بوتين، الأسد، نتنياهو.. الراعيان والحسناء

2021.02.21 | 00:05 دمشق

rs6mh.jpg
+A
حجم الخط
-A

عشنا في هذا الأسبوع عدة أيام من التشويق ونحن نتابع تسريبات إعلامية غامضة عن حدث مهم يدور سرا بين روسيا وسوريا وإسرائيل. لم يصرح أحد بأي تفصيل طوال ثلاثة أيام، ورأس الخيط الوحيد الذي التقطه الناس ذهب إلى عمليات نبش تقوم بها قوات روسية في مقبرة اليرموك بدمشق. وعلى هذا الأساس كتبت وتحدثت بعض وسائل الإعلام عن عمليات بحث عن رفات جنود إسرائيليين من معارك سابقة، ولأن المعلومات شحيحة جدا والعدد المفقود من الجنود الإسرائيليين قليل جدا، فإن الكثير من الظنون أخذت أصحابها إلى جثة الجاسوس الشهير إيلي كوهين الذي تنكر تحت اسم كامل أمين ثابت وجاء إلى بلادنا في أوائل ستينيات القرن الماضي من الأرجنتين كرجل أعمال سوري ناجح هدفه خدمة وطنه، وانتسب إلى "الحزب القائد للدولة والمجتمع" وصعد في سلمه القيادي بسرعة شديدة حتى أصبح عضوا في القيادة، كما اخترق المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتعرَّف إلى الجبهة السورية في الجولان، ولكن أمره انكشف وتم إعدامه في عهد الرئيس أمين الحافظ. وتحدث مقربون من "أبو عبدو" أن كلا من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والفاتيكان وإسرائيل ساومته على كوهين، وطلبت عدم إعدامه، ولكنه رفض وعلق مشنقته في ساحة المرجة في 18 من أيار 1965، وهذا ما عجّل في رحيل الحافظ عن الحكم. ومنذ ذلك الوقت لم تكف إسرائيل عن المطالبة بالجثة، واشترطت قبل انعقاد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 الحصول عليها مقابل تسهيل المشاركة في المباحثات. وكان الجواب السوري بالرفض كما في المرات السابقة، وهناك من يفسر سبب عدم تجاوب النظام بأنه يعود إلى عدم معرفة مكان الجثة.

بعد عدة أيام من التشويق تمخض الجبل الروسي عن عملية تبادل بين النظام وإسرائيل غريبة في الشكل والمضمون

بعد عدة أيام من التشويق تمخض الجبل الروسي عن عملية تبادل بين النظام وإسرائيل غريبة في الشكل والمضمون. وجرى الإعلان عن صفقة يتم بموجبها الإفراج عن المعتقل الجولاني ذياب قهموز ونهال المقت التي تخضع للإقامة الإجبارية في الجولان، وذلك مقابل استعادة فتاة إسرائيلية عبرت إلى سوريا من معبر القنيطرة، ولكن هذه الصفقة تعثرت بسبب رفض كل من قهموز والمقت الترحيل إلى دمشق، الذي يعني إبعادا نهائيا عن الجولان بكل ما يترتب على ذلك. والغريب هنا أن النظام وافق على إبعاد مواطن ومواطنة من الجولان مقابل الإفراج عن فتاة إسرائيلية بقي أمر عبورها إلى سوريا لغزا، فهي من مستوطنة (موديعين عيليت) للمتدينين اليهود تتقن العربية وعلى علاقة افتراضية في سوريا. وتبدو هذه الرواية غير متماسكة لعدة أسباب أبرزها عملية تسلل الفتاة إلى سوريا من حدود تعتبر محروسة جيدا من خلال نظام أمني من بين الأكثر تطورا في العالم. ورجحت بعض المصادر أن الفتاة ربما تكون قد دخلت سوريا عبر بلد ثالث مثل الأردن أو لبنان. وسبق للفتاة أن حاولت دخول قطاع غزة لتقوم بـ"دور وسيط" بين إسرائيل و"حركة حماس"، للوصول إلى "اتفاق سلام" بينهما.

وتستدعي الصفقة عدة ملاحظات منها أن هناك هدية مجانية صريحة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى صديقه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وهذه ليست المرة الأولى، حيث سبق أن قدَّم له عدة هدايا في مناسبات انتخابية منها جثة الجندي باومل زخريا التي سلمتها روسيا لإسرائيل قبل انتخابات نيسان 2019. ولكن صفقة الحسناء والراعيين مثل سابقاتها تفضح النظام أكثر مما تفيده، واللافت هنا أن النظام تنصل عن تسليم جثة زخريا التي تمت عبر موسكو، ونسبها إلى "مجموعات إرهابية".! وفي عملية التبادل هذه بدلا من إلغاء الصفقة بسبب رفض قهموز والمقت الإبعاد إلى دمشق، فإن إسرائيل قررت الاستعاضة عنهما براعيين سوريين تم اختطافهما من الحدود لأمر من هذا القبيل، ووافق النظام على ذلك بسبب الإصرار الروسي على إنجاز الصفقة، حرصا على إيصال الرسائل السياسية المرجوة، ومنها بالخصوص دعم رئيس الوزراء الاسرائيلي قبل عشرة أيام من انتخابات الكنيست.