سوريا كلها منكوبة وليس شماليها فقط

2023.02.09 | 05:57 دمشق

سوريا كلها منكوبة وليس شمالها
+A
حجم الخط
-A

كارثة السوريين مستمرة، ومآسيهم لا تتوقف، تتكرر وتتواتر، ولا تترك لهم مساحة زمنية للراحة، ولم يكن ينقصهم سوى ما حصل فجر يوم الاثنين المشؤوم، حين امتد تأثير زلزال تركيا المُرعب ليضرب شمال غربي سوريا، ويُخلّف كارثة في المنطقة، حيث سقط الآلاف تحت أنقاض البيوت بين قتيل وجريح، وخلّف مئات العائلات المفقودة، وترك الأهالي ينعون ضحاياهم بالجملة، ما دفع إلى إعلان المنطقة منطقة منكوبة.

واقع الحال يؤكّد أن شمال غربي سوريا ليس وحده منطقة منكوبة بسبب الزلزال، بل كل سوريا منطقة منكوبة منذ اثنتي عشرة سنة، منكوبة بحرب لا طائل منها ولا مبرر، حرب شعواء نقلت سوريا إلى حدود الدول الفاشلة والبائسة.

سوريا كلها منكوبة، إذ ليس لديها القدرة على التعامل مع أية كارثة، فلا فرق إنقاذ كافية ومدرّبة، ولا جهاز دفاع مدني قادر على تلبية ما تحتاجه أية كارثة

الشمال السوري منطقة منكوبة منذ سنوات، وكل منطقة سورية أخرى هي كذلك، حتى تلك المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، فالأمر واضح وجليّ مهما حاولت الجهات الحكومية التعتيم ووضع لمسة تجميلية لتلميع واقع مزرٍ.

سوريا كلها منكوبة، إذ ليس لديها القدرة على التعامل مع أية كارثة، فلا فرق إنقاذ كافية ومدرّبة، ولا جهاز دفاع مدني قادر على تلبية ما تحتاجه أية كارثة، ولا معدات وآليات يمكن أن تُساعد في إزالة آثار الكارثة، بل حتى لا يوجد وقود لتلك الآليات إن توفر بعضها، ولا أموال لشراء قطع التبديل، وإن توفر بعضه لا يمكن تأمين هذه القطع بسبب العقوبات.

سوريا كلها منكوبة، لأن البنى التحتية هشّة في كل مكان، ومُدمّر قسم كبير منها، وأبنية قديمة تأثّرت بالحرب ونخرها القصف وضعضعتها الصواريخ المستمرة منذ 12 عاماً، أو أبنية تم تشييدها بسرعة دون مواصفات فنية، شيّدها أمراء الحرب، وانعدام وجود مؤسسات لإدارة الكوارث، وفوضى مؤسسات لا يمكن التنسيق بينها بأي حال.

نعم، سوريا كلها منكوبة، فلا توجد سيولة لشراء الطعام والألبسة للمنكوبين من أي كارثة، ولا قدرة بأي شكل من الأشكال على إيوائهم، ولا مشافي ولا مستوصفات ميدانية لعلاج المصابين بالكارثة، فضلاً عن النقص الحاد في الإمكانيات الطبية البشرية حيث قُتل أو هاجر قسم كبير من كوادرها الطبية.

سوريا كلها منكوبة وليس فقط شماليها، فالفقر يضرب أطنابه في كل مكان، والتضخم يستفحل، والأجور تتآكل، والجوع يصير علنياً ويفقأ العين، ومعدل الفقر المدقع يرتفع، والناتج المحلي ينكمش بشكل هائل، وقيمة العملة السورية تتراجع بشكل قياسي، ولم ولن تسمح العقوبات الاقتصادية بترميم أي شيء، وتنعدم إمكانية المواطن في الحصول على المأوى والعمل والصحة والتعليم والمياه وغيرها من الحقوق الأساسية لأي مواطن.

أزمات مالية وبشرية واقتصادية لا حدود لها تُسيطر على سوريا، والعجز التراكمي للموازنة العامة لا يُبشّر بغدٍ أفضل، وحكومة النظام تتخلى تدريجياً عن كل التزاماتها تجاه المواطنين، وتُلغي كل الدعم، المحروقات والخبز والحبوب والأسمدة وغيرها، وتترك السوريين دون كهرباء لعشرين ساعة يومياً، وتقطع عنهم المياه لأيام أحياناً، وعقوبات غربية لن تنتهي على المدى المنظور، وداعمو النظام السوري منشغلون بمشاكلهم الداخلية، وحروبهم الاستراتيجية، وأزماتهم الاقتصادية، ومن المرجح أن ظروفهم لن تسمح بدعمه بعد اليوم.

صارت سوريا واحدة من دول العالم الفقيرة، ووفق الأمم المتحدة يحتاج 70% من سكانها إلى المساعدة الإنسانية، ويعيش 90% منهم تحت خط الفقر، ويواجهون شتاءً قاسياً، وكوليرا وأمراضاً وانعدام أمان وقصفاً عشوائياً؛ ويهيمن عليها نظام منبوذ دولياً، سمح للابتزاز والفساد والسرقة والرشوة بالانتشار، وساهم في مضاعفة معدلات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، وتأتي اليوم الزلازل لتزيد على المأساة مأساة.

المآسي السورية مستمرة، والكوارث قادمة، والفوضى ستزداد، وكذا الجوع والفقر والفساد ونفوذ أمراء الحرب

وسط كل هذا، لا يظهر بصيص أمل باحتمال تحريك ملفات الحل السياسي، ويستمر النظام في رفض القرار الأممي 2254 المتفق عليه دولياً كمدخل للحل السياسي، ويتعامل الجميع مع الكوارث السورية تعامل المتفرج غير المعني، ولا يشعر بمأساة السوريين أحد.

القادم لن يكون أفضل، هذا أمر مُحتّم، والمآسي السورية مستمرة، والكوارث قادمة، والفوضى ستزداد، وكذا الجوع والفقر والفساد ونفوذ أمراء الحرب، وسيستمر المسار المتسارع للانهيار، ما لم يفرض المجتمع الدولي بالقوة على كل الأطراف حلاً سياسياً توافقياً يضمن تغييراً سياسياً جذرياً، ويضمن حلاً مستداماً يُنهي هذه الكوارث والمآسي التي دمّرت وطناً.