عن تهميش المنشقين واغتيال الجيش السوري الحر

2021.03.18 | 11:49 دمشق

الجيش الحر
+A
حجم الخط
-A

مر عقد كامل على ثورة الشعب السوري، بما فيه من تحد مُلهم لأعتى الأنظمة الديكتاتورية إجراما، وأكثرها دموية في منطقتنا، وفي هذا العقد ومضات ودروس عظيمة، وتضحيات جليلة، تستوجب في الحد الأدنى مراجعات شجاعة.

من المهم حتى تمضي الثورة إلى غاياتها تحطيم كل التساؤلات المُرة بأجوبة نسعى ما أمكن أن تكون واضحة قاطعة، ويبرز في هذا المقام التساؤلات المتعلقة بالمنشقين عن جيش النظام، الضباط وصف الضباط والأفراد، وننضح من هذا الصندوق الأسود المسكوت عنه أسئلة منها: لماذا هُمش المنشقون؟ ومن هي الجهات الواقفة وراء إقصائهم والحرص على غيابهم؟ وما أسباب تراجع دور المنشقين بعد أن كان يُحتفى بانشقاقهم في بداية الثورة؟ وما انعكاس هذا الغياب على الشق العسكري من الثورة السورية؟

 

الانشقاق 

يعرف السوريون أكثر من سواهم أن حافظ الأسد صمم "الجيش العربي السوري" ليكون "جيشه" في اللحظة التي يتعرض فيها نظامه لخطر السقوط، ولا يتسع المقام هنا لاستعراض آلية "تدجين الجيش" ليصل إلى حد يكون انقلابه على النظام مستحيلا، وكذلك الانشقاق الجماعي المؤثر الواسع، مستفيداً بطبيعة الحال من دروس الانقلابات العسكرية منذ خمسينيات القرن الماضي إلى ما بعد مذبحة حماة.

الانشقاق عملية غير مضمونة العواقب، وفرص انكشافها أكبر من نجاحها، أي أن هذه التجربة كانت في ذلك الوقت وفي معظم الأحيان أقرب إلى العمل الانتحاري، وتداعياتها المميتة قد تصل إلى ذوي المُنشق،

لكن اللجوء إليها كانت أسبابها لا تقل عن الأسباب التي دفعت بملايين السوريين إلى تحدي آلة القتل، وفي حالة الانشقاق ألا يكون المُنشق جزءا من آلة القتل على أقل تقدير، وهو ما فسر احتفاء الثوار بالمنشقين، وتداول فيديوهات انشقاقهم على نطاق واسع.

من جهة أخرى، تجدر الإشارة إلى ما يستحق فعلا أن تُفرد له أبحاث ودراسات، وهو الضرر الذي لحق بالنظام جراء الانشقاقات، فهي وإن كانت فردية إلا أنها تسببت في خلل مهم ومؤثر في الوحدات العسكرية، ونقص في الكوادر، وأطقم العتاد الحربي، أجبرت عمليا النظام لاحقا إلى هدم البنية الكلاسيكية للقوات السورية، لتتحول خلال وقت قصير إلى ما يمكن الجزم بوصفه أنها مجرد ميليشيات، بُنيت على أساس طائفي يستجيب بشكل موضعي للتطورات العسكرية في مكان هنا أو هناك.

 

من سجن إلى آخر 

كثر من المنشقين وفي مقدمتهم الضباط اضطروا، أو دفعوا دفعا إلى مخيم الضباط في جنوب تركيا أو الأردن، وهنا لا يمكن إغفال عامل تأمين ذوي المنشق هربا بالدرجة الأولى من الملاحقات الأمنية.

كثير من المنشقين إن لم يكن جميعهم اعتقد أن المخيم خطوة أولى إلى معسكر للتدريب وتنظيم الصفوف للعودة السريعة المنظمة في الانخراط ضمن منظومة الجيش الحر، على أمل وضع خطط للتنظيم على أسس وقواعد عسكرية احترافية منضبطة وصحيحة، لكن كان كل ما ينتظر المنشقين هو الاستنزاف في طوابير تحصيل الحد الأدنى لمعيشة عائلته.

تهميش الضباط المنشقين كان في ذلك الوقت حالة غير واضحة المعالم ومن الصعب الحكم عليها إن كانت ممنهجة ومقصودة أم فرضتها ظروف الثورة وعشوائية العمل العسكري، وعدم وجود قيادة سياسية حقيقية تحتويها أو رأس يقودها، فالضباط المنشقون لم يقوموا بانقلاب عسكري وتبعتهم الجماهير الشعبية، بل الشعب هو من قام بهذه الثورة والضباط الأحرار التحقوا بركبها رافضين أوامر قيادتهم بقتل أهلهم، منحازين لمطالب الشعب، دون أن يكون لديهم أي مشروع سوى الدفاع عن الشعب وإسقاط النظام.

