تحديات ما بعد قمة طهران

2022.07.27 | 07:11 دمشق

قمة طهران
+A
حجم الخط
-A

كل يغني على ليلاه، هذا ما أفرزته قمة طهران الروسية التركية الإيرانية نعم هناك بيان ختامي مشترك لكن لا جديد فيه، نعم هناك استمرار لاتفاق أستانا لكن لا جديد فيه، فكل من طهران وأنقرة تسعيان لجذب وكسب روسيا نحوها أكثر فأكثر للاستفادة من الوضع الإقليمي الجديد بعد الحرب الروسية الأوكرانية، ومن الواضح أن منطقة الشرق الأوسط تتجه نحو سياسة التكتلات السياسية والاقتصادية فالرئيس الأميركي يلتقي بحلفائه في جدة وبوتين يفعل نفس الشيء في طهران وتبقى تركيا بيضة القبان في المنطقة.

تركيا المنتشية بنجاحها في إقناع الطرفين الروسي والأوكراني بتوقيع اتفاقية وثيقة مبادرة الشحن الآمن للحبوب والمواد الغذائية من  الموانئ الأوكرانية وبوادر حل لمعضلة كانت تؤرق المجتمع الدولي تصطدم مع العراق بما سمي قضية قصف منتجع دهوك في الشمال العراقي، وبغض النظر عن التحليلات التي قيلت عن هذا العمل ومن كان وراءه وغايته وأهدافه إلا أن على تركيا التعامل معه بشكل جدي وباهتمام بالغ، وعليها أن تنجح في هذا الملف كما نجحت في ملف الحبوب لتثبت للمجتمع الدولي قوتها وقدرتها وثقلها السياسي على حل مشاكلها بشكل عام في منطقة لا تخلو من تطورات يومية سلبية أم إيجابية، أما فيما يخص الشمال السوري وتحديداً بعد إعلان تركيا التريث عن العملية العسكرية التي كانت تعتزم القيام بها فعليها إثبات أن التوقف جاء لتوافقات مع الأصدقاء وأن هناك مكاسب سياسة أو ميدانية ستحصل عليها لاحقاً وإلا فإن هذا التوقف جاء نتيجة ضغوطات لم تقدر عليها أنقرة وهذا يعني تقدماً ملحوظاً لصالح طهران الرافضة للعملية، وهذا التراجع سينعكس على الداخل التركي المقبل على انتخابات أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها حرجة وصعبة وهامة للغاية.

يأتي تأكيد بوتين بالشكر لتركيا على جهودها في حل مشكلة الحبوب العالقة عند الشواطئ الأوكرانية وحتى الحبوب الروسية، ليظهر للعالم أن ادعاءات الغرب على أن روسيا تستخدم الحبوب كسلاح للضغط على المجتمع الدولي ما هو إلا ادعاء غير صحيح

