عندما اقتنع الدب الروسي أنه بات ثعلباً!

2021.06.05 | 05:18 دمشق

1013359689_0_239_2901_1808_1000x541_80_0_0_29830177c2aadbd978017a6d6c9c38e3.jpg
+A
حجم الخط
-A

في تعبير جديد عن استخفافها بآلام الشعب السوري واستمرار سياسة الخداع التي تمارسها، قالت وزارة الخارجية الروسية يوم الأربعاء إنه من غير المستبعد إجراء انتخابات مبكرة في حال اتفقت المعارضة والنظام على دستور جديد.

التصريح الذي أدلى به بشكل مفاجئ نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، لا يعني أنه كان تصريحاً عبثياً، وبلا شك فإن لموسكو هدف محدد من ورائه، وهذا الهدف ليس بالتأكيد الدفع باتجاه عقد جولة جديدة من مفاوضات اللجنة الدستورية، ولا حتى جولة أخرى من لقاءات أستانا، كما أشار بغدانوف على هامش منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي يوم الخميس.

روسيا لو كانت مهتمة بالفعل بانعقاد جولة جديدة من مفاوضات اللجنة الدستورية لأمرت النظام بإرسال وفده غداً إلى جنيف

فالجولة السابعة من اجتماعات اللجنة الدستورية ليست المعارضة من يرفض انعقادها، حتى بعد أن أجرى النظام انتخاباته الرئاسية وفق الدستور الذي يعتمده حالياً، وحتى بعد أن بات التفاوض على كتابة دستور جديد أمراً بلا معنى أو قيمة، ومع أن النظام وحلفاءه أفرغوا مسار اللجنة الدستورية من كل مضمونه منذ الجولة الأولى، إلا أن المعارضة ما زالت مصرة على هذا المسار ولا تفكر بإعلان تجميد مشاركتها به أو انسحابها منه، بشكل مستفز أكثر من مماطلة النظام وتلاعبه، وبالتالي فإن روسيا لو كانت مهتمة بالفعل بانعقاد جولة جديدة من مفاوضات اللجنة الدستورية لأمرت النظام بإرسال وفده غداً إلى جنيف وعندها ستجد وفد المعارضة قد سبقه إلى هناك!

أما فيما يتعلق باجتماع جديد لدول مسار أستانا، فإن الواقع يقول بإن هذا المسار قد استنفذ كل الأغراض التي وجد من أجلها، وحقق للدول الراعية له، وهي روسيا وإيران وتركيا، كل ما تريده تقريباً، وبالتالي فإن أي من هذه الدول لن يكون مضطراً لتجشم عناء الاستمرار في برنامج انتهت صلاحيته، ولذلك جاءت محاولة إطلاق مسار الدوحة في شباط الماضي لكنها أجهضت من قبل الروس، الذين على ما يبدو حسموا أمرهم وبشكل نهائي، بالانتقال من لعب دور الدب الضارب بعنف إلى لعب دور الثعلب.

ربما اقتنعت روسيا أن سياسة الوقاحة الفجة باتت من الماضي، وأن ما يمكن تحصيله بالكذب والألاعيب يفوق بدرجات ما يمكن تحصيله بالمواجهة والمجازفات الهوجاء.. هي في ذلك تريد مجاراة الآخرين، وخاصة الغرب في هذا النهج، لكن يبدو أداء موسكو لهذا الدور حتى الآن غاية في البؤس والاستفزاز أيضاً.

يقال إن البطة أرادت يوماً ما أن تقلد الطاووس في مشيته، ورغم تعثرها وتحولها إلى أضحوكة بين الطيور، إلا أنها أصرت على لعب هذا الدور، وبمرور الوقت اقتنعت بعدم جدوى المحاولة، لكنها عندما عادت لتمشي على طبيعتها كانت قد نسيت طريقة سير البط، فغدت أضحوكة بشكل أكبر وهي تمشي من دون هوية.. فلا هي تعلمت مشية الطاووس ولا عاد بمقدورها أن تسير سير فصيلتها.