إلا أن تكديس الضباط ضمن مخيم أسواره محكمة وتحت حراسة مشددة وخاصة بعد اختطاف المقدم حسين الهرموش وتسليمه للنظام، وعدم اهتمام قيادة المعارضة السياسية المتمثلة بالمجلس الوطني آنذاك وفيما بعد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وعدم تقديم أي دعم لهم، كان له بالغ الأثر على نفسياتهم وتحطيمها، وهكذا تحول المنشق الذي كان سجينا خلال خدمته العسكرية ضمن أسوار رفضه أن يكون جزءا من آلة القتل، إلى سجن آخر أوله المخيم وزنازينه فصول متلاحقة من التهميش.

 

التهميش في الخنادق 

دفعت الخلافات والاصطفاف بين تياري العقيد رياض الأسعد والعميد مصطفى الشيخ إلى نشوء تيار ثالث شكّل المجالس العسكرية في المحافظات، وقادت بدورها هذه المجالس عمليات عسكرية حققت نجاحات كبيرة رغم شح الدعم والصعوبات في التعامل مع الثوار غير المتقيدين بأسس العمل والانضباط العسكري ممن لديهم دعم خاص من جهات كانت تحرص على عدم دعم الضباط، إلا أن هذا لم يمنع الكثير من المنشقين من الذوبان في الفصائل المقاتلة.

 

 

خناجر الشك المسمومة

في أحيان قليلة عن جهل وتوجس، وأحايين أكثر عن دراية ومعرفة، كان يجري شحذ خناجر التشكيك بالمنشقين، وهم من بعد أن فرح بهم المتظاهرون، بدأت عملية نبذ لهم، إذ كان يجري الترويج وخصوصا مع نمو الصبغة الإسلاموية أن المنشقين هم علمانيون وبعثيون، أو كيف يمكن أن نثق بمن تخرج من كليات ومدارس الأسد العسكرية، وصولا إلى أن المنشقين إن نظموا أنفسهم فسيعيدون سوريا إلى حكم العسكر في حال سقوط النظام.

وهنا من المناسب الإشارة إلى غصة حين كان تُسدل الستائر أيام الأسد للصلاة خشية أن يُتهم المصلون أنهم "إخوان مسلمون"، ولاحقا صار على المنشقين أن يلهجوا بصلاتهم حتى تصدق "التيارات الإسلاموية" أنهم ليسوا أسدييْن، وهكذا تعاضدت عوامل شتى لإبعاد المنشقين العسكريين عمّا كانوا يأملون القيام به، واصطدمت محاولاتهم في مشاركة خبراتهم العسكرية بنظرات استعلاء وتعامل فج، وخصوصا من جانب "قادة الفصائل" الذي بدؤوا النظر إلى فصائلهم على أنها إقطاعية خاصة بهم.

وبناء على ما تقدم، يمكن رسم ملامح مرتكزات البعد الاستراتيجي لتهميش الضباط المنشقين آخذين بعين الاعتبار العوامل الداخلية، وأيضا البعد الإقليمي والدولي، خاصة بعد تشكيل غرفتي العمليات، الموم والموك.

 

خط أحمر 

يمكن القول راهنا إن  تشكيل مؤسسة عسكرية حقيقية بقيادة ضباط متمرسين على أساس رؤية وطنية بعيدة عن التعصب الطائفي والعرقي، كان خطا أحمر، لأن بناء مثل هذه المؤسسة يعني أنها ستكون منافساً قوياً لمؤسسة النظام العسكرية الطائفية الدموية القائمة على تصورات متطرفة، وستصبح مثل هذه المؤسسة عاملَ جذب وتشجيع لكثير من العسكريين ومن كل الرتب وكل المكونات على الانشقاق عن جيش العصابة الأسدية والالتحاق بها، وهذا ما سيسرع بإسقاط النظام ووصول شريحة من الضباط الوطنيين الأحرار إلى قيادة الجيش ، وهذا ما تخشاه إسرائيل ولا ترغب به الكثير من الدول الإقليمية والدولية.

 

الفوضى هي الهدف

كان لافتا أن فوضى العمل المسلح لم تكن بريئة، وكان أحد أبرز أدواتها ضرورة إقصاء الضباط الأحرار وتجريدهم من كل الأدوات والأسباب التي تمكنهم من البقاء في الساحة، ودعم قادة ميدانيين في سبيل تحويل العمل العسكري إلى بندقية بدون عقل، أو تقوية الانحرافات الكبيرة عن أهداف الثورة، وتبرير التجاوزات والأخطاء.

