هل باعت (عصابة النظام) "التكية السليمانية" في دمشق؟

2023.01.25 | 06:25 دمشق

هل باعت (عصابة النظام) "التكية السليمانية" في دمشق؟
+A
حجم الخط
-A

معظم من زاروا دمشق يعرفون "التكية السليمانية"، ففضلا عن موقعها الحيوي في قلب مدينة دمشق، ومجاورتها لنهر بردى فهي تتمتع بجمال عمراني آخّاذ.

في سنة 959 من الهجرة (1502 من الميلاد)، كلّف السلطان "سليم القانوني" المعماري العثماني الشهير "معمار سنان"، بوضع مخطط معماري حديث الطراز لتكية في موقع قصر "الأبلق" وهو قصر السلطان المملوكي "الظاهر بيبرس"، وفي سنة 960 من الهجرة (1553 من الميلاد)، شرع عدد كبير من العمال ببناء التكية تحت إشراف المهندس الدمشقي "شهاب الدين بن العطار"، في حين تقول مصادر أخرى إلى أن المهندس المشرف كان الإيراني "ملا آغا"، واستغرق البناء 6 أعوام.

هكذا، وعلى ضفاف نهر بردى انتصبت "مجموعة عمرانية فخمة تخلب الألباب بقبابها المنتظمة كالعقد حول قبة رئيسية كبيرة، تحيط بها مئذنتان ممشوقتان، وتتخللها حدائق وأشجار باسقة، يمتزج جمالها بمحاسن العمارة، فيجعل من هذه البقعة في دمشق من أجمل البقع وأكثرها جمالا"، وهي التكية السليمانية، حسبما يصفها "عبد القادر الريحاوي" في كتابه "العمارة في الحضارة العربية الإسلامية".

تفيد بعض المراجع التاريخية، أنه أريد من هذه التكية أن تكون محطة لحجاج مكة، ومكاناً لإقامة طلبة العلوم الدينية، وإلى جانب دورها التقليدي كمكان يقصده المحسنون والفقراء والمحتاجون، حيث جُهز المكان بمطابخ واسعة، ومخابز، وغرف للاستراحة، وعدة مصليات، وبحرة للوضوء وغيرها من الخدمات الضرورية للحجاج والفقراء والمحتاجين.

أنذرت وزارة السياحة الحرفيين الموجودين في سوق المهن اليدوية في التكية، بضرورة إخلاء محالّهم التي يشغلونها منذ سبعينيات القرن الماضي

بقيت التكية السليمانية كذلك إلى أن دخل المستعمر الفرنسي سوريا سنة 1920م، حيث اتخذت القوات الفرنسية منها مسكناً، ومع خروجهم عام 1946م عادت إلى وظيفتها السابقة، وذلك حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي، حيث بدأت التكية احتضان عشرات محال الحرف اليدوية الدمشقية العريقة، وتوسّع هذا الجزء ليعرف لاحقاً باسم "سوق المهن اليدوية".

في منتصف "تشرين الأول/ أكتوبر" من العام الفائت 2022م، أنذرت وزارة السياحة الحرفيين الموجودين في سوق المهن اليدوية في التكية، بضرورة إخلاء محالّهم التي يشغلونها منذ سبعينيات القرن الماضي، بصيغة عقود إيجار تحولت في ما بعد إلى عقود استثمار سياحية، ويقدر عدد الحرفيين الذين يزاولون مهنتهم داخل السوق بما يزيد على الأربعين، يعملون في مهن تراثية ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، والذريعة التي تلطّت خلفها وزارة السياحة من أجل إخلاء محالّ سوق المهن اليدوية، هي ترميم بناء التكية.

ثلاث وزارات سورية تتداخل في تبعية التكية لها، فهناك وزارة الأوقاف، ووزارة السياحة، ووزارة الثقافة، ورغم ذلك فالتكية منذ ما يقرب من عشرين عاماً تحتاج إلى ترميم في بعض أقسامها، وتحتاج إلى تدعيم وحماية، فهي مبنية على أرض ذات تربة زراعية فقدت تماسكها وتحللت، بالتالي تسبب ذلك بوجود تشوهات في الأرضيات ما أصبح يعرف بهبوط الأرض، وهناك من يعزو السبب لمرور نهر بردى بقربها، لا سيما أنها تقع على الشريط الايكولوجي للنهر، وآخرون يرجعون الهبوط لتجفيف المياه الجوفية عند بناء ما عرف بمجمع "يلبغا" (نسبة لجامع يلبغا التاريخي بمحاذاته)، الذي يبعد عن التكية أقل من 800 متر.

خالد الفحام، وهو أستاذ مهندس في جامعة دمشق سابقاً، ورئيس جمعية "سوريون من أجل التراث العمراني" قال: "إن السبب الأساسي لهبوط الأرض في التكية والتخوف من انهيارها، هو أن نهر بردى نفسه تعرض للجفاف، نتيجة استمرار استجرار مياه الشرب لدمشق من المنبع نفسه، إضافة إلى متغيرات جيولوجية وهيدرولوجية، نتيجة الجفاف ونقص الهطول المطري".

