عفلق في "سوريا وحطام المراكب المبعثرة"

2020.10.05 | 00:16 دمشق

iraqi_president_saddam_hussein_with_baath_party_founder_michel_aflaq_in_1979.jpg
+A
حجم الخط
-A

من الجميل قراءة شهادات حية عن التاريخ السوري المعاصر، بالأخص إذا أتت هذه الشهادات من أناس كانوا مقربين من أصحاب التأثير، وإن كانوا غير معروفين اليوم، ولا يتم تداول اسمهم بشكل كبير.

كتاب "سوريا وحطام المراكب المبعثرة.. عفلق والبعث والمؤامرات والعسكر" هو حوار أجراه الكاتب صقر أبو فخر مع نبيل الشويري يلقي الضوء على فترة مهمة جداً من تاريخ سوريا، وعلى أهم الشخصيات، طبعاً من وجهة المحاوَر والمحاوِر.

أحزاب البعث

نبيل الشويري هو أحد تلاميذ ميشيل عفلق وجاره في حي الميدان وتجمعهما قرابة، وهو بالتالي أحد رواد حزب البعث الأوائل، وقد انضم إلى الحزب مبكراً، ولكن كونه كان قاصراً عند التأسيس فجعلوه من الأعضاء الأنصار، ولكن هذا لم يمنعه من النضال لتحقيق المجتمع التقدمي الذي كان يؤمن به، حتى تعرض للسجن عدة مرات في عهد حسني الزعيم ومن جاء بعده.

يوضح الشويري أن حزب البعث العربي الاشتراكي منذ البداية لم يكن ذا صيغة محددة، ولم يكن هناك حزب متماسك، ففيه اليساريون الذين يميلون لتطبيق الاشتراكية، واليمينيون الذين لا مشكلة لهم مع الرأسمالية والبرجوازية وفيه القوميون وفيه الوسط، الذين ينتمون إلى كل الأحزاب، إلا أن أهم ما في الموضوع هو أن حزب البعث حسب رأيه أربعة أحزاب، حزب ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وحزب جلال السيد وحزب أكرم الحوراني، الاشتراكي العربي، الذي اندمج مع حزب البعث عام 1952، وحزب وهيب الغانم، الذي سيطر طلابه على الحكم في سوريا عبر اللجنة العسكرية، منذ آذار 1963 حتى اليوم. أما زكي الأرسوزي صاحب فكرة البعث، فكان يرى نفسه أكبر وأهم من الجميع.

حزب الأفندية

الشويري الذي كان ينظر إلى عفلق كقديس ويعتبر نفسه أحد حوارييه يوضح في الكتاب أنه خاب ظنه به، فهو رجل انتهازي، وطموح ويريد أن يكون له دور في سوريا، يجيد اللعب على الصيغ اللفظية، وهو وصلاح الدين بيطار تقليديون معلمو مدارس نخبويون، لا تتعدى علاقاتهم تلاميذهم وأعضاء الحزب، لذلك سماهم أكرم الحوراني "الأفندية" الذين لا علاقة لهم بهموم العمال والفلاحين، وهم حسب الشويري ليسوا كالحوراني، الذي يستمد قوته من التواصل مع الناس على الأرض، وبقي حتى بعد تسلمه عدة مناصب يأتي إلى المقهى ليتناقش مع رفاقه.

تلفيقة!

كنوع من الرغبة في الوصول وجد ميشيل عفلق ما سماها الشويري" تلفيقة" وهي محاضرة "ذكرى الرسول العربي" التي ألقاها عفلق على مدرج جامعة دمشق عام 1943، وربط فيها بين القومية والإسلام، "وهذا الخطاب المشهور وجد فيه المسلمون بديلاً عن العقل الرجعي الذي يمثله الإخوان المسلمون، ووجد فيه الشباب أملاً فأعجبوا به كثيراً، أما الكبار فانزعجوا منه. المهم أنه وجد تلفيقة وأسس الحزب على أساسها".

انتهازية

يسرد الشويري الكثير من القصص التي تؤكد انتهازية عفلق واضطرابه، منها أنه والبيطار استقالا عام 1942 من وزارة المعارف احتجاجاً على صدام الطلاب معها، وبسبب موقفهما من المناهج والعملية التربوية، فاكتسبا شعبية كبيرة بين الطلاب، ولكن الحقيقة أنهما استقالا كي يتفرغا للعمل السياسي، وحتى عندما أصبح عفلق وزيراً للمعارف عام 49 لم يقم بشيء لتحسين المناهج، التي استقال هو والبيطار من أجلها.