واليوم تبدو روسيا كالبطة التي تريد أن تسير مثل الطواويس، لكن بطريقة كوميدية مثيرة للسخرية بالفعل، ولا أدري من الذي أفهم نظام بوتين بأنه يمكن من خلال استخدام هذا الأسلوب من التذاكي يمكن أن يقنع أحداً بأن موسكو ما زال لديها بعض من المصداقية، حيث يمكن لأي معارضة سورية تمتلك ذرة من احترام الذات أن يصدقها؟

لقد أهدرت روسيا البوتينية عشرات الفرص على مدار العقد الفائت من أجل لعب دور متوازن في القضية السورية، وأن تكون على مسافة واحدة بالفعل من جميع الأطراف، بما يؤهلها للحفاظ على مصالح دائمة ومستقرة في بلادنا، لكنها اختارت الوقوف بصف النظام المجرم منذ اليوم الأول، منتهجة سياسة الدب الحمقاء، ومن أجل تحقيق مكاسب آنية سريعة، فضلت أن تضحي بكل المصالح الاستراتيجية التي كان يمكن أن تحققها لو تدخلت بشكل إيجابي ومتوازن في سوريا.

فرط الروس بعدة فرص كان يمكن أن يبنى عليها في العلاقة مع المعارضة، لكنهم غدروا بالثوار والسكان في كثير من المناطق

يخطئ كثير من السوريين حين يعتقدون أن المعارضة أخطأت عندما لم تمد يدها إلى روسيا، فمنذ العام الأول للثورة سافرت وفود المجلس الوطني ومن بعده الائتلاف وكذلك من مؤسسات أخرى إلى موسكو، عارضين تعاوناً استراتيجياً على أساس المصالح المشتركة مقابل تخلي الروس عن دعم الأسد، لكن بوتين ونظامه كانوا قد حسموا أمرهم بشكل نهائي في الوقوف ضد إرادة الشعب.

وبعد تدخلهم العسكري المباشر عام ٢٠١٥، فرط الروس بعدة فرص كان يمكن أن يبنى عليها في العلاقة مع المعارضة، لكنهم غدروا بالثوار والسكان في كثير من المناطق التي وقعت تسويات ومصالحة، مثل ريف حمص وريف القنيطرة، أو رفضوا الإيفاء بتعهداتهم لمناطق أخرى، ما أفشل مشاريع تسويات كانت ستغني عن عمليات التهجير الواسعة، كما حدث في الغوطة وحلب على سبيل المثال، كما أن لنا في ريفي إدلب وحماة أمثلة صارخة عن نقض الروس للاتفاقات الموقعة.

وأخيراً، فقد تواطأت روسيا منذ العام ٢٠١٧ على الأقل مع النظام من أجل إفراغ القرار ٢٢٥٤ من مضمونه، ونجحت بجرجرة المعارضة إلى حلقات تفاوض مفرغة تدور فيها حول نفسها وفود هيئة التفاوض وقوى سوتشي وأستانا من دون أي طائل، الأمر الذي شجع الدب الروسي على التمادي أكثر في تذاكيه حتى ظن نفسه أنه ثعلب بالفعل، فخرج نائب وزير الخارجية بتصريحه الأخير هذا حول احتمالية إجراء انتخابات مبكرة في حال اتفقت المعارضة مع النظام!

نعم استفادت روسيا من موقف غربي متراخ وجبان سمح لها بالاستعراض في أكثر من مكان من بينها سوريا، كما استفادت من موقف تركيا الصعب ومحدودية خياراتها، ومن غياب عربي كامل عن الملف السوري، لتفعل كل ما فعلته حتى الآن، لكنها استفادت أكثر ما استفادت من سوء تقدير المعارضة لأهداف موسكو وانجرارها وراء سياساتها ووعودها الكاذبة، فهل آن الأوان لكي نقول لها كفى.. أما أن مبرر عدم وجود خيارات سيبقى سلاح هذه المعارضة؟!