منذ أيام قليلة تم إخلاء التكية من الحرفيين، وهناك تخوّفات حقيقية من أن عملية الترميم المزعومة ليست أكثر من حجة لحرمان هؤلاء الحرفيين من محالّهم، وقد أثارت هذه الخطوة خوف الحرفيين والمهتمين بالتراث الثقافي السوري، وخوف سوريين آخرين يعتبرون أن هذه الإنذارات مؤشر على بداية تغيير هوية المكان، وتفريغه من إرثه وتاريخه الذي عرفه السوريون.

نضال ماشفج -معاون وزير السياحة- قال لصحيفة "تشرين" الرسمية إنه لا يوجد أي بند قانوني يلزم الوزارة بتجديد عقود الحرفيين بعد انتهائها كل سنة، وأنه وفقاً للقانون يحق للوزارة أن تطالب بإخلاء المحال المستثمرة من قبل أصحاب المهن لأغراض المصلحة العامة قبل انتهاء مدة العقد، ومن دون أن يحق لأصحاب المحال المطالبة بأي عطل، أو ضرر أو غبن أو ما شابه ذلك.  

في السياق ذاته، خرجت أصوات تتهم وزارة السياحة بأنها تقوم بدور ليس لها، ومنهم "الفحام" الذي صرح لـ"اندبندنت عربية"، بأن هناك تخوفاً من الجهات التي تعتبر نفسها أنها تستطيع تجاهل وزارة الثقافة، وذلك عبر امتلاكها لرأس المال والقوة المالية، والتواصل والدعم من أصحاب النفوذ، لذلك على وزارة السياحة أن تمثل السياحة المستدامة، بمعنى حماية المصادر الطبيعية والمائية والتراثية، ويكون اهتمامها بتقييم الأثر البيئي لأي مشروع".

هناك قصص كثيرة بدأت تنتشر في دمشق عن استباحة إيرانية لمعالم ثقافية وتراثية في دمشق، وخصوصاً في دمشق القديمة والمناطق القريبة من مزارات شيعية

في تطور لافت دخلت الأمانة السورية للتنمية (وهي مؤسسة سورية غير حكومية وغير ربحية)، على الخط، معتبرة أن التكية تدخل ضمن أحد محاورها المرتكزة على صون وتوظيف التراث الثقافي لسوريا، كقوة إيجابية في تنميتها الاجتماعية وإعادة إحياء مجتمعاتها، لكن ورغم بعض الأحاديث عن علاقة ما تربط الأمانة بوزارة الثقافة، إلا أن الفحام غير مطمئن إلى نواياها، ويدعوها إلى ضرورة الإعلان عن خطتها بما يخص التكية، وذلك لأن الموضوع يهم الرأي العام في سوريا، وبعض الجهات خارجها، كما يحثها على وجوب أن تحدث مكاشفة لكل ما سيحدث من خطط وتطوير وتنمية للمكان.

ما يجري للتكية السليمانية، وما يُحاك لها  ليس بعيداً عما حدث ويحدث لمواقع كثيرة في دمشق، فهناك قصص كثيرة بدأت تنتشر في دمشق عن استباحة إيرانية لمعالم ثقافية وتراثية في دمشق، وخصوصاً في دمشق القديمة والمناطق القريبة من مزارات شيعية، وكنا قد نشرنا سابقا، عن بيع المدرسة القليجية الحنفية، وهي مدرسة أثرية تقع في دمشق القديمة، داخل أسوار مدينة دمشق القديمة، خلف قصر العظم مباشرة وإلى الجنوب الشرقي منه، في الحارة الموصِّلة من سوق البزورية إلى جادة معاوية الصغير، والواقعة بين القصر وبين حمام نور الدين الشهيد، وتقابلها إلى اليمين قليلاً المدرسة الكاملية، وبما أنها داخل سور دمشق التاريخي، فهي ضمن ما يعرف بمنطقة دمشق القديمة، وقد أدرجتها اليونيسكو ضمن مواقع التراث العالمي، أي إنها مصنّفة من ضمن المناطق المحمية من قبل اليونسكو، لكنها وبلعبة شاركت بها وزارة الأوقاف، تم بيعها لتصبح مطعماً وفندقاً سياحياً، تعود ملكيته لضابط سوري أجرم بحق سوريا والسوريين، وهو رجل إيران الأهم في سوريا.

حتى اليوم لم تقم أي جهة حزبية أو شعبية أو حكومية، برفع الصوت ضد الاستباحة الإيرانية لمعالم دمشق الأثرية والثقافية والتي تشكل هويتها التاريخية والمعمارية والثقافية، بينما يتبارى أزلام إيران وفي مقدمتهم آل الأسد في تسهيل سيطرتها على المدينة.