في شأن مدة الصلاحيّة والتربيع والتدوير

2023.01.28 | 06:08 دمشق

آخر تحديث: 28.01.2023 | 06:08 دمشق

في شأن مدة الصلاحيّة
+A
حجم الخط
-A

عندما تقترب صلاحية المنتوج من أرذل عمره، مأكولًا أو مشروبًا أو مصنوعًا، يُصرف إلى جمعيات الإحسان. وآجال الأطعمة المحفوظة في قماقم معدنية أو قوارير زجاجية محكمة الإغلاق في بلاد بني الأصفر، تصانُ بالأكاسير الكيماوية وكيموسات العقاقير، وتُحرز من أنفاس الهواء الذي يتثلم شرفها منه فتبور. وهي ضارّة بالصحّة على ما تقول الدراسات الصحية. أما الثمار والغلال الطبيعية، فلها أعمارها في كتاب مبين، بعضها طويل بحسب سماكة أسوار الثمرة الخارجية ومناعته، فجوزة الهند طويلة العمر في صدفتها الخشبية، وكذلك القمح في سنبله.

ذكرت الأخبار إنه عُثر على جرة عسل فرعونية، بها بقايا من رحيق النحل، وكانت المؤن قديمًا تحفظ بالثلج، فالثلج مادة واقية طبيعية، وقد اخترعوا قبل عقود الثلاجة، لإطالة عمر الأغذية، وكانت الأغذية تحفظ قديمًا بالملح، فالملح ثلج بارد، لا يذوب تحت الشمس، ومثله قرينه في اللون وضده في الطعم؛ السكّر؛ وهو مادة حارزة أيضًا.

اجتمعت الثلوج الأربعة على السوري؛ الثلج بسيوف البرد، والملح والسكر بالنقصان، أما عدو السوري الأول الأسود المتنكر بالبياض فهو الظلم

الملح صائن للمودة أيضًا، تقول الأمثال عن المروءة المحفوظة بين ودَّين: بينهما خبز وملح. الملح والسكر والثلج أخوة في رضاعة لبن البياض، والمواد الثلاث تذوب بالحرارة، غير أنَّ الثلج أذوب من صاحبيه. والثلج يسقط من محالج خفية من السماء، أما الملح، فسيتصفى من مياه البحار بالتجفيف، أو من تفتيت الصخور الملحيّة، أما السكُّر، فهو يستخرج من الثمار، وهو أطيب الثلاثة وأعزِّها. البرد ثلج لم يبلغ الشيب، والبرد أصل كل علَّة كما تقول الأمثال، وقد اجتمعت الثلوج الأربعة على السوري؛ الثلج بسيوف البرد، والملح والسكر بالنقصان، أما عدو السوري الأول الأسود المتنكر بالبياض فهو الظلم.

يزهد التاجر الأوروبي في العالم المتقدم في الرفاه والخدمات، بالمنتوجات المشرفة على انقضاء أجلها، وتسمى أعمار الأغذية في أدبيات التجارة وآجالها: انتهاء مدة الصلاحية.

وهم في بلاد الفرنجة يقدرون أعمار المأكولات في المخابر باليوم، ويصرف التجار الأطعمة المقتربة من أجلها إلى جمعيات كنسية توزعها على الفقراء، ويسمون جمعيات الإحسان والبر في ألمانيا والسويد "بالتافل"، والتافل في ألمانيا سلسلة تشبه محابس الأوقاف في بلادنا، ولفظًا هو تصحيف التيبل بالإنجليزية، والتيبل لوح الأسماء وقوائم الأغذية، ولعلّه من الطبل والطبلية العربية، والطبلية هي الطاولة، والطاولة هي النضد الذي يكتب عليه.

أما المتاجر الباكستانية والتركية والسورية المستحدثة في ألمانيا، فترخص أسعار بضائعها المقتربة من الانقضاء، أو المنتهية العمر الغذائي، فتبيعها بنصف ثمنها، ويشتريها النازحون والوافدون، فالشبع في اقتصاد الحرب والمحنة عند الوافدين أولى من الصحّة.

