هل تتكرر أحداث الكونغرس في إسرائيل؟

2021.03.17 | 05:55 دمشق

lnp2om8nbt2ylmu2rx1cc8mr5xem2c63k35xhubh.jpg
+A
حجم الخط
-A

ثمة إجماع داخل وخارج الولايات المتحدة الأميركية مفاده أن أحداث الكونغرس أي غزو واقتحام أنصار الرئيس المنصرف دونالد ترامب العنيف لمبنى البرلمان-كانون ثاني يناير الماضي- لمنع التصديق على نتائج الانتخابات الرئاسية التي خسرها لصالح منافسه جو بايدن ستترك تداعيات وآثارا ذات طابع استراتيجي داخلياً وخارجياً. هنا يمكن التذكير على سبيل المثال لا الحصر بتوصيف هيئة المباحث الفدرالية لها كأخطر قضية يتم التحقيق بها منذ هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، بينما تضمنت لائحة الاتهام التي قدمها المدعون الديمقراطيون ضد ترامب أمام مجلس الشيوخ عبارة خيانة ذات بُعد تاريخي ما يؤكد الطابع الاستراتيجي للأحداث والذي لن يتأثر بمسألة تبرئة ترامب من عدمها.

في العالم كان هناك اهتمام كبير بالأحداث تحديداً فيما يخص هيبة ونجاعة الديمقراطية الأميركية التي اعتبرها الرئيس جو بايدن هشّة ويجب الدفاع عنها دائماً، إضافة طبعاً إلى احتمال انتقالها للخارج وتحديداً إلى أوروبا حيث اهتمت بل احتفت بها أحزاب اليمين المتطرف.

في إسرائيل كان اهتمام كبير أيضاً بأحداث الكونغرس وصل إلى حد التحذير الجدي من تكرارها في الدولة العبرية مع احتدام الأزمة السياسية والاستعداد للذهاب إلى انتخابات مبكرة الأسبوع المقبل هي الرابعة خلال عامين تمثل بحد ذاتها تعبيرا عن الأزمة السياسية والحزبية المستحكمة وعلى الأغلب قد ترسّخها أو تعمقها أكثر بدلاً من أن تحلها أو تضع نهاية لها.

أما سياسياً وحزبياً فقد حاول كل طرف استغلال أحداث الكونغرس لصالحه، فبينما سعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورجاله للتحذير من تصرف مماثل قد يقوم به المتظاهرون المواظبون ضده منذ ستة شهور تقريباً، تبنى التيار السياسي الإعلامي العام مقاربة ومعاكسة تغلب احتمال أن يقوم أنصار نتنياهو حليف وصديق ترامب بتكرار الأحداث واقتحام الكنيست "البرلمان" في حال خسارته للانتخابات أو عجزه عن تشكيل الحكومة الجديدة حتى لو حاز هو وحزبه أكبر عدد من المقاعد.

لا بأس من التذكير أنه وبالتزامن مع أحداث الكونغرس تم إخلاء نتنياهو إلى مكان آمن مع اندلاع تظاهرات صاخبة ضده بعد ساعات فقط، كما عقدت هيئة أمن الكنيست اجتماعات مع رئيسها ياريف ليفين ومسؤولين أمنيين آخرين للنظر في كيفية اتخاذ احتياطات لمنع تكرار الأحداث الأميركية، بينما حذّر وزير الأمن الداخلي أمير أوحانا المقرب جداً من نتنياهو من وجود احتمال جدي لقيام معارضي هذا الأخير بذلك.

كما قلنا فإن التيار العام في الساحتين السياسية والإعلامية يتبنى مقاربة مختلفة مفادها أن أنصار نتنياهو لا معارضيه قد يقدمون على الفعلة نفسها في حال خسارته الانتخابات أو تحالف معارضيه لمنعه من تشكيل الحكومة الجديدة، وكما كتبت صحيفة هآرتس فإن نتنياهو قد يكون أذكى من ترامب ولكنه بالتأكيد لا يقل خطراً عنه.

