انسحاب "إنجة" واستطلاعات الرأي.. من يحسم السباق الرئاسي في تركيا؟

2023.05.12 | 06:09 دمشق

انسحاب "إنجة" واستطلاعات الرأي.. من يحسم السباق الرئاسي في تركيا؟
+A
حجم الخط
-A

كل ساعة تمضي في تركيا مؤخراً تقاس بيوم كامل، لما تحمله من تطورات وأحداث ساخنة على بعد مسافة قليلة جداً من انتخابات 14 مايو/أيار الرئاسية والبرلمانية، والتي تبدو فيها الخيارات صعبة والمواجهة أصعب.

سأتحدث هنا عن جزء يسير من هذه التطورات، ثم استطلاعات الرأي الأخيرة، وأخيراً حول سيناريوهات حسم الانتخابات.

انسحاب محرم إنجة

أمس الخميس 11 مايو/أيار أعلن المرشح الرئاسي عن حزب "البلد" محرم إنجة انسحابه من السباق الرئاسي، إثر ضغوط كبيرة مورست عليه، وصفَها هو نفسه بأن كل يوم مرّ عليه منذ ترشحه كان عاماً، وأشار إلى ابتزازات بشأن تسريبات صوتية ومشاهد بحقه، يقول بعضهم إنها جنسية، وبالطبع نفى إنجة صحة هذه التسريبات.

لكن ماذا يعني انسحاب إنجة؟ ما جرى يعني ببساطة أنه خضع لتلك الضغوط، وأن سياسة الابتزاز التي أطاحت برئيس حزب الشعب الجمهوري السابق، دنيز بايكال نجحت هذه المرة بإزاحة إنجة.

لكن من جانب آخر، لم يعلن إنجة تأييده لأي من المرشحين الآخرين، ولم يسحب حزبه "البلد" من التنافس في الانتخابات البرلمانية، بل طلب دعم حزبه بقوة على اعتبار أنه "الحزب الوحيد الذي يمثل أتاتورك"، وبطريقة غير مباشرة هاجم إنجة المعارضة واعتبرها "فاشلة" حينما قال "لن أدعهم يحمّلونني مسؤولية فشلهم صباح الإثنين" (اليوم التالي بعد انتهاء التصويت).

هذا التصريح يشير ضمنياً إلى أنه صب جام غضبه وغصته التي سيطرت على صوته وطريقة حديثه، كان على المعارضة أكثر من التحالف الحاكم.

لصالح من انسحاب إنجة؟

لا أعتقد أن كمال كليتشدار أوغلو مرشح الطاولة السداسية سيستفيد من ذلك، إلا إذا مورست ضغوط أكبر على إنجة واضطر لإعلان تأييده لمرشح الطاولة ودعا أنصاره لذلك.

هناك مظلومية جسّدها إنجة خلال انسحابه، ومن الواضح أن وزر ذلك تتحمله المعارضة والشعب الجمهوري تحديداً، حتى أن إنجة اتهم أصابع في الخارج مثل أعضاء بتنظيم غولن وراء موضوع التسريبات، ولذلك هذا الخطاب خلق نوعاً من أزمة الثقة بجبهة الطاولة السداسية ومرشحها، وإذا استثمر أردوغان هذه النقطة وسيفعل فإن احتقان أنصار إنجة تجاه كليتشدار أوغلو سيزيد.

في هذا السياق، أذكر أن هناك العديد من أنصار إنجة كانوا يقولون إذا لم يكسب إنجة الجولة الأولى فسنصوت لأردوغان وليس لكليتشدار أوغلو، لا سيما الشريحة اليمينية التي تدعمه والتي تعارض تكتل الطاولة السداسية مع أطراف أخرى عليها "شبهات" مثل الشعوب الديمقراطي المتهم بتبعيته لحزب العمال الكردستاني.

لا أحد يمكن أن يتوقع بشكل حقيقي كتلة محرم إنجة بدقة، لكن هناك مؤشرات ورؤى ترجح أن نصفها على الأقل سيذهب لصالح تحالف الجمهور الحاكم، للأسباب المذكورة أعلاه.

استطلاعات الرأي ماذا تقول؟

أولاً، لا بد من الإشارة إلى أنه لا توجد ثقة كاملة بمعظم شركات استطلاعات الرأي في تركيا للأسف، وجزء كبير منها له أجندته الخاصة سواء لصالح هذا الطرف أو ذاك، ولذلك لا يمكن التعويل بشكل كبير على النتائج المنشورة.

