت تكتيكات المواجهة بين الأطراف في سوريا، سواء الدولية أو المحلية، فلم يعد من الضروري التحام الجنود في الميدان لتكبيد كل طرف خسائر للطرف الآخر، فمع تطور الأدوات، بات من الواضح أن غالبية الأطراف دخلت في مواجهة تعتمد على النفس الطويل، لإلحاق الأذى بالخصم بأقل التكاليف البشرية.

في شمال غربي سوريا، بدأت مرحلة جديدة من المواجهة منذ نهاية عام 2023، تتمثل باستخدام قوات النظام السوري طائرات FPV المذخرة بكثافة في استهداف آليات ونقاط الفصائل العسكرية، وسيارات المدنيين قرب خطوط التماس.

من جهتها اتبعت "هيئة تحرير الشام" الأسلوب ذاته، عبر توجيه ضربات لمواقع وآليات النظام باستخدام الطائرات المذخرة أيضاً، مع الاستمرار بقصف مواقعه عند أي تصعيد بقذائف المدفعية والصواريخ.

أما في شمال شرقي سوريا، تواصل تركيا عملياتها ضد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، باستخدام الطائرات من دون طيار، ويمثّل هذا الأسلوب خيارا مناسباً لأنقرة لإبقاء "قسد" تحت الضغط، من دون استفزاز حليفتها (الولايات المتحدة)، خاصة أن تركيا حصدت عدة نتائج عبر هذه الآلية، منها القضاء على عشرات القادة والعناصر من "قسد" في محافظات دير الزور والرقة والحسكة، فضلاً عن تكبيدها خسائر مادية، من خلال وضع مصالحها الاقتصادية ضمن قائمة الأهداف.

وخلال الأشهر الماضية، زاد نشاط تنظيم "داعش" في منطقة البادية السورية، عبر تنفيذ عشرات العمليات ضد النظام السوري وقسد، آخرها أسفرت عن مقتل 20 عنصراً من ميليشيا "لواء القدس" التابعة للنظام في محافظة حمص، بينما تقول "قسد" إن التنظيم يحاول إعادة إحياء نفسه من جديد.

وتستمر التوترات في محافظة درعا جنوبي سوريا، إزاء تكرر عمليات الاغتيال، والتي غالباً ما تستهدف ضباط وعناصر النظام.

وتحولت سوريا إلى ساحة صراع بين أطراف دولية أيضاً، مع تداخل محدود للأطراف المحلية، ويشمل ذلك على سبيل المثال:

  • الصراع الإسرائيلي - الإيراني
  • الصراع الأميركي - الإيراني
  • صراع الجيش الأردني ضد عصابات تهريب المخدرات
  • صراع إسرائيل وجيش النظام السوري والميليشيات المتحالفة معه
  • صراع روسيا والتحالف الدولي (منطقة التنف)

ومع رغبة الأطراف بإيذاء الخصم وفق مبدأ النفس الطويل وعلى المدى البعيد، قد ترجح الكفة لصالح الطرف الذي يطوّر أدواته بما يتماشى مع الحرب الحديثة، التي لا تعتمد بالدرجة الأولى على العنصر البشري كما أسلفنا.

ما سبب تراجع وتيرة المعارك في سوريا؟

أفاد الباحث في "مركز أبعاد للدراسات الاستراتيجية"، فراس فحام، بأن ثبات خريطة السيطرة في سوريا، يعود إلى تحوّل الأطراف الإقليمية والدولية لكونها اللاعب الرئيسي في البلاد، بالتالي، تراجعت قدرة الأطراف المحلية على تغيير الواقع، في حين وصلت الأطراف الدولية إلى طريق مسدود خلال السنوات الماضية، ولم تعد ترغب بحدوث تصعيد كبير قد يؤدي إلى صدام بين الأطراف الدولية المنتشرة على الأراضي السورية، كما أن الأطراف نفسها لم تتوصل إلى تفاهمات نهائية، ولذلك اتجهت الأمور تدريجياً إلى الجمود على الجبهات.

من جهته، قال الباحث في الشؤون العسكرية، رشيد حوراني، إنّ عدة أسباب تقف وراء جمود العمليات العسكرية في سوريا، أبرزها التفاهمات الدولية التي من الممكن اعتبارها غير معلنة مع الأطراف (إقليمية أو دولية) المتدخلة في سوريا لوضع حد لمسألة تدفق المهاجرين إلى دول الاتحاد الأوروبي.