ظهرت الإرادة الدولية بتهميش الضباط وإقصائهم جلية واضحة أواخر العام 2012 في مؤتمر أنطاليا لتشكيل قيادة أركان الجيش السوري الحر وكانت محطة فارقة في العمل العسكري حيث تم تشكيل المجلس العسكري الأعلى أو كما أطلق عليه (مجلس الثلاثين) وفُرض تصور تشكيله على أن يكون ثلثا أعضائه من المدنيين والثلث الآخر من الضباط واختيار نواب لرئيس الأركان ونواب قادة الجبهات أيضاً من المدنيين مما حجّم دور الضباط وألغى فاعليتهم وخاصة عندما أصبح الدعم الدولي يأتي عن طريق أولئك القادة الثوريين إلى فصائل بعينها دون معرفة رئيس الأركان أو قادة الجبهات والمجالس العسكرية وبالتالي أصبحوا واجهات دون أي فاعلية أو تأثير.

وهنا أشير على سبيل المثال لا الحصر إلى افتقار أغلب القادة للعلم العسكري والخبرة في التخطيط للمعارك واتخاذ القرارات الصحيحة في الأوقات المناسبة، فكان كثير من هؤلاء القادة يتفاخرون بالعدد الكبير من الشهداء في فصائلهم ظناً منهم أن ذلك شجاعة وبطولة غير مدركين أن القائد الناجح هو الذي يستطلع أولا بشكل علمي ويخطط بشكل متقن ويقود تاليا المعركة لتحقيق النصر بأقل قدر ممكن من الخسائر.

 

حوض التطرف 

كانت هناك عدة جهات تنظر بل ترعى نمو التيارات الراديكالية المتطرفة لتحويل سوريا إلى حوض يجذب المتطرفين من كل مكان لضربهم لاحقا، وهي لعبة يحترفها نظام الأسد وأنظمة أخرى في المنطقة،

وتزامن بروز ملامح التحول إلى فصائل إسلاموية مع إطلاق سراح قيادات من سجون نظام الأسد، تبعه رئيس الوزراء العراقي آنذاك نوري المالكي وأطلق المئات منهم من سجن أبو غريب، وما ساعد على ذلك وجود بيئة عربية لديها الاستعداد لتقبل هكذا تيارات وتوفير لها مصادر تمويل دائمة ومستمرة من قبل حكومات ظل وشيوخ سلفيين ومنظمات دينية ودعوية وإغاثية بعضها يحيط بها شبهات كبيرة على أنها واجهات لأجهزة استخبارات وجدت ضالتها في سوريا بعد أن فشلت في أفغانستان والصومال وغيرهم من البلدان، وأمام هذا الواقع اكتملت عملية تجفيف دعم المنشقين وأمل إنشاء مؤسسة عسكرية وطنية. 

 

المنشق ثائر ووقفة عند محطات خالدة

رغم كل ما سبق من تضييق وتشكيك، إلا أن الكثير من المنشقين تحمل مسؤولياته الأخلاقية والتاريخية بكل أمانة وجدارة وإخلاص، والتاريخ يشهد على المعارك التي قادها منشقون وحققت نجاحات كبيرة، حرروا فيها قطعات وثكنات محصنة، ارتقى خلالها ما يزيد على ٤٥٠ ضابطا من مختلف الرتب وآلاف من صف الضباط والأفراد.

وقبل أن أترككم مع محطات لمعارك خالدة، وبعدها محطات الانشقاق التي لا ينساها السوريون، أود التأكيد على أن هذه المادة ليست مجرد استحضار للتاريخ القريب، بل هي مراجعة نحتاج معها إلى الاعتراف بأن الفرصة الآن يجب أن لا تضيع ببناء مؤسسة عسكرية وطنية، وتحويل الجيش السوري الحر إلى مؤسسة عسكرية حقيقة، فهي فقط من ستمهد الطريق لنا إلى دمشق، إلى حريتنا وكرامتنا.

 

معارك خالدة قادها منشقون: 

- معركة تحرير معبر باب الهوى في ربيع العام 2012 قادها العقيد البطل محمد رزوق واستشهد وهو في الصفوف الأولى، وإلى جانبه المقدم محمد بكور الذي أصيب في المعركة، والنقيب مصطفى السيد وكثير من الضباط.

- معركة تحرير مدينة الأتارب قادها الشهداء الملازم أول أحمد الفج والنقيب مصطفى عبد الرزاق والملازم محمد اليوسف.

