هل غلب "التنافس" على "التعاون" بين بشار وماهر الأسد؟

2023.04.14 | 07:00 دمشق

هل غلب "التنافس" على "التعاون" بين بشار وماهر الأسد؟
+A
حجم الخط
-A

في حين تتسارع خطوات "التطبيع" العربي مع نظام الأسد، يُظهر التصعيد الأخير، الذي اندلع في بداية الأسبوع، على تخوم هضبة الجولان المحتلة، وجود تناقضات وانقسامات وتداخلات عميقة، في منظومات القيادة واتخاذ القرار، على مستويات مختلفة، داخل تركيبة هذا النظام.

ولا نعرف إن كان من قبيل الصدفة وحدها، أن يتزامن التحوّل الإسرائيلي في التعامل مع شقيق رأس النظام، والتمييز غير المباشر، بينه وبين شقيقه في الموقف من تهديد "الأمن الإسرائيلي"، مع عرض مسلسل "ابتسم أيها الجنرال"، الذي يُسهب في تقديم رؤية درامية عن صراع شقيقين على السلطة، وعن تحالفات متناقضة يعقدونها مع جهات خارجية، بغية تعزيز أوراق لعبهما، المتضادة.

وإن أردنا أن نبدأ بالإشكالية التي أشرنا إليها في منظومات القيادة واتخاذ القرار، فإن التصعيد الأخير يُظهر أنها تبدأ من داخل الميليشيات الهامشية المحسوبة على النظام. فميليشيا "لواء القدس"، الذي نقلت قناة إيرانية خبر مسؤوليته عن إطلاق الصواريخ على الأراضي المحتلة في الجولان، في حين نقلت وكالة روسية – سبوتنيك- خبر نفيه لتلك المسؤولية، مثال صارخ على التناقضات والتداخلات في منظومات القيادة واتخاذ القرار داخله. وصولاً إلى إقالة نائب قائده، بتهمة "فساد"، بعد أيامٍ فقط على تأييد قياديين فيه، عبر وسائل التواصل، لتبني إطلاق الصواريخ على الجولان المحتل.

الهدف لا يتعدى إثبات قدرة طهران على إشعال "الجبهات" كلها، في حال قررت إسرائيل استهداف المشروع النووي بصورة نوعية حاسمة

فالميليشيا التي بدأت "إيرانية"، قبل أن تصبح "روسية" إلى حدٍ ما، لم يتم تنظيفها من الاختراق الإيراني. ذاك أن التصعيد الذي حصل من داخل الأراضي السورية باتجاه الهضبة المحتلة، لأول مرة منذ العام 2018، تزامن مع تصعيدٍ "صاروخي" محدود الأثر ميدانياً، لكنه عالي القيمة "سياسياً"، انطلق من لبنان وغزة، معاً. مما يؤكد أن الرسالة "إيرانية"، وأن الهدف لا يتعدى إثبات قدرة طهران على إشعال "الجبهات" كلها، في حال قررت إسرائيل استهداف المشروع النووي بصورة نوعية حاسمة.

وإن كانت الغلبة للروسي، في خاتمة فترة زمنية محدودة من عدم اليقين، حول تبعية "لواء القدس"، متمثلةً في إقالة أحد أبرز قيادييه، ونفي المسؤولية عن إطلاق الصواريخ، إلا أن ذلك لا ينفي مدى التغلغل الإيراني، واستقراره، داخل هذه الميليشيا المحسوبة على نظام الأسد، كمثال. وهو تناقض يمكن لحظه في مختلف المستويات داخل أجهزة النظام. وصولاً إلى مستويات القيادة وصنع القرار، العليا، داخله. تحديداً، في العلاقة بين الشقيقين الذين يذهبان قدماً أكثر فأكثر، نحو تعزيز صلة كل منهما، بتحالفات وأجندات خارجية متنافرة.

إذ كان لافتاً، كيف أن الإعلام العبري، برّأ، بصورة غير مباشرة، بشار الأسد، من مسؤولية استهداف "الأمن الإسرائيلي"، وحمّل تلك المسؤولية لشقيقه، عبر الإشارة إلى أن بشار منع الإيرانيين من إطلاق مسيّرات إلى الأراضي المحتلة، دون علمه، وهو ما خرقه "الشقيق"، قبيل التصعيد الأخير، وفق المصادر الإسرائيلية.