لا شك أن قمة طهران تعتبر رداً بروتوكولياً لروسيا على قمة جدة وتأتي ضمن استراتيجية روسيا وهي التحول نحو الشرق بعد العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا بسبب الحرب على أوكرانيا، ولذلك سعى الرئيس بوتين لإظهار أن روسيا ما زال لديها حلفاء وأصدقاء أقوياء ويأتي تأكيد بوتين بالشكر لتركيا على جهودها في حل مشكلة الحبوب العالقة عند الشواطئ الأوكرانية وحتى الحبوب الروسية، ليظهر للعالم أن ادعاءات الغرب على أن روسيا تستخدم الحبوب كسلاح للضغط على المجتمع الدولي ما هو إلا ادعاء غير صحيح، وأيضاً لتثبت لهم أنه ليس جميع أعضاء الناتو متفقين في مسألة العقوبات على روسيا أو اعتبار روسيا نفسها عدواً للناتو، وتركيا أكبر دليل على ذلك، وعلى صعيد آخر تريد روسيا إثبات أنها ما زالت على سياسة دعمها لحلفائها في مجالات عدة وهذا طبعاً يقصد به إيران التي تتشابه بكثير من الأمور مع روسيا، فكلاهما أصبحا عدواً للغرب وكلاهما تحت العقوبات الغربية وكلاهما منافسان غير مرغوب بهما للولايات المتحدة الأميركية لملء أي فراغ في منطقة الشرق الأوسط، وأما على صعيد الملف السوري فتؤكد روسيا على وحدة موقفها مع إيران في رفض العملية العسكرية التي تعتزم تركيا القيام بها ضد قسد في الشمال السوري وتفضل الحل السياسي عبر الأصدقاء، وهذا الحل لا بد أن يمر عبر دمشق الممثل المعترف به في الأمم المتحدة للدولة السورية ومجرد زيارة بوتين لطهران يظهر للغرب على أنه زعيم الشرق وأنه قادر على تشكيل تكتلات سياسة وحتى اقتصادية وفق الحاجة للرد على الغرب وخاصة أن بلاده تمتلك مفتاح الطاقة الذي يعد مصدر قوة إضافة للقوة النووية الهائلة التي تمتلكها. 

نجحت روسيا بأن تضع يدها على مصدر طاقة يعد الأكبر بعد المخزون الروسي وبهذا نجحت روسيا بإبعاد الغرب عن تلك الحقول في الوقت الحالي ونجحت إيران في الالتفاف على العقوبات الأميركية والغربية وإنشاء تكتل طاقي اقتصادي مع روسيا

إيران التي استبقت القمة بإعلان الشركة الوطنية الإيرانية للنفط توقيع وثيقة تفاهم قيمتها 40 مليار دولار مع شركة غازبروم الحكومية الروسية بعيد وصول الرئيس بوتين إلى طهران يعطي انطباعاً على أن طهران لم تعد تفكر في الاتفاق مع شركات الغرب، وأنها حسمت أمرها نحو روسيا ولعل هذا الاتفاق نوع من التراضي بين روسيا وإيران بعد بيع موسكو النفط بأسعار مخفضة لكل من الصين والهند والذي أثر سلبا على مبيعات إيران لتلك الدولتين، وأيضا نجحت روسيا بأن تضع يدها على مصدر طاقة يعد الأكبر بعد المخزون الروسي وبهذا نجحت روسيا بإبعاد الغرب عن تلك الحقول في الوقت الحالي ونجحت إيران في الالتفاف على العقوبات الأميركية والغربية وإنشاء تكتل طاقي اقتصادي مع روسيا.

ويمكننا اعتبار قمة طهران بأنها أوضحت الرؤية الاستراتيجية الخاصة لكل دولة من الدول الثلاث المشاركة، وأنه رغم تباين الأهداف والأولويات بين تلك الدول إلا أنها نجحت في إصدار بيان ختامي مشترك، ولكن لا يمكن اعتبار أن القمة كانت ناجحة تماماً فالاختلاف ما زال قائماً في ملفات عدة بين دول القمة الثلاث، فتركيا ورغم إعطائها فرصة للأصدقاء من أجل إيجاد حل سياسي بدلاً من العملية العسكرية في سوريا إلا أنها لم توقف الاستعدادت العسكرية لتلك العملية، وأنها لن تنتظر أو تأخذ إذناً من أحد على حسب تعبير وزير الخارجية التركي، وحتى الرؤية السياسية للحل في سوريا فتركيا ترى وفق البيان الختامي ضرورة إنهاء الأزمة السورية وفق حلول مستدامة ووضع آلية عمل لصوغ دستور جديد للدولة السورية وأن على المعارضة والنظام الجلوس وبدء الحوار من أجل ذلك بينما ترى روسيا ضرورة محاربة أي تحرك انفصالي من أي جهة كانت وضرورة عودة جميع المناطق إلى سيادة سوريا وهذا ما تتفق فيه مع إيران التي تريد إعادة تموقعها في المنطقة مع الشريك الروسي.