علاقة غرامية

وكان عفلق يمدح شكري القوتلي الذي كان نجمه لامعاً حينها، وعندما لم يدخله القوتلي في كتلته الانتخابية تغير الموقف منه فوراً، والقصة الأخرى هي اكتشاف علاقة بين عفلق وزوجة أحد أتباعه

عندما قام انقلاب الثامن من آذار عام 1963 الذي قاده الناصريون والبعثيون، لم يكن عفلق على علم بما يجري، فهو كان يعد المؤتمرات القومية، ويراقب ما يجري في العراق وغيره

في الحزب، حيث تم الاتفاق على خروج عفلق من سوريا عدة أشهر إلى أن تهدأ نفس طالبه الرفيق البعثي، الذي طلق زوجته اللعوب، وأوفد إلى فرنسا كي يدرس فيها الدكتوراه.

ثقل دم

أثناء الوحدة مع مصر خطب عفلق بأن الوحدة القومية هي البديل عن البعث، لذلك حل ولكن جمال عبد الناصر كان يستثقل دم عفلق، وما كان يرى فيه سوى تابع، لذلك حقد عفلق على عبد الناصر، واعتبره شيطاناً يمشي على الأرض.

ثورة دون علمه

عندما قام انقلاب الثامن من آذار عام 1963 الذي قاده الناصريون والبعثيون، لم يكن عفلق على علم بما يجري، فهو كان يعد المؤتمرات القومية، ويراقب ما يجري في العراق وغيره، ورغم ذلك تبنى هذا الانقلاب الذي رفض الحوراني أن يكون في واجهته، وبدأ الرفاق بتصفية بعضهم.

إغداق صدام

في عام 1966 اضطر عفلق للهرب كي لا يقع في قبضة تلاميذه الذين قد يحكمون عليه بالإعدام، ففر إلى العراق، وهناك تحول لواجهة لتلميع صدام حسين، الذي استطاع أن يلجم طموحه، ويجعله آلة دعائية له، فالقائد المؤسس والأمين العام للحزب قد قال في إحدى خطبه المشهورة "صدام حسين وعبقرية صدام حسين هي هدية البعث للعراق، وهدية العراق للأمة العربية". يتحدث كثيراً الشويري عن الإغداق الذي أغدقه صدام عليه "بكل ما تحتاجه نرجسيته مادياً ومعنوياً"، وعن الحياة المترفة التي كان يعيشها بين سويسرا وفرنسا، وأن عفلق منذ خروجه من سوريا قد أحيل للتقاعد عن العمل السياسي، وحتى عندما رجاه مؤسسو حزب البعث في بيروت عام 1969 كي يعود للعمل السياسي أخبرهم أنه أصبح أباً وأنه يريد أن يربي أبناءه، فرد عليه جلال السيد أن المربي الذي كان يريد أن يربي الجيل العربي أصبح همه مقتصراً على أربعة أبناء! عندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية جاء التلفزيون الفرنسي مع السفير العراقي كي يأخذوا رأي عفلق بالموضوع، ولكن الأخير لم يكن عنده أي اطلاع على الموضوع.

كذبة إسلامه

يشير الشويري إلى أن قصة إسلام عفلق هي من تأليف صدام حسين، الذي كان الإعلام الإيراني يعايره بأنه يأخذ أوامره من غير مسلم، لذلك ألف صدام هذه القصة أن عفلق أسلم وأوصى أن يتم تعميم هذا الخبر بعد موته، ولكن حتى عائلة عفلق لم يكن عندها علم بهذا الموضوع.

الشويري وحاطوم

بالعودة إلى الشويري.. حيث كان مع بدر جمعة من المساهمين في المحاولة الانقلابية التي قادها سليم حاطوم، ولكن بعد فشلها وهروبهم الى الأردن، عادوا عقب نكسة حزيران، طمعاً بالعفو، ولكنهما أعدما، بينما عاد الشويري معهم إلى سوريا، ورفض أن يسلم نفسه، وهرب إلى لبنان حيث بقي فيها عشر سنوات، إلى أن صدر عنه عفو من حافظ الأسد برعاية من موسى الصدر.

هذه السيرة الذاتية التي جاءت على شكل أسئلة وأجوبة تكشف الكثير من المعلومات عن تلك الحقبة المهمة التي أسست للخراب الذي نحن فيه اليوم، وهي بذات الوقت لا يمكن أن تحمل على عواهنها دون تمحيص وتدقيق.

كلمات مفتاحية