- معركة تحرير الفوج 46 قوات خاصة في ريف حلب الغربي قادها مجموعة من الضباط الأحرار في مقدمتهم العميد أحمد الفج (عم الملازم أول أحمد الفج) ابن الأربعة والستين عاماً آنذاك، العقيد عبد الباسط طويل، العقيد محمد العمر، النقيب علي شاكردي، الرائد ياسر عبد الرحيم، النقيب الشهيد عبد الواحد جمعة، النقيب الشهيد محمد نجم، النقيب ناجي مصطفى الذي تعرض لإصابة بليغة في الرأس، النقيب عبد الناصر جلال، النقيب محمد عكاش، الملازم أول مرشد الخالد الذي لا أنسى منظره وهو كالسهم يقود مجموعته حافي القدمين ملفوفتين بالشاش من أثر الإصابة رغم الأمطار والبرد القارس.

- معركة تحرير مدرسة المشاة قادها الشهيد البطل العقيد يوسف الجادر يساعده الشهيد الملازم أول أحمد طلاس، والمقدم محمد حمادين.

- معركة تحرير اللواء 80 في حلب قادها العقيد الركن عبد الرزاق محمد وإلى جانبه المقدم فهد الجويد، والمقدم إبراهيم الجويد، والملازم أول أحمد شبلخ، والملازم أول رضا حمود.

- معركة تحرير مدرسة الشرطة وخان العسل والراشدين غربي حلب قادها الشهيد البطل ابن درعا الأبية المقدم الدكتور المهندس محمد الخطيب يساعده المقدم محمد بكور والعديد من الضباط تم ذكر أغلبهم في المعارك السابقة من الفرقة التاسعة والفرقة 19.

- معارك تحرير كتيبة الصواريخ في حندارات بقيادة الشهيد الملازم أول رفعت خليل أبو النصر.

- معركة تحرير مطار منغ العسكري بقيادة النقيب أحمد غزالي وثلة من زملائه الأبطال النقيب مروان صيادي وشقيقه النقيب عدنان، الملازم أول محمد طلاس أبو الجولان، النقيب المهندس إسماعيل نداف.

- معارك تحرير حلب المدينة بقيادة الشهيد الرائد المهندس يوسف عجان الحديد والشهيد النقيب المهندس محمد دشو والنقباء المهندسين محمد مصباح عجان الحديد، حسام صباغ وتميم باقر.

 

محطات انشقاق لا تُنسى

- أول حالة انشقاق للمجند في الحرس الجمهوري وليد القشعمي بتاريخ 23 من نيسان 2011 رافضاً إطلاق النار على المتظاهرين في حرستا ومعه بعض زملائه الذين ألقوا أسلحتهم وهربوا (وهذا مؤشر على وعي مبكر بعدم حمل السلاح والإصرار على سلمية الثورة).

- في السابع من حزيران 2011 وفي خطوة غاية في الشجاعة والإقدام يعلن أول ضابط عن انشقاقه عن الجيش هو الملازم أول عبد الرزاق طلاس بسبب ما سماه الممارسات غير الإنسانية واللاأخلاقية وانحاز لمطالب الشعب.

- في التاسع من حزيران 2011 يعلنها مدوية بطل مغوار من الضباط الأحرار الذين أقسموا على حماية الشعب والوطن يفضلون الموت على توجيه سلاحهم إلى صدور أهلهم إنه المقدم حسين الهرموش الذي أعلن انشقاقه عن الجيش السوري بعد حملة على جسر الشغور وقال إنه انشق بسبب قتل المدنيين العزل من قبل أجهزة النظام.

- 24 من حزيران انشقاق ضيغم من ضياغم الرستن صاحب المقولة المشهورة (إن رأيتم الدبابات في الرستن فاعلموا أنى قد استشهدت)، الملازم أول أحمد الخلف، الذي قاوم دبابات النظام بسلاحه الفردي حتى استشهد.

تتالت بعد ذلك انشقاقات من مختلف الرتب وفي منتصف شهر تموز شكّل المقدم حسين الهرموش لواء الضباط الأحرار في محاولة لاحتواء المنشقين وتنظيمهم في تشكيل عسكري للدفاع عن الشعب السوري. 

تلاه في 31 من تموز 2011 انشقاق العقيد رياض الأسعد مع مجموعة من زملائه وتشكيل الجيش السوري الحر، وتسارعت عمليات الانشقاق إلى أن انشق العميد الركن مصطفى الشيخ وكان أعلى رتبة تنشق عن جيش النظام في 18 من شباط 2012.