وهو الدخول الإسرائيلي الأول من نوعه، على خط العلاقة بين الشقيقين، وتسليط الضوء على ما يُعتقد أنها تناقضات قائمة في تحالفاتهما، بين مسافة أقرب تربط طهران بـ ماهر، وعلى النقيض منها، مسافة أقرب تربط موسكو ودولاً عربية بـ بشار. وهكذا يبدو النظام السوري، برأسين، بشار وشقيقه، وبذراعين، روسيا وإيران. وهو ما يدفع للتشكيك في مدى قدرة هذا النظام على الانتظام بصورة كلية، باتجاه محدد، نظراً للاختلاف في الأجندات، بين القوى القادرة على صنع القرار داخله.  

وإن كان من المبالغة –في هذه المرحلة- توصيف هذا الاختلاف في الأجندات، على أنه "صراع"، كما أنه من الإغراق في التبسيط، وصفه بأنه "أداء منسّق" بين الشقيقين لإيهام المراقب الخارجي بوجود "صراع"، والاستفادة من هذا الإيهام، فإن أقرب التوصيفات المتاحة في علم السياسة، للحالة القائمة داخل "النظام" السوري، هو توصيف "التعاون التنافسي". وهو ما ينطبق على العلاقة بين الروس والإيرانيين في سوريا، منذ عام 2018. وما يزال. وينطبق كذلك على العلاقة بين الشقيقين، التي لا ترقى إلى مستوى "الصراع"، خوفاً من تصدع "المنظومة" كلها، ولا تنخفض إلى مستوى "الإيهام" بوجود صراع، نظراً لأن ذلك يتناقض مع السمة الأكثر انطباقاً على العلاقات بين الأشقاء والإخوة الورثة في المنظومات الأسرية الحاكمة.

تدخل إسرائيل على خط العلاقة بين الشقيقين، لتصوّب على ماهر، وتنذر، عبر إعلامها، بتحوّل كبير في طبيعة استهدافاتها المزمنة للعمق "السوري"

لكن يبقى أن "التعاون التنافسي"، سمة مفتوحة على احتمالية غلبة "التنافس" على "التعاون"، في المنعطفات النوعية. وإن كان هكذا تحول على صعيد العلاقة الإيرانية – الروسية في سوريا، مستبعداً في المدى القريب، نظراً لانشغال الروسي، بصورة شبه كلية، بالحرب في أوكرانيا، فإن هذا العامل ذاته، قد يعزّز من هذه الاحتمالية، على صعيد العلاقة بين الشقيقين، بشار وماهر. ذاك أن إيران عززت، منذ بدء الحرب في أوكرانيا، مساعيها لتعزيز وضعها في سوريا، على حساب الروس. ومع تصاعد مسار "التطبيع" العربي مع بشار الأسد، يبدو أن ماهر يعزّز رهاناته على الحليف الإيراني، للحفاظ على أوراق قوته. يأتي ذلك في وقتٍ، تشعر فيه إيران بفائض ثقة بالنفس، في مواجهة لامبالاة أميركية جليّة، حيال ما يحدث في الشرق الأوسط، وتأزم داخلي غير مسبوق في إسرائيل، وانعطافة خليجية نحو الصين.

في هذا المنعطف النوعي، تدخل إسرائيل على خط العلاقة بين الشقيقين، لتصوّب على ماهر، وتنذر، عبر إعلامها، بتحوّل كبير في طبيعة استهدافاتها المزمنة للعمق "السوري"، لتصبح مصوّبة على ماهر، وعلى شبكة صناعة وتهريب المخدرات، التي تشكل أيقونة قوته، ومصدر ثرائه. وهو ما يتزامن مع وعود نقلها الإعلام السعودي، على لسان ممثلي النظام، بأن بشار الأسد يعتزم لجم تهريب المخدرات إلى الدول الخليجية. وهو ما يعني، لو كانت النيّة بتنفيذ الوعد "صادقة"، استهدافاً مباشراً لمصالح ماهر الأسد. ما يعزز من احتمالية تعزيز "البعد التنافسي" على حساب "البعد التعاوني"، في العلاقة بينهما. ربما باتجاه الوصول في المدى الزمني المتوسط، إلى حالة "الصراع" المكشوف، على السلطة.