الأغذية تطول أعمارا في بلادنا، أما الآلات المستوردة فتتجدد باستعارة أعضاء من آلات أخرى، من ذلك السيارة التي يجري إصلاحها بالترميم حتى تحيا عمرين أو ثلاثة من أعمار قريناتها في بلد المنشأ، فقد أصبحنا أقوامًا لا نعترف بأعمار الآلات. ولتمديد أعمار الآلات بالصيانة أسباب سياسية واقتصادية، والسبب الأول هو الغلاء والندرة والحاجة، والحاجة هي من ضرورات الدكتاتورية وأركان قيامها.

يتساوى الشحم والورم عند المحتاج.

الرئيس ملك ناقص الشرعية، والرئيس غير الملك في الأدبيات السياسة والنظريات، وإن تساويا في الملك، فالملك يعيش ملكًا ويموت ملكًا، ويورث ملكه لأولاده وأهله، أما الرئيس فيجدد المادة الحافظة لملكه بإجراء عرس سياسي هو الاستفتاء. ولسكر الاستفتاء اسم آخر هو: تجديد البيعة.

والفرنجة بعد أن طال عمر الإنسان من أربعين سنة قبل الحرب العالمية الثانية إلى ثمانين سنة في الألفية الثالثة، زهد بعض شيوخهم في الحياة، فصرفوا القتل من الصرف في القوانين باسم الموت الرحيم، حتى إنَّ الممثل الفرنسي الوسيم آلان ديلون، توسل إلى صائني صحته إنهاء أجله بالقتل الرحيم، وقد أصبح الحال أنَّ كثيرًا من المتاع الإلكتروني مثل المصابيح والطابعات وأمثالها لها أعمار محددة، فهي تموت بأجل يقدر بسنتين للتابلت، وهو ما يزيد في تلويث البيئة التي تشيخ بسرعة. التصحر نوع من الشيب يصيب الأرض، وشيبه بلون الحناء. يقال إن عمر الأرض قلّ حتى إنَّ أثرياء القوم يشترون أراضيَ في كوكب المريخ!

أما سبب قصر عمر الآلات في البلاد المتقدمة، فهو الازدياد في الربح والكسب، ومنها أعمار السيارات والأجهزة الإلكترونية فتنفى، وهي نفايات مضرة بالبيئة التي يبكي عليها حماة المناخ ويتظاهرون قاطعين الطرق ملتصقين بالأرض بأصماغ قوية.

أعمار الآلات الأوروبية قصيرة الأجل بسبب التحسين المطرد في أحوالها، والإنسان عندهم طويل الأجل، أما الإنسان عندنا، فقصير العمر، فهو بضاعة ومتاع، وقد استقدم النظام السوري شعبا جديدا من أقليات أفغانية وفارسية تحقيقا للتجانس الطائفي على ما تقول إحصاءات مسرّبة، والنظم السياسية طويلة العمر، ضد السقوط، ممسوكة بشدة بالأسلحة في الداخل وبالشرعية الدولية في الخارج.

حكومات إسرائيل، فأعمارها لا تزيد على عمر التابليت في أوروبا. ورحيلها يحلّها من العقود والاتفاقات مع الأعداء والجيران

تقصر أعمار الحكومات في بعض الدول الغربية التي توصف بالديمقراطية قصرا شديدا فهي في أعمار الورد الجوري، لأسباب نجدها تافهة أو غريبة، مثل تقبيل وزير صحة بريطاني زميلته في المصعد، ولأن الحكومات الغربية لا تجرؤ على المجاهرة بعداوة الحب، تذرعت بغياب الكمامة في القبلة. ودار جدل حول عدم وضع رئيس الحكومة البريطاني الحالي الحزام حتى أوشك على السقوط من منصبه وكان قد نجا من حوادث السيارات والطرق فوقع في حادث سياسي، أما سبب إقالة جونسون الظاهري فهو سهرة من غير كمامات أيضا، أما حكومات إسرائيل، فأعمارها لا تزيد على عمر التابليت في أوروبا. ورحيلها يحلّها من العقود والاتفاقات مع الأعداء والجيران.

تغيّر الناس، وانقلب المناخ، ثلوج القطب ذابت من الخجل، وساحت الأنهار في الربع الخالي، وأمرعت البوادي والقفار، لكن الدكتاتور الحصين المحصن بالكيماوي والسلاح والقوانين والدماء، ما يزال على حاله، على الأقل لحين كتابة هذا المقال.