يطول تحريض نتنياهو الساحة السياسية والحزبية برمتها بما في ذلك يمينيون متطرفون مثله مدعياً وجود مؤامرة سياسية مزعومة ضده

من هنا يأتي تغليب احتمال تكرار أنصار نتنياهو لأحداث الكونغرس لعدة أسباب أولها وأهمها أوجه الشبه بين نتنياهو وصديقه وحليفه السابق ترامب، وتحريض رئيس الوزراء الإسرائيلي المستمر ضد خصومه وشيطنتهم شخصياً وسياسياً.

في الحقيقة، يطول تحريض نتنياهو الساحة السياسية والحزبية برمتها بما في ذلك يمينيون متطرفون مثله مدعياً وجود مؤامرة سياسية مزعومة ضده تشمل معظم بل كل فرقاء الساحة الحزبية باستثناء حلفائه من المتدينين المتطرفين وتلامذة الحاخام كاهانا من غلاة المتطرفين، الذين فعل نتنياهو المستحيل لتوحيدهم ضمن قائمة انتخابية قد يسمح تجاوزها نسبة الحسم له بتشكيل الحكومة القادمة.

تحريض نتنياهو "كما ترامب" يطول كذلك السلطة القضائية التي يتهمها بالتدخل في السياسة، والسعي عن سبق إصرار وترصد لإدانته وإزاحته من منصبه بأدوات قانونية بعد العجز عن فعل ذلك انتخابياً وسياسياً.

نتنياهو يحرّض أيضاً ضد وسائل الإعلام الإسرائيلية ويتهمها بتعبئة الناس ضده لانخراطها في المؤامرة المزعومة للتخلص منه بوسائل غير ديمقراطية حسب تعبيره.

في أوجه الشبه بين نتنياهو وترامب يتم الحديث كذلك عن تأميم هذا الأخير لحزبه الليكود، ومنع أي معارضة جدية ضده، ورصّ الصفوف خلفه تماماً كما فعل صديقه وحليفه الأميركي مع الحزب الجمهوري حتى خروجه مطروداً من البيت الأبيض بما في ذلك منع تجريمه وإدانته في مجلس الشيوخ، كما منعه من التنافس في الانتخابات القادمة والقضاء، بالتالي الحفاظ على حضوره ومستقبله السياسي.

إذن ثمة ما يشبه الإجماع على احتمال قيام نتنياهو بتحريض أنصاره على رفض نتائج الانتخابات، وبالتالي احتمال تكرار أحداث الكونغرس لمنع الكنيست من تنصيب حكومة جديدة بدونه.

لكن بالمقابل ثمة عوامل كابحة لهذا الاحتمال منها الاحتياطات الإجرائية والأمنية المسبقة للتصدّي له. وربما الأهم أن خصوم نتنياهو الأساسيين يمينيون متطرفون مثله خرجوا من الليكود وحتى من عباءة نتنياهو شخصياً كجدعون ساعر وأفغدور ليبرمان ونفتالي بينيت، وبالتالي من الصعب اتهامهم بأنهم يساريون وحتى اتهام خصمه الرئيس يئير يوسي ليبيد بذلك، ربما لا يصمد أمام امتحان الواقع ورؤى وتصورات هذا الأخير المركزية داخلياً وخارجياً.

نتنياهو أكثر ذكاء بكثير من ترامب، وبالتأكيد يعي أن تكرار أحداث الكونغرس لن يفيده أو يصب في صالحه

ثمة عامل آخر يتمثل بانطلاق محاكمة نتنياهو وتجاوزها حتى نقطة اللا عودة ما يبقي احتمال الصفقة القضائية قائماً أمامه بمعنى منع المحاكمة وإسقاط التهم عنه مقابل اعتزاله الحياة السياسية، الأمر الذي يدعمه معظم خصومه السياسيين.

وقبل ذلك وبعده فإن نتنياهو أكثر ذكاء بكثير من ترامب، وبالتأكيد يعي أن تكرار أحداث الكونغرس لن يفيده أو يصب في صالحه بل على العكس قد يؤجج الاحتجاجات ويوسع الاصطفاف ضده ومع ذلك وبالعموم يبقي الاحتمال قائما ولو نظرياً في ظل الاستقطاب العميق والتطرف العاصف بالدولة العبرية وأزماتها البنيوية العميقة القابلة للانفجار في أي وقت قياساً لطبيعتها الاستعمارية وقابليتها للتشظي والاندثار ولو على المدى الطويل.