يمكن أن أستشهد هنا بمثال يؤكد ذلك، وهو أن معظم استطلاعات الرأي في انتخابات 2018 كانت تعطي حزب الحركة القومية بين 6 و 7% ومنها من تعطيه أقل، لكن في الواقع دخل الحزب البرلمان بقوة وحصل على 11%.

إلى جانب ذلك، الميادين والتجمعات الانتخابية، كذلك لا يمكن الاتكاء عليها كثيراً للحكم مسبقاً على أي نتيجة، وهناك أمثلة كثيرة في التاريخ السياسي التركي في هذا الصدد، أبرزها التجمع الضخم الذي نظّمه عصمت إينونو في 9 مايو/أيار 1950 لحزبه الشعب الجمهوري في تقسيم بإسطنبول، كان حشداً هائلاً من الناس، إلا أن هذا الحشد لم ينعكس على صناديق الاقتراع في يوم الانتخابات التي جرت كذلك في 14 من الشهر ذاته.

لكن نعم هذا ليس حكماً مطلقاً، فهناك بعض التجمعات ضمن ظروف خاصة يمكن أن تعطي مؤشرات ما، مثل تجمع إسطنبول الكبير الذي عقده أردوغان وتحالف الجمهور الأحد 7 مايو/أيار قبل أسبوع من الانتخابات، أعطى مؤشراً أن شعبية أردوغان لم تتراجع بالصورة التي تراها المعارضة أو بعض استطلاعات الرأي، ومع ذلك فحتى تجمع إسطنبول لا يعني صك ضمان للفوز.

هناك منطق أكثر دقة، وهو الكتل الصلبة والشريحة المترددة وهي ذات توجهات مختلفة في الوقت ذاته، بمعنى أن أصوات الشعب الجمهوري لن تقل عن 21 إلى 22% والشعوب الديمقراطي لن يقل عن 11 إلى 12%، والقوميين بفرعيه الحركة القومية والجيد لن يقل عن 15 إلى 16% والشريحة المحافظة "الصلبة" لن تقل عن 36 إلى 39%، وما تبقى قل أو كثر سيكون هو الحكم في هذه الانتخابات.

وبالطبع هذه أرقام تقريبية بالنظر إلى نتائج العديد من الانتخابات السابقة وديناميكية المجتمع التركي وتقسيماته الأيديولوجية، إضافة إلى أننا هنا لا نتحدث عن الشريحة التي لن تصوت على الإطلاق، بل نتحدث عن الناخبين الذين يفكرون بالتصويت بالفعل، ومنهم قواعد صلبة، وشريحة مترددة.

فيما يتعلق بالشريحة المترددة وموقفها، فمن الصعب تحديد ذلك بدقة، لكنها غالباً ما تتخذ قرارها في الأيام أو حتى الساعات الأخيرة، وتكون متأثرة في الغالب بمجريات التطورات التي تحدث في ذلك الحين، ولذلك فمن المتوقع أن نشهد مفاجآت جديدة حتى الساعة الخامسة من يوم السبت أي مع بدء فرض الحظر الانتخابي والدعائي.

السيناريوهات المتوقعة؟

إذا لم ينسحب سنان أوغان من السباق الرئاسي فهذا يعني أن جزءاً لا بأس به من أصوات إنجة قد يذهب إليه، ومع حصول هذا التشتت في الأصوات يكون من الصعب حسم الانتخابات من الجولة الأولى.

أما لو أعلن أوغان انسحابه فهذا يعني شريحتي أصوات تقدّران بـ3 إلى 5% تقريباً ستتوزع على أردوغان وكليتشدار أوغلو، على أنني على قناعة بأن هذه الأصوات أقرب لتحالف الجمهور من تحالف المعارضة، لا سيما مع وجود حزب الحركة القومية بجانب أردوغان؛ إلا إذا دعا إنجة وأوغان بشكل رسمي أنصارهما للتصويت لصالح كليتشدار أوغلو بناء على اتفاق أو نقاشات ما، فإن كفة الأخير ستكون أرجح لحسم الجولة الأولى أمام أردوغان.

والنقطة الأخيرة، تنطبق على سيناريو الجولة الثانية إلى حد كبير.

أكتب هذا المقال الخميس، والسبت اعتباراً من الخامسة سيكون هناك حظر انتخابي شامل بمعنى منع نشر أي دعاية أو أي شيء يؤثر على رأي الناخبين، والأحد ستكون الانتخابات، ومن الآن حتى ذلك الحين، ربما تحدث مفاجآت أو تسريبات تقلب الأمور بكاملها.