وأضاف حوراني، في حديث مع موقع تلفزيون سوريا، أن اختلاف موازين القوى بين الأطراف يشكّل عاملاً من العوامل التي أدت إلى توقف العمليات العسكرية الواسعة، فمثلاً مطلع العام 2020 تدخلت تركيا إلى جانب فصائل المعارضة في مواجهتها لقوات النظام المدعومة روسياً وإيرانياً، وعندما شعرت تركيا بإمكانية تحقيق قوات النظام لتقدم تدخلت عسكرياً بطيرانها المسير الذي أحدث فارقاً في المعركة، وهذا الفارق دفع كل من روسيا وتركيا للتوصل لاتفاق 5 آذار 2020.

ومن قبل، لقنت القوات الأميركية روسيا درساً قاسياً عندما حاولت التقدم باتجاه المنطقة المدعومة من قبلها شرقي الفرات وقصفت ميليشياتها التي حاولت زيادة مناطق سيطرة النظام على حساب "قوات سوريا الديمقراطية"، إضافة إلى الإجماع الدولي على أن الحل في سوريا سياسي وليس عسكرياً.

ويضاف لذلك، انشغال الدول الداعمة للأطراف السورية بملفات خارج سوريا، حيث انشغلت روسيا مثلاً في حربها مع أوكرانيا.

ما الجبهات الأكثر عرضة للتصعيد؟

ورأى الباحث فراس فحام، في حديث مع موقع تلفزيون سوريا، أن منطقة شمال غربي سوريا تعتبر ساحة دائمة لتوجيه الرسائل المتبادلة، خاصة من قبل روسيا وإيران، كما أن التصعيد الإسرائيلي يبقى وارداً ضد الميليشيات الإيرانية شمال شرقي سوريا.

وبتقدير الباحث رشيد حوراني، فإن أكثر المناطق عرضة لعمليات عسكرية، هي منطقة شمال غربي سوريا، إذ سبق أن نفذت الفصائل فيها بشكل خاص العديد من التدابير العسكرية ضد قوات النظام (العمليات على خطوط التماس أو خلف خطوط التماس من كمائن وإغارات)، ووجدت أن قوات النظام من الناحية العسكرية هشة وضعيفة جداً، واستمرت بهذه العمليات حتى اليوم لإضعاف النظام أكثر.

النظام السوري هو الأكثر تضرراً

وتوقع حوراني أن يكون النظام السوري هو الطرف الأكثر تضرراً من توقف العمليات العسكرية، لأنه كثيراً ما يعوّل على إعادة السيطرة على أكبر مساحة من الأرض المسيطر عليها من قبل معارضيه لتحقيق مكاسب سياسية، إلا أن تثبيت الجبهات حرمه من ذلك، وهو يدرك المخاطر المتمثلة بضرورة التوافق مع تلك الأطراف المعارضة، وهذا الأمر يمكن قراءته من خلال الموقف الأوروبي والأميركي بشكل خاص، القائم على عدم التطبيع مع النظام إلا إن أظهر جدية في الحل السياسي، وبالتالي إن تعنته المترافق مع تثبيت الجبهات هو إضعاف له أكثر مع مرور الوقت.

ويتفق "فحام" مع ذلك، حيث قال إن كل الأطراف أُرهقت من العمليات العسكرية، وقد يكون النظام السوري هو الوحيد المتضرر من ثبات خريطة السيطرة وتوقف العمليات العسكرية، لأنه كان يرغب باستمرار دعم روسيا وإيران له للسيطرة على مزيد من الأراضي، وبناء على ذلك يرى أن التفاهمات الدولية منعته من الحسم العسكري.

ولفت إلى أن عودة التصعيد والمواجهات في سوريا مرتبط بعدة عوامل، منها مصير الحرب الروسية - الأوكرانية، وفيما إذا كان هناك قرار حقيقي من أميركا وإسرائيل بإضعاف نفوذ إيران في سوريا من عدمه، أو وجود توافق روسي - إيراني على حسم ملف إدلب، وهذه كلها احتمالات قد تتسبب بالتصعيد في البلاد، بينما يرى الباحث أن خريطة السيطرة، ستبقى ثابتة على المدى القريب.

في حين ذكر "حوراني"، أنه لا يمكن الجزم بتوقف العمليات العسكرية بشكل نهائي والاكتفاء باستخدام الطائرات المسيرة على سبيل المثال، ولو بشكل متفاوت بين الأطراف المذكورة، لأن الأطراف تسعى لكسب الأرض لزيادة المكاسب السياسية، لكن استخدام المسيرات هو خطوة مرحلية إلى أن تحين الظروف لعمل عسكري، وينطبق هذا الأمر بشكل خاص على الفصائل في شمال غربي سوريا، نظراً لما تقوم به من تجهيزات عسكرية وتحصينات وتدريبات لصقل قدرات مقاتليها والتحول بموجب هذه التحصينات من الدفاع إلى الهجوم.